للصحافي الفلسطيني محمد دراغمة خبرة عريضة في التغطية الإخبارية من الأراضي الفلسطينية المحتلة، يظهر اسمه واضحًا في خانة الصحافيين الذين يولون المهنة الاعتبار الأهم. هنا حوار أجرته معه «الإنساني»، إذ طرحت عليه بعض الأسئلة «البديهية صحفيًّا ربما»، لكنها معقدة في واقعنا العربي

الإنساني: نود أن نتعرف إليك؟

اسمي محمد دراغمة، فلسطيني الجنسية، أعمل في الصحافة منذ العام 1991. وأنا الآن مراسل وكالة «أسوشيتد برس» (Associated Press) في الأراضي الفلسطينية. شاركت في عدة تغطيات صحافية في المنطقة العربية.

الإنساني: إذن لك خبرة عريضة في العمل في بيئة نزاع مسلح، وفيها قدر من التسييس. كيف تحافظ على توازنك المهني في بيئة مثل هذه؟

ليس من السهل على الصحافي أن يكون محايدًا ومتوازنًا في بيئة سياسية طاغية، مثل فلسطين، حيث تتفجر الصراعات أفقيًّا وعموديًّا. هناك صراع قومي بين الشعب والاحتلال، وهناك صراع على السلطة بين حركتين سياسيتين كبيرتين، قاد إلى حدوث انقسام جغرافي بين جزءي الوطن: الضفة الغربية وقطاع غزة، وانقسام في النظام السياسي وتشكل نظامين للحكم. الصحافي إنسان لديه آراء ومشاعر وامتدادات عائلية وسياسية. لذلك ليس من السهل عليه أن يكون محايدًا ومتوازنًا. كيف يمكنك أن تصبح حياديًّا وأنت وعائلتك وأبناء شعبك في مرمى النيران؟ كيف تكون متوازنًا وأنت ترى دماء الأطفال والشباب والنساء؟ هذه أسئلة حادة لكنها حقيقية تواجهنا كل يوم في عملنا الصحافي، في اختيار الموضوع وفي جمع المعلومات وفي كتابتها وتقديمها للقراء أو للمشاهدين.

والمشكلة الأكبر أن الصحافة مهنة مختلفة عن باقي المهن. أطباء القلب يجرون العمليات الجراحية بطرق متشابهة، والنجارون يصنعون الأبواب والخزائن بطرق متقاربة، لكن الصحافيين يختلفون في تقديم رسائلهم الإخبارية، والسبب أن مهنة الصحافة فيها شيء شخصي، فيها انحياز عاطفي ونفسي وعقلي لقضية ما، لشخص ما. الصحافي يمكنه اختيار الموضوع الذي يغطيه، واختيار العنوان، واختيار المتحدثين، واختيار تقديم معلومة على أخرى، وهنا يمكن لمشاعره الشخصية أن تلعب دورًا مهمًّا في توجيه الموضوع لخدمه طرف ما على حساب طرف آخر. أنا شخصيًّا تدربت في مدرسة صحافية تعتبر الصحافة مهنة، وأن الصحافي صاحب مهنة تقوم على نقل المعلومات المهمة والمؤثرة والمثيرة إلى الجمهور. ومع الوقت آمنت أن مهنتي ليس فيها مشاعر شخصية ولا مشاعر سياسية، وأن عليَّ أن أبحث عن الأخبار والمواضيع المهمة للجمهور، وأقدمها له وهو يقرر ماذا سيفعل بشأنها. واكتشفت مع الوقت أن تكون [صحافيًّا] فوق الأحزاب وفوق السلطات أفضل مليون مرة من أن تكون ضمن رؤية ومصلحة حزب أو سلطة أو حتى أمة. وعندما تنجح في أن تكون صحافيًّا فوق الشبهات، فستكون مصدر معلومات للأصدقاء والخصوم أو الأعداء في آنٍ واحد، وهنا تكتمل المهنة. مشكلة الإعلام في مناطق الصراع مثل العالم العربي، هي أن الصحافيين يأخذون جانبًا، يقفون مع جهة من جهات الصراع، لذلك يكتبون قصائدهم للقبيلة، أو على أقل تقدير، يدسون مشاعرهم الشخصية في رسائلهم الإخبارية. لذلك نرى المشهد الإعلامي فقيرًا على هذا النحو الذي نعيشه.

الإنساني: كيف ترى التغطية الإعلامية للنزاعات المسلحة الآن؟ هل ترى أن تطور الأدوات التقنية جعل تغطية النزاعات المسلحة في العالم العربي أفضل بمعنى سرعة نقل الخبر، وإيراد مواقف جميع الأطراف المنخرطة في الصراع بحيدة ونزاهة؟

كان للتطور التقني في العالم العربي أثران متناقضان. فمن جهة لم يعد أحد قادرًا على إخفاء الأشياء. أي مواطن يمكنه أن يصور أي حدث يقع أمامه في هاتفه الشخصي، وأن ينقل الصورة إلى آخر بقعة في العالم. وبرزت مشكلة هنا هي أن وسائل التواصل حلت بدرجة كبيرة محل وسائل الإعلام التي فقد المواطن ثقته بها منذ زمن، فهجرها. لكن هناك حدود وسلبيات لوسائل التواصل الاجتماعي ذلك لأنها فتحت الطريق- أحيانا- الطريق أمام التزوير والتشويه ونقل جانب واحد من الصورة.

