فى حوار أجريناه مع جيل كاربونيه، نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، نناقش الوضع الحالي للعمل الإنساني فى الشرق الأوسط والتحديات التي تواجهها المنظمات الإنسانية مثل اللجنة الدولية في مناطق النزاعات الممتدة وفي مجال العمل الإنساني بوجه عام، مع شرح للتحديات التي واجهتها اللجنة الدولية اقتصاديًّا وصحيًّا واجتماعيًّا أثناء جائحة كوفيد-19 والإنجازات المحققة فى ظل الأزمة العالمية.

على مدار الثلاثين عامًا الماضية عمل كاربونيه في ثلاثة من أبرز المجالات الرائدة وهي اقتصاديات التنمية، والعمل الانساني، والتجارة الدولية. ونشرت مطبعة جامعة أكسفورد ودار هورست في العام 2016 كتابه الأخير، بعنوان «الاقتصاد الإنساني: الحرب والكوارث وسوق المعونة العالمية».

اكتسب جيل كاربونيه خبرة مهنية في مجال العمل الإنساني لعمله فى اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعدة سنوات، حيث عمل في الميدان من العام 1989 إلى العام 1991 كرئيس للبعثة في إثيوبيا والعراق وكمندوب في سري لانكا والسلفادور، ثم في المقر الرئيسي من العام 1999 إلى 2006 كمستشار اقتصادي. كما عمل في منظمة «أطباء بلا حدود» حيث كان عضوًا فى مجلس إدارة المنظمة في سويسرا من العام 2007 وحتى العام 2012. كما لديه خبرة في العمل لدى منظمة التجارة العالمية (الجات).

الإنساني: زرت مؤخرًا أميركا اللاتينية واليوم أنت في الشرق الأوسط. المنطقتان مختلفتان كثيرًا، ولكن برأيك ما هي المشتركات التي تراها بالنسبة للوضع الإنساني؟

كاربونيه: شتان بين سياق أميركا اللاتينية وسياق الشرق الأوسط، ومع ذلك يدهشني عدد من التشابهات بينهما. فمنذ أسبوعين كنت في كولومبيا وهأنا اليوم في الشرق الأوسط وما أراه هو أننا أمام نزاعات وأزمات طال أمدها في المنطقتين. ففي كولومبيا أبرمت اتفاقية سلام منذ 4 سنوات، وقد اعتقدنا أن من شأنها أن توفر السلام بعد عقود وعقود من النزاع المسلح.

لكن ما رأيناه بالفعل هو أن مستوى العنف المسلح في كولومبيا يشتعل من جديد وتزداد حدته، والعواقب الإنسانية وخيمة بالنسبة للسكان المتضررين.

وإذا نظرت إلى الوضع الآن في العراق وسورية واليمن فهو ليس نتيجة سنوات من النزاع بل عقود. فقد مر عقد على النزاع في سورية، وفي العراق مرت عقود، ورأينا أجيالًا تتضرر من جراء حالات النزاع والعنف المسلح. وهذا وضع يفرض تحديات بالنسبة للمنظمات الإنسانية مثل اللجنة الدولية لأنه يلزمنا التأقلم مع هذه النزاعات الممتدة حيث نضطر إلى إعادة تقييم مستمر لأساليب مشاركتنا في ما يتعلق بالأمن والوصول إلى المحتاجين وكذلك الاستجابة.

وبطبيعة الحال هذا وضع يستدعي أثرًا إنسانيًّا مستدامًا للاستجابات لأن الناس لا يمكنهم أن يستمروا في عيش حياتهم أو عقود منها معتمدين على المساعدات فحسب، فهم يحتاجون إلى استعادة استقلاليتهم.

الإنساني: ما الذي حققته اللجنة الدولية في هذا السياق؟

كاربونيه: لقد حققنا تقدمًا كبيرًا في أقلمة استجابتنا لإتاحة فاعلية أكبر للمحتاجين وتقليل حجم احتياجاتهم وتزويدهم بوسائل أكبر لاستعادة قدراتهم على توليد الدخل لا ليتمكنوا من عيش حياة طبيعية، وإنما ليحيوا حياة كريمة بغض النظر عن النزاع الممتد والمتواصل. وأرى أن هذا أحد أوجه التماثل [بين أميركا اللاتينية والشرق الأوسط].

