تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لوفاة الفقيه القانوني الدولي البارز محمد أمين المهدي. حاز الفقيه الراحل شهرة واسعة وتميز وصار علامة من علامات أفرع مختلفة في البحث القانوني.

ففي بلده مصر ارتقى في مدارج السلم القضائي حتى وصل إلى رئاسة مجلس الدولة، وهو مؤسسة قضائية لها أحكامها المشهودة في الانتصار لحقوق الإنسان وحرياته. وعلى الصعيد العالمي، اختير المستشار المهدي قاضيًا في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2001 (حتى 2005). كما أن للمستشار المهدي، وهو من مواليد القاهرة في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1936، آثارًا جليلة في الكتابات القانونية، خاصة في القانون الدولي الإنساني. هذا المقال يلقي الضوء على بعض المحطات في سيرة الفقيه القانوني الراحل.

رجل استثنائي

لا يمكن وصف المستشار الراحل محمد أمين المهدي، الذي رحل عن عالمنا في 29 أيلول/ سبتمبر من العام 2019، إلا بأنه رجل غير عادي. كان رجلًا استثنائيًّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لا يمكن أن تقترب منه أو حتى تسمع عنه إلا وتدرك على الفور استثنائيته. قد يسمع المرء عن أمين المهدي، فيعحب به، ويقدره، ويفخر بإنجازه بوصفًا مصريًّا وعربيًّا استطاع أن يطاول العمالقة في مجال القانون الدولي. المستشار المهدي هو اسم عربي، ضمن قائمة محدودة للأسف، من القانونيين العرب البارزين الذين كان لهم حضورهم البارز والساطع على صعيد القانون الجنائي الدولي. تشمل هذه القائمة، إضافة إلى المستشار المهدي، اسماء مثل شريف بسيوني، المعروف فى اوساط القانونيين بالاب الروحى للقانون الجنائى الدولى، وهناك أيضا مجموعة القانونيين العرب الذي اعتلوا منصة القضاء في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة كفؤاد عبد المنعم رياض وجورج أبي صعب من مصر والدبلوماسي والقانوني المغربي محمد بنونة وكذلك القاضية الأردنية تغريد حكمت التي اعتلت منصة  المحكمة الجنائية الدولية لرواندا.

لكن تميز المستشار المهدي لم يكن مقصورًا على القانون الجنائي الدولي، ففي حياته العملية تميز وصار علامة من علامات أفرع مختلفة في القانون على صعوبة ذلك. فأحكامه خلال الفترة الطويلة التي قضاها في مجلس الدولة، تُعد علامات في القانون الإداري. وفي هذا السياق، وضع الرجل خلاصة تجربته القضائية في دليل أعده مع مجموعة من تلامذته في المجلس ليخرج «دليل القاضي الإداري» ليكون وثيقة فريدة من نوعها تخاطب القاضي الإداري المصري في كل أوجه عمله في هيئة المفوضين، أو محاكم القضاء الإداري وصولًا للمحكمة الإدارية العليا، وتُجمل له خلاصة خبرة الأجيال التي سبقته.

كما برع المستشار المهدي في قضايا القانون الدستوري وكذلك في مواضيع متعلقة بالتحكيم الدولي. وفي سنوات حياته الأخيرة أولى اهتمامًا كبيرًا بالقانون الدولي الإنساني، فواظب على المشاركة كمحاضر لسنوات في الدورات التدريبية التي تنظمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول القانون الدولي الإنساني. ما يعني أنه قدم الخبرة والمعرفة لمئات من القضاة والمحامين والباحثين القانونيين في العالم العربي.

ولم تمنع سن الراحل الكبيرة من السفر خمس مرات لإلقاء المحاضرات في هذه الدورات. ويحكي المستشار شريف عتلم أن المستشار المهدي أصر على السفر إلى العاصمة اللبنانية بيروت للمشاركة بإلقاء محاضرتين في دورة تدريبية عن القانون الدولي الإنساني على الرغم من انشغاله الواضح وضغوط الموقع الوظيفي حينما تولى منصب وزير العدالة الانتقالية في مصر في تموز/ يوليو من العام 2013.

