هل نظلم اتفاقيات جنيف عندما نركز على واقع الانتهاكات فقط في الحروب؟ هذا المقال يحاول النظر بموضوعية إلى مجمل أحكام اتفاقيات جنيف الأربع. هل تصدت هذه الأحكام لانتهاكات الحرب؟ المسألة صعبة، فالتمييز بين النزاعات الدولية وغير الدولية يعقد واقع الحماية الممنوحة للمدنيين. 

ونحن نحتفل الآن بذكرى مرور سبعين عامًا على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، نكرر السؤال المتعلق بمدى كفاية هذه الاتفاقيات لحماية ضحايا النزاعات المسلحة حاليًّا، وهل نحن بحاجة إلى اتفاقيات جديدة أم لا. الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي التعرض لعنصرين: العنصر الأول هو تحديات الحماية بالنسبة للحروب أو النزاعات المسلحة الدولية، والعنصر الثاني هو تحديات هذه الحماية في النزاعات المسلحة غير الدولية.

التطبيق يوفر الحماية

المؤتمر الدبلوماسي في العام 1949 لإقرار اتفاقيات جنيف.

إذا نظرنا إلى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، نجد أن الظرف التاريخي وقت إصدار هذه الاتفاقيات لن يتكرر مرة أخرى؛ لأن الدول التي اجتمعت في مدينة جنيف لمدة أربعة أشهر، وكان عددها آنذاك 47 دولة، كان في ذاكرتها القريبة مآسي الحرب العالمية الثانية، فتوافقت على اعتماد الاتفاقيات الأربع، أو ما نقول عنه اليوم حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني. هذه الاتفاقيات لا تكفي بذاتها للحماية. وعندما نريد الحكم على اتفاقيات جنيف بعد 70 سنة [على إقرارها] يجب أن ننظر إليها من منظور أوسع، لأن هذه الاتفاقيات نظمت حماية الأشخاص، ولم تتطرق إلى أساليب ووسائل القتال.

جعلت هذه الاتفاقيات الحماية في نطاق شخصي؛ أي للجرحى، وللمرضى، وللأسرى، وللمدنيين، ثم استُكملت بالعديد من الاتفاقيات الأخرى. فحتى تكون البانوراما كاملة، نستطيع القول إن اتفاقيات جنيف هي الدائرة التي استُكملت بعناصر أخرى. استُكملت أول ما استُكملت بكل اتفاقيات الأسلحة التي أُبرمت بعد ذلك مثل اتفاقيات حظر الأسلحة التقليدية والألغام. واستُكملت أيضًا بصكوك دولية أخرى في غاية الأهمية وهي البروتوكولان الإضافيان للعام 1977، البروتوكول الإضافي الأول الخاص بالنزاعات المسلحة الدولية، والثاني الخاص بالنزاعات المسلحة غير الدولية. واستُكملت كذلك بقواعد عرفية للقانون الدولي الإنساني خرجت إلى حيز النور في العام 2008.

إذن اتفاقيات جنيف في حد ذاتها نقلة كبيرة، جاءت بعد كارثة الحرب العالمية الثانية التي سمحت للمجتمع الدولي لأول مرة أن يتخلص من الهواجس السياسية، وأن يضع حماية الضحايا في إطار قانوني سليم. كل هذه الاتفاقيات من الممكن أن تُستكمل الآن بعديد من الاتفاقيات الأخرى وتلقى ذات المصير. بمعنى أننا نبرم اتفاقيات وننظر إليها ونقول لا توجد حماية فعلية على أرض الواقع.

هنا نستطيع القول إنه وبعد 70 عامًا من إبرام اتفاقيات جنيف، يعود دائمًا العنصر الرئيس لتفعيل الحماية في القانون الدولي الإنساني إلى التطبيق على الصعيد الوطني. ذلك لأنه لو انتظرنا أن تضطلع الأمم المتحدة أو مجلس الأمن بدور في هذا المجال في عالم اليوم فلن نحقق شيئًا. الواقع الذي تشاهدونه على الهواء مباشرةً وتُذاع فيه جلسات مجلس الأمن يوضح أنه لم يعد هناك توافق دولي. أصبحت المصالح السياسية متشعبة. فلكي نصل إلى تفعيل لاتفاقيات جنيف وكل العناصر الملحقة بها لحماية ضحايا النزاع المسلح الدولي، يجب أن تبدأ الدول في تنفيذ التزاماتها التعاقدية بموجب الاتفاقيات، أن تفعل الدول المادة الأولى المشتركة التي تنص على احترام وكفالة احترام القانون الدولي الإنساني. 