وربما من أوجه التماثل الأخرى أنني كنت في أميركا الوسطى حيث لا وجود لنزاع مسلح لكننا أمام مستوى مرتفع من العنف المسلح. وفعليًّا في هذه الحالات فإن العواقب الإنسانية بالنسبة للسكان المتضررين تظل كما هي.

في بعض الحالات وفي بعض المناطق في الشرق الأوسط نرى أيضًا مستويات مرتفعة من العنف المسلح ينجم عنها نزوح هائل للسكان ودخول عدد كبير من الناس في عداد المفقودين والحاجة إلى إعادة الروابط العائلية، وينجم عنه أيضًا وجود عدد كبير من المحتجزين وحرمانهم من حريتهم واحتياجهم إلى نوع معين من الحماية. لذا أعتقد أن كل هذه الجوانب تجعل أعمالنا واستجابة اللجنة الدولية لحماية ومساعدة المتضررين مهمة للغاية.

الإنساني: يعاني العالم أجمع الآن من جائحة كوفيد-19 وما لها من أثر صحي واقتصادي، فإلى أي مدى ترى تأثير ذلك أيضًا على عملنا في المجال الإنساني وكذلك على الضحايا في المناطق التي تستعر فيها النزاعات؟

كاربونيه: مر أكثر من عام على أزمة كوفيد-19 بما تفرضه من صعوبات إضافية. وإذا ما نظرنا إلى كوفيد-19 فبطبيعة الحال يمكننا رؤية الأثر الصحي المباشر الذي ينعكس على الصحة العامة وعلى المنظومة الصحية ويفرض عليها ضغوطًا كبيرة.

وأنا أرى أن اللجنة الدولية بذلت جهدًا كبيرًا بالتعاون مع شركائنا داخل الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر (الحركة) والجمعيات الوطنية والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (الاتحاد الدولي) سعيًا وراء تقديم الدعم للمنظومات الصحية التي يتعين عليها التصدي لهذه الأزمة.

لكن من ناحية أخرى نحن أمام أثر غير مباشر يظهر في صورة أزمة اقتصادية واجتماعية. فالأزمة الاقتصادية تؤدي لانكماش اقتصادي وهو ما يترجم إلى فرص توظيف أقل وفرص تحصيل دخل أقل بالنسبة للمتضررين، واستضعاف أكثر للناس، فيتعذر عليهم بلوغ ما يمكِّنهم من العيش بحد الكفاف. وهذا بطبيعة الحال يضاعف الاحتياج للمهذا سؤال جيد. وأنا أعتقد أنه توجد توجهات مختلفة لكن إجمالًا ما يمكن أن نراه هو أن غالبية هذه النزاعات مستمرة منذ سنوات فهي نزاعات ممتدة ونحن بوسعنا أن نقدم دعمًا لتخفيف المعاناة التي يتحملها السكان المتضررون لكن لا حلول إنسانية للنزاعات الممتدة ذاتها.

لا حل لهذه النزاعات سوى الحلول السياسية. فأنا أعتقد أننا نحتاج إلى أن يوجد مجتمع دولي تتضافر جهوده حقًّا إلى أقصى مدى ممكن، ليحاول الوصول إلى سبل لإنهاء هذه النزاعات الممتدة. هذه مسألة محورية، وبوصفنا منظمة إنسانية محايدة فنحن لا نتدخل في هذه المسائل التي تتسم بأنها ذات طبيعة سياسية جوهرية، لكن ما يمكننا فعله هو الإسهام بوصفنا وسيطًا محايدًا لإنشاء مساحات تُنمي وتُمكِّن من خلق مناخ للتوسط والتقدم نحو حلول سلمية.

وسأسرد لك مثالًا واحدًا، في أكتوبر العام الماضي توسطت اللجنة الدولية ويسرت عملية الإفراج المتبادل عن أكثر من ألف محتجز وسجين في اليمن. فمن خلال تقديم خدماتنا بوصفنا وسيطًا محايدًا تمكنَّا من جمع الأطراف المتحاربة لمناقشة طرق الإفراج عن أكثر من ألف محتجز ولضمان العودة الآمنة لهؤلاء المحتجزين. هذا أحد الجوانب التي يمكن لمنظمة إنسانية كاللجنة الدولية أن تقوم فيه بدور، ولكن مرة أخرى من المهم للغاية أن تبذل الأطراف جهودًا أكبر لمحاولة التوصل إلى حلول سياسية قابلة للتحقق. 