علاوة على ذلك، كان للمستشار المهدي رصيد كبير في الكتابة والبحث، فأخرج عددًا من المراجع القانونية المهمة. وفي هذا الصدد، لم يقتصر اهتمام الراحل الكبير على الكتابة في المواضيع القانونية المألوفة، وإنما تعدى ذلك إلى فتح أبواب بحثية جديدة وغير مطروقة على نطاق واسع في الكتابة القانونية العربية. على سبيل المثال، فتح الراحل المجال البحثي للكتابة في التحديات المعاصرة التي تواجه الحماية المقررة للصحافيين في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني. ونشر دراسة محكمة في هذا الموضوع تُعد من أبرز الكتابات التي تناولت طبيعة النظام القانوني الذي يحكم الصحافيين أثناء أداء مهامهم في المناطق التي تدور فيها النزاعات المسلحة.

تواضع جم

أمران أساسيان يلفتان النظر في الحياة العملية للمستشار المهدي. أولهما التفاني في العمل في كل مكان ارتحل إليه. وثانيهما هو سمة التواضع الجم التي اتسم بها مع علو مقامه، قاضيًا بارزًا ومنتميًا إلى أسرة مصرية مرموقة (جده هو محمد المهدي العباسي، شيخ الجامع الأزهر على عهد الخديو إسماعيل). وعبر سنين طويلة من العمل القضائي والقانوني، منذ التحاقه بمجلس الدولة (تخرج المستشار المهدي في كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1956)، أنجز المستشار المهدي مهام كبرى وعظيمة، يندر أن ينجزها كثيرون.

ومع ذلك، فهو حين يتحدث عن هذه المنجزات، يتكلم كلام العالم المتواضع. لقد برز اسم المستشار المهدي، خارج دائرة القضاء، حينما اختير محكمًا مصريًّا في القضية المعروفة إعلاميًّا بـ «قضية هضبة الأهرام»، وهي نزاع نشب بين الحكومة المصرية وبعض المستثمرين الأجانب منذ العام 1974 على مشاريع استثمارية في منطقة أهرامات الجيزة، أحد أكثر المواقع الأثرية أهمية عالميًّا، والعجيبة الوحيدة الباقية من بين عجائب العالم القديم السبع. وحكى المستشار المهدي لنا وبتواضع شديد كيف أنه شعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه في هذه القضية، وخاصة أنه لم يتخصص في قضايا التحكيم الدولي. ومع ذلك، أمضى الساعات الطويلة في دراسة كل تفاصيل القضية، ومعرفة تعقيداتها.

ومن المحطات المهمة في سيرة المستشار المهدي اختياره عضوًا في الفريق المصري المشارك في ملف تحكيم أمام محكمة العدل الدولية حول «طابا»، وهي نقطة حدودية مطلة على خليج العقبة رفضت إسرائيل الانسحاب منها بدعوى أنها أرض ليست مصرية، وهو ما أبطلته محكمة العدل الدولية في حكمها في أيلول/ سبتمبر 1988. شارك المستشار المهدي في هذا الفريق، إلى جوار مجموعة من أساطين القانون الدولي في مصر آنذاك مثل الدكتور حامد سلطان والدكتور وحيد رأفت، علاوة على وجوه بارزة أخرى في التاريخ كالدكتور يونان لبيب رزق.

ومن المواقف التي تشير إلى أخلاقيات العمل الرفيعة التي تمتع بها المستشار المهدي أنه اختير رئيسًا للجنة التي شكلتها الأمم المتحدة لاختيار قضاة المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان (للتحقيق في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في مارس/آذار 2005). ويكفي أن تستمع إلى كلامه وشعوره بالحرج الشديد، وهو من هو، لأنه كان سيقابل القاضي والفقيه القانوني الإيطالي أنطونيو كاسيزي (1937 – 2011)، الذي ترأس المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة وقت أن كان المهدي أحد قضاتها. كان كاسيزي تقدم للجنة لاختياره قاضيًّا في محكمة لبنان، وهو ما تم بالفعل وأصبح كاسيزي أول رئيس لمحكمة لبنان الخاصة.

هذه محطات مختصرة للغاية من سيرة رجل عظيم وعلم بارز من الجماعة القضائية والقانونية العربية.

رحمة الله عليك يا سيادة المستشار أمين المهدى وجزاك الله عنا كل خير.

اقرأ أيضا

المستشار أمين المهدي: الحروب الجديدة تفرض تحديات عسيرة على القضاء الدولي