المدينة القادرة على اجتذاب المسافرين دون أن يكون لها نصيبٌ وافرٌ من الماء هي مدينة باسلة. يسعى السائح إلى الماء سعي النبات إلى الشمس. شخصيًّا لا أشعر بالأمان في مدينة إلا إذا كانت مُحصَّنة بالماء؛ كأن تطل على بحر أو يقطعها نهر أو تُدلِّي ساقيها في بحيرة.

بغير ذلك لا أستريح إلى مدينة، مهما كان جمالها.رؤية البحر مبهجة، مثيرة للفضول، هواؤه المنعش محرك للحس، لكن عندما يكون الماء طوقًا من جميع الاتجاهات يصبح الأمر مختلفًا. وليست مصادفة أن الجزر التي تعد أغلى الوجهات السياحية سعرًا الآن، كانت سجونًا قاتلة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، مثل جزيرة ألكاتراز بخليج سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، التي كانت مقرًّا لسجن فيدرالي مخصص للخطرين حتى العام ١٩٦٤. وعالجت السينما قصة هروب أسطورية منه في فيلم ذائع «الهروب من الكاتراز» (Escape from Alcatraz، ومثل جزيرة كويبا البنمية التي كان نطق اسمها كمكان لاحتجاز أي سجين يساوي حكمًا بالإعدام، حيث ستقتله الوحوش أو يقتله سجين آخر على الجزيرة، وإذا حاول الهرب فأسماك القرش والتماسيح بانتظاره.

لم تكن هناك مبانٍ للاحتجاز، بل معسكرات مفتوحة متفرقة، وكانت المباني مخصصة فقط للحراس المحميين على قمة لا يصلها السجناء. ولليوم لم تتبدد ذكرى مئة عام من الرعب الذي يحمله اسم الجزيرة للبنميين، رغم أن استخدامها سجنًا توقف في العام ٢٠٠٤ وتحولت إلى وجهة سياحية فخمة لعشاق الطبيعة.

والجزر هي النقطة الأضعف في جسم أية دولة إذا أهملت تحصينها؛ هي معبر الغزو، والقضمة الأولى التي إن نجح الغازي في ابتلاعها شكلت منطلقًا لعملياته التي تستهدف احتلال باقي الدولة. وهي في الوقت ذاته النقطة المتقدمة التي تزيد من قدرة دولتها على المناورة إذا ما أحسنت استغلالها.

وقد امتلكت الإمبراطوريات الكبرى أساطيل تحمي مصالحها على بعد آلاف الأميال، ولم يكن من الممكن أن تواصل الجيوش الحياة الرجراجة على الماء، فكانت الجزر أوتادًا تربط الأساطيل باليابسة، وحتى الآن تتمسك دول مثل هولندا وبريطانيا بجزرها البعيدة عنها (جزر الأنتيل الهولندية والفوكلاند التي أنشبت حربًا بين بريطانيا والأرجنتين ١٩٨٢)، ونظرًا لأن بريطانيا كلها دولة مكونة من الجزر؛ فقد كان عليها أن تمتلك أقوى الأساطيل، حتى عندما لم تكن دولة استعمارية؛ فالجزر مغرية للقراصنة بالهجوم، وقد كانت بريطانيا عرضة لهجمات القراصنة بالفعل حتى انتقلت من الدفاع إلى الهجوم، ولنا أن نتأمل صلة الجزر والإطلالات البحرية للدول بالغزو والاستعمار، من اليونان إلى البرتغال وإسبانيا.

الجزيرة مكان شرس، والقلاع التي يتفقدها السياح بدهشة اليوم كانت أماكن مرعبة ذات يوم. لهذا يظل الوجود في جزيرة تجربة محزنة، مخيفة إلى حدٍّ ما، لكن عندما تكون سائحًا محميًّا، تصبح التجربة مبهجة، ومثيرة كذلك.
الشعور الأول لحظة الوصول هو الفرح بالحياة الصامدة على بقعة صغيرة من اليابسة وسط الماء اللانهائي الذي لا يني يبث رهبته ككل مطلق ولانهائي.

