لا يُعد اللجوء سمة لمواطني العالم الثالث فقط، فقد تعرضت القارة الأوروبية لأزمات نزوح كبرى في العقود الأولى من القرن العشرين.

يستعرض هذا المقال بعضًا من هذه الأزمات، ويكشف عن حالة نجاح لمنظمات الإغاثة في مواجهة المعضلات الإنسانية المفاجئة الناجمة عن الاضطرابات السياسية والنزاعات المسلحة في فترة ما بين الحربين العالميتين.

شاخت ذاكرة القارة العجوز أوروبا وأصابها الوهن، إذ نسيت أنها استقبلت خلال القرن العشرين مئات الآلاف من المهاجرين كلاجئين. فخلال ثورة العام 1917 الروسية، والحرب الأهلية التي تلتها، لاذ نحو مليون روسي بالفرار إلى أوروبا. حصل مائة ألف منهم، ممن عَلِقوا في القسطنطينية (إسطنبول) على مساعدات، بطريقة أو بأخرى، من البعثات العسكرية الفرنسية والإنجليزية والصليب الأحمر الأميركي والصليب الأحمر الروسي السابق. لكن احتياجاتهم لم تكن على مستوى المساعدات الغذائية أو المادية فحسب، فقد كانوا بحاجة أيضًا إلى وثائق هوية، وبلد يستضيفهم، وعمل يقتاتون منه.

وأمام هذا الحجم من التحديات المختلفة، ما كان من اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلا أن دعت إلى عقد مؤتمر دولي في شباط/ فبراير من العام 1921 بمشاركة عصبة الأمم ومنظمة العمل الدولية ورابطة جمعيات الصليب الأحمر والاتحاد الدولي لإغاثة الأطفال ووزارة الخارجية الفرنسية والصليب الأحمر الروسي آنذاك. وأسفر النقاش عن إنشاء مفوضية سامية لشؤون اللاجئين الروس تتبع عصبة الأمم وتتولى توحيد جهود المنظمات الخاصة. واقترحت اللجنة الدولية تحديد الوضع القانوني لهؤلاء اللاجئين، الذي لم تكن له ملامح واضحة في ذلك الوقت. كما اقترحت توفير عمل لهم في البلدان التي يصلون إليها بأمان. بيد أن اللجنة الدولية أكدت الحاجة إلى تنظيم عودة هؤلاء اللاجئين بعد حين إلى وطنهم في روسيا.

أيدت الجمعية العامة لعصبة الأمم أفكار اللجنة الدولية وعينت فريديتوف نانسن (Fridtjof Nansen) كمفوض سامٍ لشؤون اللاجئين في 27 حزيران/ يونيو 1921. وحظي نانسن، الذي شغل منصب «مفوض عصبة الأمم السامي المعني بإعادة أسرى الحرب»، بمساعدة اثنين من النواب، عملا مندوبين للجنة الدولية، وهما إدوارد فريك (Edouard Frick) وجان-شارل دي واتفييل (Jean-Charles de Watteville). وبالتوازي مع ذلك، جرى اقتراح تنظيم مؤتمر دولي شاركت فيه عشرة بلدان معنية بالمسألة وممثلون عن اللجنة الدولية ورابطة جمعيات الصليب الأحمر والاتحاد الدولي لإغاثة الأطفال. وقد بحث المؤتمر النهج الواجب اتباعه لتوطين اللاجئين في بلدان مضيفة، وإصدار وثائق هوية لهم، وتزويدهم بمساعدات إغاثة، وذلك بالتعاون الوثيق مع المفوضية العليا الوليدة.

واعتبارًا من تلك اللحظة، أصبح من الممكن تنظيم المساعدة المقدمة للَّاجئين الروس وتوسيع نطاقها. وتمكنت العديد من هيئات الإغاثة من العمل إلى جانب اللجنة الدولية والرابطة لتقديم مساعدات تحت رئاسة المفوض السامي نانسن ونائبيه. كما أرسلت المفوضية العليا موظفين اختير معظمهم من بين مندوبي اللجنة الدولية للإشراف على العمليات. وكثيرًا ما مارس هؤلاء الموظفون المهام الموكلة إليهم في ضوء عملهم المزدوج لدى اللجنة الدولية والمفوضية العليا في آنٍ واحد، وباشروا أنشطة لصالح المنظمتين في البلدان التي لهما وجود فيها.