هذا هو العنوان الرئيس لاتفاقيات جنيف؛ أن تحترم الدولة بنفسها وأن تكفل احترام الدول الأخرى لأحكام هذه الاتفاقيات. ولن يتحقق ذلك الاحترام إلا بمنظومة كاملة تبدأ بالإنفاذ على الصعيد الوطني؛ بإجراءات تطبيقية كالتشريعات الوطنية، وبقضاء وطني قادر على المحاكمة على الانتهاكات الجسيمة لجرائم الحرب. والأهم من ذلك مراقبة باقي الدول الأطراف إعمالًا للمادة الأولى المشتركة في اتفاقيات جنيف.

إذن أنا أستطيع أن أقول إن اتفاقيات جنيف وما استُكملت به من صكوك وقواعد عرفية تكفي، لو طُبقت، أن توفر الحماية لضحايا النزاعات المسلحة الدولية. فالعبرة ليست في أن نعتمد صكوكًا دولية الواحد تلو الآخر ثم نجد أنها لا تطبق ولا تحترم في الواقع. فكرتي الأساسية هنا أن أي تقييم لمحتوى الحماية المقررة وفقًا لاتفاقيات جنيف وآليات احترامها، سواء الوقائية منها أو الرقابية، وبالتأكيد العقابية، لن يكون منصفًا لو لم تقم الدول الأطراف في الاتفاقيات بتطبيقها إعمالًا لالتزاماتها التعاقدية. وبغير تفعيل منظومة التطبيق الوطني لأحكام القانون الدولي الإنساني، ستظل اتفاقيات جنيف وما لحقها من صكوك نصوصًا معطلة. 

ICRC

الواقع قد تغير

حروب عالم اليوم لم تعد تنشأ ما بين دول. لم يعد هناك تكافؤ في النزاعات المسلحة وأطراف واضحة لنزاع مسلح دولي، ولكن أصبحت معظم النزاعات المسلحة في العالم تدور في فلك النزاعات المسلحة غير الدولية. يكون تصنيف النزاع في بادئ الأمر على أنه نزاع داخل الدولة، داخل حدود الدولة، ثم تبدأ الدول في التدخل في هذه النزاعات، لذا أصبحت الصورة الغالبة في أغلب النزاعات الآن هي نزاعات مسلحة غير دولية، ولكن لها أبعاد دولية نتيجة تدخل أطراف أخرى في هذه النزاعات.

في العام 1949 [وقت إبرام اتفاقيات جنيف] لم تكن النزاعات المسلحة غير الدولية معروفة، ولكن كانت هناك بادرة أمل عندما بدأت الدول الـ47 المجتمعة في جنيف تنظر إلى فكرة أن الحروب قد لا تكون بين دول، ولكن قد تكون بين جماعات وحكومات أو بين جماعات وجماعات أخرى داخل حدود الدولة الواحدة. في المرحلة التي سبقت إبرام أو اعتماد اتفاقيات جنيف كانت هناك مشاورات على صعيد الخبراء الحكوميين.

في العام 1947، جرى لقاء تشاوري مع مندوبي نحو 19 دولة كانت حاضرة في جنيف. ثم جرت مشاورات لاحقة بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر ودول أخرى في العالم. عندما وصلنا للعام 1948، أي العام السابق على اعتماد اتفاقيات جنيف، كان هناك نص داخل المشروع الذي اعتُمد في مؤتمر ستوكهولم (المؤتمر الدولي الـ17 للهلال الأحمر والصليب الأحمر) يجري على النحو التالي: في المادة الثانية المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع، تطبَّق أحكام هذه الاتفاقيات أيًّا كان الوضع عليه في حالة الحرب المعلنة بين دولتين فأكثر، وفي حالة النزاعات غير الدولية التي تنشب على إقليم أي دولة طرف.

إذن نظرة المجتمع الدولي في العام 1948، أنه يجب أن يكون هناك قانون موحد للنزاعات المسلحة، لأن الحرب لن تميز فيها ما بين نزاع دولي أو غير دولي، إذ إن المنظومة القانونية واحدة. وبالفعل اعتمد مؤتمر ستوكهولم المادة على هذا النحو. أقر المؤتمر الدولي للهلال الأحمر والصليب الأحمر فكرة أن تطبق المادة الثانية المشتركة القانون الدولي الإنساني على النزاعات الدولية وغير الدولية. وأثناء المفاوضات التي جرت في جنيف، في المؤتمر الدبلوماسي الذي انعقد سنة 1949، كان هناك اتجاهان في المناقشات، اتجاه تزعمته روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في 1949 بالإبقاء على المادة الثانية كما هي؛ أي أن يكون التنظيم القانوني واحدًا للحروب الدولية والحروب غير الدولية.

