التعامل مع جثث الموتى في أوقات النزاعات أو الكوارث الطبيعية واحد من أكثر الأنشطة حساسية بسبب رسوخ معتقدات بأن هذه الجثث تشكل خطرًا داهمًا على الصحة العامة لأنها تنشر الأوبئة. في هذا الحوار يشرح لنا روبرتو بارا وهو طبيب شرعي يعمل منسقًا لخدمات الطب الشرعي الإقليمي في اللجنة الدولية، المفاهيم الخاطئة في العلاقة بين الجثث وانتقال الأوبئة.

ما مدى صحة المعتقدات الشائعة التي تقول إن الجثث تشكِّل خطرًا على الصحة العامة؟ أو بعبارة أخرى، هل تؤدي أعداد الجثث الكثيرة، الناتجة عن النزاعات المسلّحة أو الكوارث الطبيعية، إلى انتشار أوبئة بعينها؟ 

تعبير «معتقدات شائعة» صحيح. فمثلاً بعد وقوع زلزال يعتقد البعض بأن خطر انتشار الأوبئة يزيد إذا لم تدفن الجثث أو تحرق بسرعة. وهناك من يظن أن وجود هذه الجثث يؤدي إلى تفشي أمراض معدية، وشاهدنا في سياقات أخرى من يزعم أن انبعاث الروائح الكريهة من الجثث ينقل الأمراض عبر الهواء. ما برهنه العلم وممارساتنا الخاصة في الطب الشرعي هو أن هذه المزاعم غير صحيحة. الجثث بحد ذاتها لا تؤدي إلى تفشي الأمراض.

لذلك فهذه المزاعم بخصوص العلاقة بين الجثث والأوبئة خطيرة، إذ إنها تعزز الفوضى واليأس وانعدام الأمن، وتقود الأشخاص المسؤولين عن اتخاذ القرارات إلى ارتكاب أخطاء جسيمة لا يمكن تدارك عواقبها كحرق الجثث مثلا. ومثل هذه التدابير تزيد من صعوبة إعادة بناء الأحداث والعودة إلى الحياة الطبيعية، وتؤثر سلباً على ذاكرة الناجين وأسرهم، ما يعيق أداء مراسم الدفن والشعائر الثقافية والاجتماعية لإحياء ذكرى الموتى وصولاً إلى تقبّل وفاة أحد الأحبّاء.

وماذا عن الجثث المصابة بأمراض معدية كالإيبولا والكوليرا، ألا تمثل هذه الجثث خطورة على الصحة العامة؟

أغلب الكائنات العضوية المسببة للعدوى لا تعيش أكثر من يومين في جسم الميت. الاستثناء الوحيد في هذا السياق هو فيروس نقص المناعة المكتسب، إذ إن الفيروس في هذه  الحالة يظل حيًا داخل الجسم بعد الوفاة بستة أيام. في حالات مثل الإيبولا والكوليرا يُحتمل أن تجد بين الجثامين وانتشار المرض، لكنها تظل احتمالات هامشية.  لكن يظل الناس العاديون بمنأى عن الإصابة ما لم يلمسوا الجثث.

الطبيب الشرعي روبرتو بارا

إذا ألقيت الجثث بأعداد كبيرة في مصادر الموارد الطبيعية كالمياه، هل يشكّل ذلك خطرًا على صحة السكّان؟ أي هل يمكن أن تلوّث هذه الجثث المياه وتنقل المرض؟

يجب الاعتناء دائماً بمصادر المياه الطبيعية على الدوام، لذا يجب الفصل بينها وبين الجثث للمحافظة على نقاء المياه قدر المستطاع. علينا تسليط الضوء على عملية الفصل هذه بوصفها التصرّف الصحيح.

ما المخاطر الصحيّة التي تهدد من يتعامل مع الجثث؟

احتمال انتقال الأمراض المعدية إلى من يتعامل مع الجثث ضئيل جداً. وفي الحالات التي تتطلّب تعاملًا استثنائيًّا، يجب اتخاذ تدابير خاصة للمحافظة على السلامة الحيوية.

ما التدابير الوقائية الضرورية عند التعامل مع الجثث؟

تشمل التدابير العالمية الأساسية للحيطة والسلامة الحيوية من التعرّض للسوائل الجسدية والدم كوضع القفّازات والقناع مثلاً، وارتداء الحذاء الثقيل للحماية من الإصابات المخترقة، وغسل اليدين بالمياه والصابون فوراً بعد لمس الجثث، وغسل وتعقيم جميع المعدّات والملابس ووسائل النقل المستخدمة لنقل الجثث (بمحلول من الكلور)، والحصول على لقاحات أمراض: التهاب الكبد الوبائي باء (B) ومرض الكزاز (الذي ينتقل من خلال التراب) وأي لقاحات أخرى حسب منطقة العمل. فمثلا هناك تدابير خاصة لو كانت الجثث موجودة لبضعة أيام في أماكن تفتقر للتهوية، ذلك لأن تحلل الجثث قد ينتج عنه انبعاث غازات سامة.

هل تساهم المقابر الجماعية بانتشار الأوبئة؟ وما المخاطر أو المشاكل أو الاعتراضات على دفن ضحايا النزاعات أو الكوارث في مقابر جماعية؟

لا تؤدي المقابر الجماعية إلى انتشار أي نوع من أنواع الأوبئة، لكنها تؤثر سلبا على المجتمع وذاكرة الناس. المقابر الجماعية تتسبّب في انعدام اليقين حول هوية الموتى، ومن ثم تؤثر على الذاكرة الجماعية للمجتمع لأننا لا نعرف هوّية الجثث المدفونة في تلك المقابر. المقابر الجماعية والجثث المجهولة الهوية تؤدي إلى المعاناة والارتباك والضرر بالمخيّلة الجماعية لعامة السكّان. وهي بمثابة آفة إنسانية ووباء يهدد الصحة العقلية للبشر.