حتى ذلك الوقت، أود أن أسلط الضوء على نقطة أخرى، وهي أن هذه الجائحة أثرت على كل فرد منا، ليس على المستوى الشخصي فحسب، وإنما أيضًا على مستوى عائلاتنا ومجتمعاتنا المحلية. فجميعنا تأثر من جراء الجائحة بقدر ما ولكن ليس بالطريقة ذاتها.

ومن كانوا مستضعفين أصلًا قبل الجائحة عانوا بدرجة أكبر بكثير في ظل الأزمة لأنهم لا يتمتعون برعاية صحية قوية، وهم في الأصل في وضع خطير ويفتقرون إلى آليات التأقلم لامتصاص الصدمة الاقتصادية الناجمة عن قيود الإغلاق والأزمة الاقتصادية. وهكذا أقول إن هذه الظروف ربما فاقمت صور التفاوت، وفاقمت صور الاستضعاف بالنسبة للمتضررين.

ولعل النقطة الأخيرة التي أود أن أذكرها هي أننا بالطبع نقدر العاملين في المجال الإنساني والعاملين في المجال الصحي، فنحن نقدر التزام 20 ألف زميل داخل اللجنة الدولية وكذلك كل المتطوعين في الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر وجميع موظفي الرعاية الصحية الذين يظهرون أعلى درجات الالتزام على الرغم من الضغوط التي يواجهونها في ما يتعلق بالتحديات التي يتعين عليهم مواجهتها.

الإنساني: ماذا عن الآثار غير المرئية للجائحة؟

كاربونيه: في ما يتعلق بالصحة النفسية نحن نرى أن الجائحة لها أثر بالغ. فليس كبار السن وحدهم هم المتضررون والأكثر تعرضًا للخطر بل أيضًا الشباب والمراهقون الذين قيدت تحركاتهم فلم يستطيعوا استئناف دراستهم. لذا يجب أن نكون مهتمين للغاية برعاية بعضنا البعض وحذرين بشأن هشاشة مجتمعاتنا وداعمين لبعضنا البعض فيما يتعلق بالصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي.

الإنساني: كيف أثرت الجائحة على المنظمات مثل اللجنة الدولية أو مجال العمل الإنساني بوجه عام، وهل سنعود إلى عالم ما قبل كوفيد-19 عند نقطة معينة؟ هل من الممكن أن نعود إلى ما كنا عليه، أم أننا سنبدأ أسلوبًا مختلفًا في ما يتعلق بطريقة عملنا في المستقبل؟

كاربونيه: هناك العديد من الآثار على المنظمات الإنسانية مثل منظمتنا. يتمثل التحدي الأول في الاستمرار في تنفيذ عملياتنا المعنية بإنقاذ الأرواح. وعلى الرغم من قيود الإغلاق وحالة الطوارئ استمرت اللجنة الدولية في تنفيذ هذه العمليات، ولكم سعدت عندما رأيت أننا بنهاية 2020 تمكنَّا من تنفيذ نحو نسبة 90 في المئة من أنشطتنا. معنى هذا أننا استطعنا تحقيق نحو 90 في المئة من الأهداف التي خططنا لها، وأننا نجحنا فى الحفاظ على تقديم الخدمات خلال الأزمة.

وبطبيعة الحال فنحن أعدنا توجيه بعض أنشطتنا بهدف دعم الهياكل الصحية والخدمات الصحية، وكذلك تقديم مساعدات مباشرة لفئتين من الناس على وجه التحديد تواجهان خطرًا، هما: المحرومون من حريتهم، أي المحتجزون؛ لأنهم يعيشون في سجون وأماكن احتجاز يغلب عليها الاكتظاظ، ومن المستحيل الحفاظ على التباعد الاجتماعي فيها، بل في بعض الأحيان لا يحصل هؤلاء على المياه والصابون لغسل أيديهم.