وكان هناك اتجاه آخر تتزعمه فرنسا وبريطانيا أن يكون هناك نظام قانوني خاص للنزاعات الدولية، ومادة أخرى تتحدث عن النزاعات المسلحة غير الدولية. وهكذا انتهينا إلى إقرار المادة الثانية المشتركة التي تعرف النزاع المسلح الدولي، والمادة الثالثة المشتركة التي تنص على الحماية في النزاعات المسلحة غير الدولية. من هنا ظهر التمييز بين النزاعات دولية أو غير دولية.

إذا نظرنا إلى النزاع المسلح غير الدولي في مفهوم اتفاقيات جنيف 1949، سنجد أن الحماية تكاد تكون محدودة جدًّا. لكننا نلجأ دائمًا للمادة الثالثة المشتركة لأنها لم تحدد عناصر للنزاع المسلح غير الدولي. نصت المادة على أن أي طرف من الأطراف السامية المتعاقدة ينشب على إقليمه نزاع مسلح غير دولي، عليه التزامات بتوفير الحد الأدنى من الضمانات الإنسانية التي نسميها النواة الصلبة في قانون حقوق الإنسان، وهي مجموعة التزامات تشمل عدم الإعدام بغير محاكمة، وتوفير الرعاية الصحية، إلخ. ولكن لم تربطها باتفاقيات جنيف. فكرة عدم الربط هنا هي التي أدت إلى المشكلة التي نعيشها اليوم. لأن اتفاقيات جنيف على قدر أهميتها، كانت أول صك دولي في القانون الدولي الإنساني ينص على مفهوم جرائم الحرب.

لقد حددت الاتفاقيات للمجتمع الدولي حصرًا جرائم الحرب التي تقع في زمن النزاع المسلح الدولي: ضد الأسرى، ضد المدنيين، ضد الجرحى. لكن لم تتضمن قائمة جرائم الحرب في عام 1949 أي جريمة حرب ترتبط بالنزاع المسلح غير الدولي. بطبيعة الأمور أنه عندما يكون هناك نص تجريم يرتبط بالنزاع الدولي ستهرب الدول. لننظر إلى الواقع الذي نعيشه اليوم: نزاعات غير دولية ولكن ذات أبعاد دولية. فيظل النزاع في نطاق النزاعات المسلحة غير الدولية. أي قارئ للقانون الدولي الإنساني سيقول إن مرحلة اعتماد البروتوكولين الإضافيين شهدت انقسامًا حادًّا في المجتمع الدولي. حتى عدد التصديقات انخفض.

خالف البروتوكول الإضافي الأول في الاتفاقيات، خالف منهج الاتفاقيات الأربع بحماية الأشخاص وبدأ ينظم أساليب ووسائل القتال. لكن الأهم أنه كانت هناك أمام المجتمع الدولي فرصة أن يضع نظامًا قانونيًّا للنزاعات المسلحة غير الدولية، فالوضع ازداد تعقيدًا في العام 1977 مقارنة بالعام 1949 لأن أغلب الدول التي كانت حاضرة خلال المؤتمر الدبلوماسي المنعقد خلال الفترة من عام 1974 إلى 1977 كانت دولًا حديثة الاستقلال. اعتقدت هذه الدول أن إخضاع أي نزاع يندلع على أراضيها للتنظيم الدولي، سيكون تدخلًا في الشؤون الداخلية للدول. الأمر الذي جعل الأمور أصعب [مقارنة بالتوافق الدولي] عام 1949. أدى هذا إلى خروج البروتوكول الثاني بصورة لا تكفل الحماية المقررة لضحايا النزاعات الدولية. نفس الخلل قائم في القانون الدولي الإنساني.

ICRC

هذه هي الإشكالية التي يحاول المجتمع الدولي حلها. عندما نظرنا إلى النزاع في رواندا وفي يوغوسلافيا، وجدنا أن هذه الدول لم تجد ما يسعفها في اتفاقيات جنيف 1949 والبروتوكول الثاني لتحديد جرائم الحرب التي ارتُكبت على أراضيها. بعض الفقه آنذاك بدأ يطرح فكرة أن نطبق المادة الثانية المشتركة كما كانت مقدمة، أي أن نساوي في التنظيم القانوني بين النزاع الدولي والنزاع غير الدولي.