النجاة من الطوفان تسكن اللاوعي البشري، وتجعل من ظهور الجزيرة رمزًا لحياة جديدة أكثر طُهرًا من تلك التي كانت قبل الكارثة. وسواء تعلق الأمر بسفينة نوح أو سفينة ديوكاليون (ابن زيوس الذي صنع سفينة نجاة) فالفرح هو شهقة اللقاء الأولى، بعدها تأتي موجات متدافعة من المشاعر الأخرى.

الجزيرة طوفٌ عملاقٌ يتشبث به الهاربون من الفقر في قوارب الموت، الظاهرة التي بدأت في تسعينيات القرن العشرين عندما صار انتقال مواطني جنوب المتوسط إلى شماله شبه مستحيل. وللمفارقة فقد بدأت أوروبا التشدد في منح تأشيراتها بالتزامن مع تمكن العولمة التي تفترض رفع القيود عن حركة الأموال والأشخاص، لكن ما تحقق هو حرية انتقال الأموال والأشخاص الأغنياء. وقد حققت الظاهرة في كتابي «العار من الضفتين» (صدر في القاهرة في ٢٠١١ وتُرجم إلى الإيطالية في ٢٠١٤). على أية حال، أضاف انتكاس الربيع العربي الذي انطلق في العام ٢٠١١ هاربين جددًا من دول لم يكن شبابها يركبون قوارب الموت المتهالكة مثل سورية.

على طريق الهاربين من افتقاد الأمل، والهاربين من افتقاد الأمان تقوم جزر المتوسط مقام أطواف نجاة عملاقة في الطريق، يصلها النازح فيعرف أنه قد نجا. من بين الجزر المتوسطية تلك الجزيرة الإيطالية الصغيرة لامبيدوزا (Lampedusa). قبل أزمنة النزوح كانت هذه الجزيرة لا تستدعي في خيال قراء الأدب سوى رواية الفهد، وهي الرواية الوحيدة لكاتبها جوزيه تومازي دي لامبيدوزا أمير لامبيدوزا (١٨٩٦- ١٩٥٧) التي أخرجها العبقري لوتشينو فيسكونتي (Luchino Visconti) فيلمًا نال عنه سعفة «كان» الذهبية العام ١٩٦٣، كما ترجمها عيسى الناعوري إلى العربية العام ١٩٧٢، وتحكي عن سيرة شخصية أمير سالينيا في أيام انطفائه بالتزامن مع نزول جوزيبي غاريبالدي إلى مرسالا العام ١٨٦٠ لمناصرة ثورة الجنوب ضد روما مع سيرة انتفاضات الجنوب الإيطالي.

اليوم، تبدو سيرة الموت الرمزي للطبقة الأرستقراطية في لامبيدوزا شيئًا من الماضي، وتتوارى رواية الفهد العظيمة، وراء قصص النازحين؛ فالجزيرة وجهة مفضلة لقوارب الهروب من أفريقيا والشرق الأوسط حيث لا تبعد سوى ١١ كيلومترًا عن السواحل التونسية.

وفي الجهة الشرقية من المتوسط تبدو جزر بحر إيجه اليونانية مثل راحة يد ممدودة تستقبل اللاجئين السوريين، الذين يروون شهاداتهم بعد ذلك عن التيه والخوف. بعضهم لا يصل من المرة الأولى، ولكن الرحلة شبه الأسطورية لأوديسيوس السوري، لم تمنح آلهة الحرب شيئًا من الحكمة.