والتحدي الآخر بالنسبة للمنظمات الإنسانية هو في التمويل. فمن ناحية فاقمت الجائحة الاحتياج للمساعدات بالنسبة لغالبية المجتمعات المحلية الأشد هشاشة، فقد رأينا الاحتياجات تزداد ونحن يلزمنا أن نطور استجابتنا. وفي الوقت نفسه، يواجه المانحون الرئيسيون قيودًا على ميزانياتهم، أولًا لأن الاقتصادات عانت في الغالب تحت وطأة الجائحة بسبب الإغلاق، فنمو الناتج المحلي عند بعض من مانحينا الرئيسيين سجل بالسالب، ومنهم من وصل إلى سالب 10 في المئة في عام واحد. وثانيًا، بعض مانحينا الأساسيين أعادوا توجيه بعض أموالهم من المساعدات الخارجية إلى مساعدات داخلية.

فنحن أمام هذا الموقف الصعب لا بد أن نبذل مزيدًا من الجهد لكي نستجيب لاحتياجات أكبر، ولكن في الوقت نفسه نرى أن مانحينا يحذرون من أنها ستكون مسألة صعبة بالنسبة لهم أن يحافظوا على تقديم دعمهم.
لذا نحن مضطرون إلى البحث عن موارد تمويل بديلة من خلال المانحين الطارئين ومن خلال الشراكة مع وكالات التنمية والشراكة مع موارد تمويل أخرى. قد تساعدنا هذه الحلول على تنويع مصادر تمويلنا حتى نتمكن من الاستجابة للاحتياجات.

الإنساني: كيف ترى مسألة توزيع اللقاح والسياسات المختلفة التي نراها بين الجنوب والشمال، ونحن نشهد هذا النوع من التمييز بين الشمال والجنوب أو بين منطقة وأخرى، بل وفي بعض البلدان على مستوى الشرائح الاقتصادية المتباينة؟

كاربونيه: أرى أنه في حالة الجائحة الكونية التي نشهدها لا غنى عن التضامن العالمي. ولقد سمعنا هذه الجملة مرارًا وهي تنطق بالحق: «ما من أحد سيكون سالمًا ما لم يكن الجميع سالمين». لذلك من المهم التأكد من أن توزيع اللقاح يتم بالتساوي بين البلدان وكذلك داخل كل بلد على حدة.

من أجل ذلك دعونا في الحركة إلى توزيع عادل للقاحات على المستوى العالمي وكذلك قدمنا خدماتنا داخل كل بلد بهدف مساعدة السلطات في تقديم اللقاحات لأشد السكان تعرضًا للتهميش والمستضعفين وفي الأماكن التي يصعب الوصول إليها وفي الأماكن التي تعمل فيها اللجنة الدولية يوميًّا.

هذا جهد يتعين علينا بذله. وأظن أننا نرى اتجاهين؛ الأول وهو الاتجاه القومي في التلقيح. وبالطبع كل بلد وكل حكومة يتعين عليها أن ترعى سلامة وأمن وصحة مواطنيها. ونحن نتفهم ذلك بالتأكيد. ولكن في الوقت نفسه يجب أن نناقش الدول ونشركها في الحوار حتى نضمن حصول أكثر المستضعفين على اللقاحات بأسرع وقت ممكن.

نحن نرى وجود آليات مختلفة توضع بهدف تحسين إنتاج اللقاحات أولًا على مستوى العالم وثانيًا لإتاحة اللقاحات لأكثر المستضعفين بأسرع وقت ممكن.

الإنساني: بخصوص ما قاله رئيس اللجنة الدولية بيتر ماورير في مجلس الأمن عن التحرك العاجل لتوفير الخدمات الأساسية في مناطق النزاعات وضرورة عدم استهداف البنية التحتية، كيف ترى دور المنظمات الإنسانية في هذا الشأن لا سيما أنه لا دور لها بشأن المساءلة المباشرة بما أننا منظمة إنسانية محايدة ومستقلة. ومع ذلك للمساءلة أهمية كبرى في مناطق النزاعات وفي الوقت نفسه ليس لنا دور مباشر فيها، فكيف تقيم ذلك؟


كاربونيه: أظن أنك ألقيت الضوء على ثلاث مسائل مهمة الأولى – التي أشار إليها أيضًا السيد بيتر ماورير رئيس اللجنة الدولية – هي أننا نشهد عددًا متزايدًا من الهجمات التي تستهدف المهمات الطبية. وهذا يعني أن العاملين في المجال الصحي والأطباء والممرضات يعانون من تكرار عمليات العنف والهجمات التي تهدد سلامتهم بالإضافة إلى استهداف المرافق الطبية ذاتها ومراكز الرعاية الطبية الأولية ونهبها على يد سكان يتزايد قلقهم بشأن صحتهم بسبب الاضطراب الذي أحدثته الجائحة والضغوط التي فرضتها. فظهر كل ذلك في صور هجمات عنيفة تصاعدت ضد الرعاية الطبية. وأعتقد أن هذه الممارسات يجب أن نتصدى لها مهما كلف الأمر.