وسائل التواصل الاجتماعي سريعة، وهي مصدر معلومات لكنها ليست مهنية، وغالبًا ما تنشر جانبًا واحدًا من الصورة، بينما الصحافي الحقيقي هو الذي يجري بحثًا واستقصاء مهنيًّا قبل أن يقدم الصورة كاملة. وأعتقد أن التطور التقني يفرض تحديًا كبيرًا على وسائل الإعلام في العالم العربي، وهو أن تتقدم لأن تكون مصدرًا مهنيًّا للمعلومات لكل الأطراف، وحينها فإن الجمهور سيقبل عليها لمعرفة ما جرى وما يجري. بدون ذلك سيظل الجمهور أسيرًا للقصص والآراء والأحداث والصور أحادية الجانب، غير المهنية التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي.

الإنساني: من وجهة نظرك ما هي أهم العناصر التي ينبغي توافرها لإنجاز تغطية صحافية ناجحة في أوقات الأزمات؟

الصحافة مهنة صعبة ومعقدة وتحتاج إلى الكثير من الجهد، لكن قواعدها بسيطة، وهذه القواعد تنطبق على الصحافة في مختلف مراحل تطورها، وهي الموضوعية والتوازن والمهنية، بمعنى أن تبحث عن المعلومات المهمة والحقيقية، مهما كانت وأن تقدمها للجمهور. على الصحافي أن يؤمن بنفسه وبمهنته، وأن يكرس نفسه لها، وإلا فإنه سيفقد مكانته ودوره لصالح آخرين مثل وسائل التواصل الاجتماعي.

الإنساني: حدثنا عن تحقيق أو تقرير أو تغطية تليفزيونية لا تنساها؟

كتبت ذات مرة تحقيقًا عن شيوع تجارة السلاح في الأراضي الفلسطينية، ودخلت إلى مواقع البيع والشراء وجمعت المعلومات والصور، ونشرتها. أثار الموضوع أزمة سياسية [في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات]. اعتقل على إثرها أشخاص ظهرت أسماؤهم في التقرير، واعتقل آخرون ذوو صلة معهم. خلق لي هذا مشكلة كبرى مع المعتقلين وعائلاتهم ومع الرأي العام. كانت فترة عصيبة تعرضت فيها لتهديدات بالانتقام. لكن لو عاد الزمن لفعلت ما فعلت، لأن وظيفتنا نحن الصحافيين أن نبحث عن المعلومات الأكثر أهمية. المعلومات التي تؤثر على حياة وأمن ومصالح الجمهور، وبدون ذلك سنظل على الهامش. الصحافي الناجح هو من يتصدر الرأي العام في تقديم معلومات دقيقة وحقيقية ومهمة ومؤثرة لينير الرأي العام. وظيفتنا هي التنوير وليس التثوير. التنوير من خلال تقديم المعلومات الكاملة، المعلومات المفحوصة جيدًا، المعلومات الحقيقية وبعدها ليقرر الجمهور ما يشاء.

الإنساني: ما التحديات التي يواجهها الصحافي الذي يعمل في بيئات خطرة؟

التحدي الأكبر أمام الصحافي الذي يعمل في بيئة خطرة هو عدم الانحياز لطرف على حساب آخر، حتى لو كان قبيلته وطائفته وحزبه، عليه أن يحافظ على نفسه مصدرًا للأخبار الحقيقية لكل الجمهور. والتحدي الأهم أن يحافظ على حياته. فالحياة أهم من المهنة وأهم من تغطية أي حدث.

الإنساني: هل لدى العرب الآن تقليد صحفي ما في تغطية الأزمات الإنسانية وإيصال صوت المتضررين إلى العالم؟

للأسف لا توجد تقاليد إعلامية عربية من هذا النوع، فالإعلام العربي ولد من فوق، من الحكومات التي أسست الإذاعات ومحطات التلفزة والصحف، ومولتها من أجل خدمة وجهة نظرها. الصحافة في العالم العربي لم تولد من الأسفل، من الناس والمستثمرين وقوانين الاقتصاد، وإنما ولدت من الحكومات وبقيت غالبًا تنطق باسم تلك الحكومات. لكن الآن يتكون جيل من الصحافيين الباحث عن طريقه، وأعتقد أن المستقبل سيكون لصالح هذه المهنة، مهنة المعلومات، خاصة بعد فشل وسائل الإعلام الرسمية، وظهور وسائل التواصل الاجتماعي كتحدٍّ كبير.

نُشر هذا الحوار في العدد 64 من مجلة «الإنساني» الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2018 ضمن ملف «حروب الصحافيين الخاصة» الصادر في عدد المجلة الخاص بذكرى مرور عشرين عامًا على انطلاقها