لم يتركنا الأدب دون أن يضيف خربشاته على لاوعينا فيما يتعلق بالجزر، ذلك المكان المحاصر بالماء. من الأوديسة؛ ثاني أقدم عمل أدبي غربي، إلى ألف ليلة وليلة إلى حي بن يقظان إلى روبنسون كروزو، وعشرات من الروايات تبدو الجزيرة مكانًا للعزلة الخطرة. ومن حسن الحظ أن تلك العزلة تنتهي دائمًا بالنجاة التي تفرضها الضرورة الفنية؛ فليس بوسعنا أن نعرف شيئًا عن المخاطر التي عاشها البطل المحاصر بالماء إذا انتهت رحلته بالموت. في ألف ليلة وليلة، تظهر البحار كعقبة مخيفة في طريق المسافر، وفجأة يظهر قارب على هذه الدرجة أو تلك من الفخامة والضخامة، لكن القارب يتعرض لعاصفة، ويتحطم – للصدفة الحسنة – على شاطئ جزيرة؛ يلجأ إليها البطل مفعمًا ببهجة النجاة، لكن لحظة البهجة تتبدد سريعًا وتحل محلها خشية الموت في العزلة جوعًا أو خشية الانتهاء بين فكي وحش.

لكن ليلة من الحكي تنتهي بكآبة موت غير مرئي على جزيرة موحشة، لا يمكن أن تُقنع شهريار المتعطش للدم بالإبقاء على حياة شهرزاد لليلة تالية. لا بد من النجاة إذن لاستئناف الحكي. والنجاة بالجهد الذاتي غير ممكنة؛ فأن تُبحر في قارب لا يعني أنك تستطيع أن تصنع مثله، وبلا أدوات. وهكذا فالأمل في مغادرة الجزيرة يأتي من خلال حل عجائبي ليس في الحسبان. سيأتي عقاب أو رخ أو عفريت يحمل البطل من الجزيرة إلى أمان مدينته أو إلى مكان غريب آخر عقابًا على خطيئة الفضول التي جعلته ينقض تعهده باحترام الأسرار.

لم يهتم مؤلفو ألف ليلة بوصف تفاصيل ووسائل السفر على اليابسة، تكفي جملة واحدة: «تجهز للسفر وسار» وعلى المتلقي أن يتخيل شكل الرحلة، عدد الأتباع والخيل، وحجم زوادة الطريق. لكن سفر البحر يحتاج إلى الاستعداد الجيد والحظ الحسن، أو المعجزة التي توفرها مصادفة سعيدة للمشرف على الغرق عندما يرى سفينة تعبر بجواره.

حتى الآن، تكتفي الجزر الصغيرة بالعبَّارات وسيلة واحدة للوصول إليها، وهي أكثر أمنًا من زوارق ألف ليلة الشراعية، بينما يمكن الوصول للجزر الكبيرة بالعبَّارات والوحوش الحديدية الطائرة، كبديل واقعي للعفريت والرخ والعقاب وطيور أخرى لا تسميها الليالي.

في كل الأحوال، لم يزل السفر إلى جزيرة يتطلب استعدادًا خاصًّا ويعد المسافر بإثارة أكبر من السفر إلى مكان آخر.

لا يمكن لسائح أن يتصور أنه سيضطر لأكل النيئ أو انتظار المطر ليشرب بعض قطرات الماء العذب، لكننا لا يمكن أن نتخلص بسهولة مما رسَّخته قراءاتنا عن الجزر بوصفها مكانًا للخطر، والعزلة. ربما لهذا اختارت جزر البحر المتوسط أن تلون بناءاتها بألوان طبيعتها.