حدث هذا في كولومبيا، فمنذ أسبوعين اطلعنا على أرقام تُبين أن الأمر لا يقتصر على المجموعات المسلحة فحسب بل أيضًا السكان أنفسهم صاروا يمارسون عنفًا أكبر ضد العاملين في مجال الصحة، وجزء من هذا لا سبب له سوى أنهم متألمون لأنهم أحضروا قريبًا أو أمًّا أو أبًا مريضًا بكوفيد-19 ويريدون علاجًا في الحال لإنقاذه. وبالطبع يبذل العاملون في مجال الصحة كل ما بوسعهم للتأقلم مع الوضع، لكن في بعض الأحيان ليس بوسعهم أن يستجيبوا فورًا للحالات. وفي هذه الحالة يجب أن نتأكد أننا جميعًا لا نمارس ضغوطًا أو عنفًا ضد العاملين في مجال الصحة لأن هؤلاء والمرافق الطبية موجودون من أجل تقديم العلاج والرعاية للجرحى والمرضى.

وأرى أن الحملة التي أطلقناها في أميركا اللاتينية وكولومبيا تحديدًا بعنوان «العالم انقلب رأسًا على عقب» معبرة تمامًا. فعندما يبدأ السكان بتوجيه العنف ضد الرعاية الصحية فمعنى ذلك أن ثمة أمرًا جوهريًّا قد أصاب العالم. وعندها يجب علينا أن نساعد ونضع تدابير لنشر التوعية بضرورة احترام مهام الطواقم الطبية.

والمسألة الثانية التي تفضلتِ بذكرها هي أنه من المهم للغاية تأكيد الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني وباقي القواعد الأساسية الخاصة باستخدام القوة واحترامها. فنحن نسعى إلى ترويج ونشر معرفة أفضل وامتثال أفضل للقانون الدولي الإنساني بالنسبة للقوات المسلحة وغيرها من قوات الأمن. ولهذه المسألة أهمية كبيرة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

أما النقطة الثالثة التي ذكرتِها فهي المساءلة. توجد آليات مساءلة لكن المساءلة هي أولًا وأخيرًا دور يقع على عاتق الدول، لأن كل الدول وقعت على اتفاقيات جنيف، وتقع على عاتقها مسؤولية ترجمة هذه الالتزامات إلى قوانين وتشريعات وطنية واتخاذ جميع الإجراءات والتدابير للترويج لهذه القواعد الأساسية في نطاق قواتها المسلحة وأن تكفل أيضًا اتخاذ إجراءات لضمان الامتثال الملائم في حال وقوع انتهاكات لتلك القواعد.

أما ماذا بإمكاننا أن نفعل بوصفنا منظمة إنسانية، فنحن كما ذكرتِ منظمة إنسانية محايدة وغير متحيزة ومستقلة. لذا فدورنا الإنساني من خلال موظفينا البالغ عددهم نحو 20 ألفًا الذين يعملون على الخطوط الأمامية أن نكون قادرين على جمع معلومات بشأن ما نشهد وأن نتواصل في حوار مباشر مع المسؤولين عما شهدناه. ويتم ذلك في حوار سري وبنَّاء حيث نحاول أن نتواصل مع السلطات، ومع من قد يكونون مسؤولين عن انتهاكات محتملة، من أجل تحسين الوضع، ولكي نرى ونناقش مع السلطات كيف يمكن التأكد من أن الانتهاكات لن تتكرر وأن إجراءات وتدابير ملائمة تتخذ من أجل ضمان عدم تكرار الانتهاكات. فهذا مسعى طويل الأجل.

وسوف أختتم كلامي في هذه المسألة بملحوظة واحدة: كثيرًا ما نسمع أن ما من أحد يحترم هذه القواعد. والحق أننا كثيرًا ما نسمع عن انتهاكات لهذه القواعد. لكننا من ناحية أخرى علينا أن نقول إن موظفينا في الميدان يشهدون في كل يوم أمثلة لا حصر لها لمواقف تُراعى فيها قواعد القانون الدولي الإنساني.