وبفضل اللجنة الدولية والفكرة التي خرجت بها، صدر جواز سفر في العام 1922 للاجئين الروس عديمي الجنسية. وفي وقت لاحق، بات هذا الجواز، المعروف باسم «جواز سفر نانسن» (Passeport Nansen)، يُمنح للاجئين آخرين لا سيما الأرمن.

ويُعدُّ الأرمن الفارون من عمليات إبادة جماعية سقطوا ضحيتها في الشرق الأوسط، ثاني أكبر فئة استفادت من أنشطة المفوضية العليا اعتبارًا من العام 1924. وكلفت المفوضية العليا مندوب اللجنة الدولية في روسيا فولديمار فهرلين (Woldemar Wehrlin)، بدراسة الإمكانيات المتاحة أمام إعادة توطين الأرمن في جنوب روسيا. وعندما صار المفوض السامي للاجئين الروس يعمل تحت قبة منظمة العمل الدولية في العام 1925، عُين أمين اللجنة الدولية إتيان كلوزو (Etienne Clouzot) خبيرًا في شؤون المهاجرين لدى المنظمة. وفي بداية ثلاثينيات القرن العشرين، بات «جواز سفر نانسن» يُمنح أيضًا للآشوريين والأقليات الدينية الأخرى في الإمبراطورية العثمانية السابقة.

وانتهى المآل بآلاف المهاجرين الروس أيضًا في الشرق الأقصى، وخاصة في الصين. وحصل مائة ألف منهم على وضع لاجئ، ما أهلهم للهجرة إلى بلدان ما وراء البحار. وأرسلت اللجنة الدولية في آذار/ مارس من العام 1925 بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، أحد مندوبيها وهو هنري كوينو(Henri Cuénod) في مهمة إلى الصين ومنشوريا لتقييم أوضاع اللاجئين الروس هناك وفي جميع مناطق وجودهم. وسمحت هذه المهمة التي امتدت حتى نهاية العام 1926، بتوطين عدة آلاف من اللاجئين الروس في أميركا الجنوبية، بينما استقر المقام بالنسبة لغيرهم في الصين بشكل دائم.

وبرهنت مسألة اللاجئين الروس والأرمن في فترة ما بين الحربين العالميتين على كيفية نجاح المؤسسات الإنسانية، ليس فقط في التعاون فيما بينها لمواجهة معضلة إنسانية مفاجئة، وإنما مع مؤسسات سياسية دولية مثل عصبة الأمم ومنظمة العمل الدولية. ويعيد هذا المثال إلى الأذهان الجهود التاريخية التي بذلتها اللجنة الدولية في قضية الهجرة القسرية. فالفضل لا يعود بالأساس إلى اللجنة الدولية فحسب في إرساء نظام مكن عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة من وضع برامج للمساعدة لصالح اللاجئين وذلك نتيجة لتنظيمها مؤتمر شباط/ فبراير 1921، وإنما لأنها وسعت نطاق نشاطها ليشمل اعتبارًا من ذلك الوقت هذه الفئة الجديدة التي أصبحت تعرف بضحايا النزاعات المسلحة.

وهكذا، وبالتوازي مع أزمة اللاجئين الروس، عملت اللجنة الدولية أيضًا لصالح مئات الآلاف من النازحين اليونانيين والأتراك بعد الحرب التي نشبت بين هذين البلدين (1919-1922). وأرسلت اللجنة الدولية مندوبًا لها إلى اليونان، وهو رودولف دي ريدنغ-بيبريغ (Rodolphe de Reding-Biberegg) لتنسيق أنشطة الإغاثة لصالح اللاجئين اليونانيين القادمين من آسيا الصغرى. وكلف المندوب على وجه الخصوص بمتابعة بناء قرى نموذجية لاستقبال اللاجئين وإقامة مستوصفات ومطابخ متنقلة. وبعد الحرب العالمية الثانية، نشطت المؤسسة مرة أخرى وعملت على الخطوط الأمامية لمواجهة المصاعب الإنسانية التي تواجه من لا مأوى لهم. وبالإضافة إلى دور اللجنة الدولية الرائد في إصدار «جواز سفر نانسن»، فقد أصدرت أيضًا وثيقة سفر يستفيد منها آلاف اللاجئين من عديمي الجنسية، مما سمح لهم بالحصول على مستقبل أفضل. ولا تزال وثيقة السفر هذه تصدرها المنظمة حتى يومنا هذا.

نٌشر المقال في الأساس في العدد المطبوع من مجلة الإنساني الذي حمل رقم 60، وصدر في شتاء 2016. انقر هنا للاطلاع على محتوى العدد، وهنا لتحميل العدد بأكمله.