هذا الرأي مردود عليه بأن الدول عندما تصادق على اتفاقية تنظم النزاع الدولي لا يمكن نقل التزاماتها بغير إرادتها إلى النزاع غير الدولي. لذا بدأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ ذلك التاريخ بالاشتراك مع المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر تبحث في جذور القانون الدولي الإنساني، جذوره في الحضارة الإسلامية، وفي مجموعة مانو، وفي الجذور العرفية للقانون الدولي الإنساني، وذلك لأن اتفاقيات جنيف كانت اتفاقيات كاشفة وليست منشئة.

تكشف عن رغبة الإنسان في حماية أخيه الإنسان في زمن النزاع المسلح، وهذا قائم منذ نشأة البشرية. اقترحت اللجنة الدولية العودة بالقواعد الاتفاقية إلى طابع آخر يلزم كل الدول بغير إرادتها. وهنا بدأت فكرة القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، لأن القانون الدولي الإنساني في نطاق عرفي يكون ملزمًا بغير تصديق. في نطاق اتفاقيات دولية لا تستطيع إلزام الدول بغير إرادتها. يجب أن تصدق الدول على الاتفاقية، الإلزام بالعرف أسهل. فخرجت منظومة لم يعطها المجتمع الدولي الاهتمام الكافي حتى اليوم. خرجت دراسة عن القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني. قياس القاعدة العرفية يتطلب مسألتين: الأولى هي الركن المادي وهو الاعتياد على ممارسة فعل معين، والثانية هي الركن المعنوي وهو الشعور بالإلزام، أن القاعدة ملزِمة قانونًا. فبدأ استقصاء الوضع عند كل الدول بالذات التي انخرطت في نزاعات مسلحة، دولية أو غير دولية، لدى الجماعات المسلحة، وأيضًا لدى المنظمات الإقليمية والمنظمات الدولية.

وخلصنا إلى مجموعة من القواعد العرفية التي من بينها نظام قانوني متكامل لحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، لكن حتى اليوم لم يُدخلها أحد حيز النفاذ. هي تُعتبر من أهم صكوك القانون الدولي لأنها تكشف عن قواعد عرفية ملزمة بغير تصديق الدول. ونعود لنفس الإشكالية، لو أخرجنا اليوم اتفاقية متكاملة في نطاق القانون الدولي الإنساني، كما حدث مع القواعد العرفية، فما لم تكن هناك إرادة سياسية للدول فلن تطبقها. فالتقييم للاتفاقيات نفسها أو بالحماية دائمًا يرتبط بكلمة التطبيق.

لو نرصد الموقف الدائم للجنة الدولية للصليب الأحمر فسنجد رسالة واضحة إلى كل المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر منذ المؤتمر الخامس والعشرين وحتى اليوم، أنه بغير التطبيق الوطني لأحكام القانون الدولي الإنساني فلن تكون هناك حماية أو مساعدة كافية لضحايا النزاعات المسلحة. من أجل ذلك أختتم هذا الطرح بالإجابة على التساؤل المطروح: هل نحن بحاجة إلى اتفاقيات جديدة؟ في تقديري أن الإجابة ستكون بالنفي، ولكننا بالمقابل في حاجة إلى أن تبدأ الدول بالانخراط في منظومة التطبيق الوطني للقانون الدولي الإنساني بأحكامه الاتفاقية والعرفية حتى نلمس بالفعل قواعد ملزمة لحماية ضحايا النزاعات المسلحة سواء أكانت دولية أو غير دولية. 

المستشار شريف عتلم هو قاض مصري وشغل لسنوات منصب المستشار القانوني للجنة الدولية للصليب الأحمر، وقد ألف وشارك في تأليف مجموعة من الكتب التي تُعد مراجع أساسية لطائفة واسعة من المهتمين بالقانون الدولي الإنساني.

وهذه المقالة (المنشورة في العدد 66 من مجلة الإنساني) نص محرر لمداخلة شفهية ألقيت أمام الندوة القانونية التي نظمتها اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني بوزارة العدل القطرية، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 بمناسبة مرور 70 عامًا على اتفاقيات جنيف الأربع 1949.