فعلى سبيل المثال، تمر سيارة إسعاف تحمل مقاتلًا جريحًا بنقطة تفتيش تنتمي لطرف آخر ويُسمح لها بالمرور بسلام حتى يحصل الجريح على علاج. هذه أمثلة تتكرر كل يوم، فنحن نرى قادة في الجيوش يتخذون قرارات بتغيير استهداف هدف عسكري معين بهدف تقليل مخاطر وقوع ضحايا مدنيين لأن المدنيين مشمولون بالحماية. وأعتقد أن علينا أن نفهم على نحو أفضل متى وكيف يُمتثل للقانون الدولي الإنساني وأن نبني على هذه المواقف والأمثلة حتى نكثف الضوء على سلوكيات الأشخاص المعنيين.

الإنساني: لعلك تتحدث عن أننا لا نرى حديثًا عن الامتثال للقانون الدولي الإنساني في المجال العام، فنحن لا نرى في وسائل الإعلام تقارير تتحدث عن كيفية امتثال قادة عسكريين للقواعد واتخاذهم تدابير معينة للحيلولة دون وقوع انتهاكات. بل نرى النقيض طول الوقت. فوسائل الإعلام تركز بالأساس على الجانب السلبي، وربما يظن الناس أن هذا هو المعتاد ولا يحدث شيء سوى ذلك، ولا جانب آخر للقصة المروية.

كاربونيه: نعم بالتأكيد. أعتقد أن الأمر يعتمد على المهمة الخاصة الموكلة لكل منظمة على حدة. بالنسبة لنا في اللجنة الدولية، التحدي الأول يتعلق بما كنا نناقشه للتو وهو كيف نعزز قدرتنا للتأثير على أطراف نزاع مسلح فلا يعرفون فحسب ما القواعد التي يجب عليهم الامتثال لها، ولكن أيضًا يغيرون سلوكهم بحيث يحققون حالات نجاح أكثر من تلك المسكوت عنها وغير المرئية في الإعلام، لأن هذه النجاحات مهمة للغاية في تجنب إزهاق الأرواح وتجنب إحداث المعاناة.

ويتعلق هذا التحدي بكيف يمكننا أن نجد سبلًا لتكون لدينا إستراتيجية تأثير فعالة حتى يحظى المدنيون بالحماية وأن تكون المرافق المدنية مثل المستشفيات والمدارس مشمولة بحماية فعَّالة وأن يتمكن السكان المتضررون من الوصول إلى الخدمات الأساسية.

ورأيي أننا يجب أن نحسِّن دومًا الطريقة التي نلتمس بها ترك أثر، بداية من خطوط المواجهة الأولى للتفاوض الإنساني مع موظفينا في الميدان وصولًا إلى الدبلوماسية الإنسانية في العواصم حول العالم وكذلك في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. فنحن يجب أن نتدخل في كل مستوى من هذه المستويات فنشرك أطرافًا فاعلة عديدة بحيث نترك أثرًا.

أما التحدي الثاني فهو العمل من كثب مع السكان المتضررين أكثر من أي وقت مضى لأن المتضررين من النزاعات الممتدة كما سبق وناقشنا لديهم فاعلية ويمكنهم أن يتخذوا العديد من التدابير لحماية أنفسهم على نحو أفضل من الأضرار ومحاولتهم عدم فقد الاتصال بين أفراد العائلة الواحدة وأحبائهم. ونحن يمكن حقًّا أن نمكنهم من ذلك.

وأعتقد أن التحول الرقمي الذي نشهده اليوم يغير الكثير والكثير. فما نراه ونحن نناقش الأمور مع السكان المتضررين من النزاعات المسلحة أن أول أمر يسألون عنه هو فرص التواصل العائلي، ومنها الولوج إلى الإنترنت واستقبال المكالمات التليفونية أو حتى إمكانية وصولهم إلى مصدر كهرباء لإعادة شحن هواتفهم المحمولة. وكل ذلك لأنهم يريدون أن يجدوا سبيلًا للحصول على معلومات. ومن خلال ذلك يعرفون ما التدابير والإجراءات التي يتعين عليهم اتباعها حتى يتخذوا أفضل قرار لأنفسهم ولأطفالهم بالنظر إلى الموقف الذي هم فيه.