الأبيض للجدران والأزرق للنوافذ والأبواب، هما اللونان السائدان في الجزر والمدن الساحلية على ضفتي المتوسط، وهما لونا السماء والبحر كذلك. هل هي محاولة لاسترضاء الطبيعة بالتشابه معها والاندساس في ثوبها؟ هل اللونان تميمة ضد الخطر؟ هل يعود الأمر لعولمة ثقافية قديمة عندما كانت إمبراطورية واحدة تسيطر على الشاطئين؟

ليس هناك الكثير من الألوان على شواطئ المتوسط، فلا بد أن تُصفِّي أي سوء تفاهم بينك وبين اللونين الأبيض والأزرق قبل السفر إلى أحد منتجعات الضفتين. ولحسن الحظ، فإن ذكريات الشؤم التي تتعلق باللونين تضمحل في المخيلة البشرية. لم يعد الأبيض اللون الوحيد للطواقم الطبية كما كان وقت مرض أمل دنقل الذي كتب في أوراق الغرفة ٨ عن حزن اللون الأبيض: «في غُرَفِ العمليات، كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ، لونُ المعاطفِ أبيض، تاجُ الحكيماتِ أبيضَ، أرديةُ الراهبات، الملاءاتُ، لونُ الأسرَّةِ، أربطةُ الشاشِ والقُطْن، قرصُ المنوِّمِ، أُنبوبةُ المَصْلِ». كذلك لم تعد النساء – حتى في أقصى قرى مصر – يصبغن وجوههن بالنيلة الزرقاء حدادًا على عزيز.

 

وفي الجزيرة، لا بد كذلك، أن تكون مستعدًّا للانخراط في أسرة مؤقتة كبيرة العدد إلى حدٍّ ما. طبيعة الأرض الجبلية وحصار الماء من كل الجهات يجعل حركتك محكومة بالجهد الذي تستطيع أن تبذله، الآخرون مثلك تمامًا، لذلك ستدورون في مساحة محدودة من الأرض وتترددون على الأماكن ذاتها، وستصبحون أهلًا، تتبادلون التحايا ولو بالعيون.

الأسعار المبالغ فيها على الجزر السياحية ليست في مقدور شباب يبدأون حياتهم، لذلك توقع أن تكون غالبية عائلتك من المسنين، وأن تكون مستعدًّا لتقديم بعض المساعدة لعجائز العائلة بين الحين والحين، تأخذ بيد هذه، تعيد إلى ذاك قبعة القش التي طارت من فوق رأسه. وإن كان من النادر أن ترى رفيقين في العمر ذاته، إذ يحلو لمن فاته أو فاتها الاستمتاع بجسد شاب عندما كان هو نفسه شابًّا أن يجلب واحدًا في شيخوخته يستمتع بالنظر إليه، ما دامت لديه الثروة اللازمة للإقناع.

المال، حجته قوية. هو آلة زمن تجمع شابة في الثلاثين مع شيخ في الثمانين أو العكس، فلا تتعمق في حياة رفقاء من هذا النوع، ذلك يعيد الأبيض إلى مدلولاته الحزينة، ويُفسد عليك رحلتك.

الشواطئ هي ساحات الاحتفال الأكثر بهجة ووعدًا في الجزر والمدن الساحلية. وإن كان هناك من شواطئ ينبغي تجنبها من حيث المبدأ؛ فتجنب شواطئ العراة؛ فهي الأماكن التي تُجسِّد البؤس الإنساني في أكثر معانيه وضوحًا.

هامش

النيلة نبتة من فصيلة البازلاء، موطنها الأصلي الهند، ويُستخلص منها لون أزرق يتم تجفيفه في مكعبات. يُستخدم في صباغة الملابس منذ ثلاثة آلاف عام في مصر والهند، وهو صباغ الجينز. وكانت المرأة في مصر تصبغ وجهها بالنيلة تعبيرًا عن الحزن ضمن مظاهر حداد تشمل عدم انتعال حذاء لمدة عام أو أكثر والامتناع عن خبز الحلوى والفطائر. ومؤخرًا صارت النيلة مستحضرًا تجميليًّا لتنعيم البشرة يُستخدم مع الحمَّام المغربي قبل الزفاف.

نُشر هذا النص في العدد 66 من مجلة «الإنساني» الصادر في خريف/ شتاء 2019. وقد صدر المقال لاحًقا في كتاب المؤلف «غرفة المسافرين».