فأرى أن من الأساليب المحورية العمل من كثب مع المتضررين وتمكينهم حتى يتخذوا القرارات الصحيحة بالنسبة لهم واكتساب فاعلية أكبر ومحاولة التوصل إلى وسائل لكسب الدخل المادي.

أما التحدي الثالث الذي أود أن ألقي عليه الضوء فهو العمل في شراكات مع الأطراف الفاعلة الأخرى. إن الأزمات التي نعيشها اليوم ممتدة وهي إنسانية وكذلك تنموية في غالب الأحوال، وهي متعلقة كذلك بالتغير المناخي والبيئة. والمتضررون على الأرض لا يعنيهم كثيرًا ما إذا كانت المنظمة التي تمد يد العون منظمة إنسانية أو إنمائية أو بيئية، إنما يريدون أن يحصلوا على الدعم بحيث يتمكنون من المضي قدمًا في حياتهم.

وأعتقد أننا بوصفنا منظمة إنسانية علينا أن نسلك طرقًا أفضل لنكون قادرين على إبرام شراكات داخل الحركة بالتأكيد مع مكونات الحركة، وكذلك مع الأطراف الفاعلة الإنمائية ومع البلديات وسلطات المدن والمنظومات داخل المدن ومع الوزارات التي تقدم خدمات أساسية للسكان، وأيضًا مع قطاع العلوم والقطاع الأكاديمي حتى نكون قادرين على اعتماد مبتكرات معينة تعيننا على تحسين أثرنا في المناطق التي نعمل بها. كذلك ينبغي أن نبرم شراكات مع الأطراف المعنية بالتصدي للتغير المناخي وتخفيف آثاره والتأقلم معه.

وأرى أن هذا مسعى لا يسع منظمة واحدة بمفردها أن تتصدى له. إنما بالشراكات وحدها يمكننا أن نترك أثرًا أكبر. وهذا تحدٍّ يواجهه الجميع. فنحن اعتدنا على العمل داخل قطاعنا الإنساني ونحن لا بد أن ننفتح على إبرام شراكات مع منظمات مختلفة فهذا سيساعدنا على التصدي للتحديات المعاصرة.

الإنساني: ما هو برأيك مستقبل العمل الإنساني وكيف يمكن أن تتأقلم المنظمات مع هذه البيئة سريعة التغير حيث نعمل فيها سواء في مناطق النزاعات أو غيرها من المناطق بوجه عام من أجل ضمان كفاءة في العمل؟

كاربونيه: هذا سؤال جيد. وأنا أعتقد أنه توجد توجهات مختلفة لكن إجمالًا ما يمكن أن نراه هو أن غالبية هذه النزاعات مستمرة منذ سنوات فهي نزاعات ممتدة ونحن بوسعنا أن نقدم دعمًا لتخفيف المعاناة التي يتحملها السكان المتضررون لكن لا حلول إنسانية للنزاعات الممتدة ذاتها.

لا حل لهذه النزاعات سوى الحلول السياسية. فأنا أعتقد أننا نحتاج إلى أن يوجد مجتمع دولي تتضافر جهوده حقًّا إلى أقصى مدى ممكن، ليحاول الوصول إلى سبل لإنهاء هذه النزاعات الممتدة. هذه مسألة محورية، وبوصفنا منظمة إنسانية محايدة فنحن لا نتدخل في هذه المسائل التي تتسم بأنها ذات طبيعة سياسية جوهرية، لكن ما يمكننا فعله هو الإسهام بوصفنا وسيطًا محايدًا لإنشاء مساحات تُنمي وتُمكِّن من خلق مناخ للتوسط والتقدم نحو حلول سلمية.

وسأسرد لك مثالًا واحدًا، في أكتوبر العام الماضي توسطت اللجنة الدولية ويسرت عملية الإفراج المتبادل عن أكثر من ألف محتجز وسجين في اليمن. فمن خلال تقديم خدماتنا بوصفنا وسيطًا محايدًا تمكنَّا من جمع الأطراف المتحاربة لمناقشة طرق الإفراج عن أكثر من ألف محتجز ولضمان العودة الآمنة لهؤلاء المحتجزين. هذا أحد الجوانب التي يمكن لمنظمة إنسانية كاللجنة الدولية أن تقوم فيه بدور، ولكن مرة أخرى من المهم للغاية أن تبذل الأطراف جهودًا أكبر لمحاولة التوصل إلى حلول سياسية قابلة للتحقق.