«حتى الحرب لها حدود»، عبارة قالها أحد مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية) منذ أكثر من 15 عامًا في إحدى الدورات التدريبية على القانون الدولي الإنساني التي خُصصت لمشاركة مجموعة من أرفع المدعين العامِّين في مصر. ولست متأكدًا ما إذا كان هذا المندوب على علم في ذلك الوقت بما قد يكون لهذه الكلمات الأربع البسيطة من أثر على مستمعيه، إلا أن ما أنا على يقين منه اليوم هو أن تلك الكلمات كان لها أبلغ الأثر في حياتي.

في ظل النزر اليسير من المعرفة بالقانون الدولي الإنساني التي حصَّلناها في كليات الحقوق، أذكر أنني وزملائي غمرتنا السعادة لما علمنا أن بالإمكان فعل شيء لصون الكرامة الإنسانية لأولئك الذين قدر عليهم العيش في ظل ويلات الحروب والتخفيف من معاناتهم قدر المستطاع – لا سيما أن ما أطلق عليه «الحرب على الإرهاب» في أفغانستان والعراق كان موضوع الساعة في العالم في ذلك الوقت.

وفي أثناء ذلك التدريب اطَّلعنا على العديد من القصص حول المذابح التي جرت في البوسنة ورواندا وكيف كان يمكن للتطبيق الفعلي للقانون الدولي الإنساني إنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة آلاف الضحايا. رسخ هذا التدريب إيماني بما قاله جيري سيمبسون (Gerry Simpson) ذات مرة: «متى انتظمتْ الكلماتُ في صياغة محبوكة، اختلف شعورنا إزاء العالم».

العاطفة حاضرة

ومنذ تلك اللحظة، تعلق قلبي بفكرة وجود فرع من القانون يفيض بمثل هذه الطاقة والتعاطف والدفء الإنساني الذي يمكن تقديمه للمجتمعات المستضعفة. وذلك مع الأخذ في الاعتبار أن معظم العالمين بالقانون غير معتادين على أن العواطف هي أحد جوانب العمل المهني. فنحن نميل إلى عقلنة الأمور، ما يجعلها أقل إثارة للاهتمام وخالية من المشاعر في الغالب. فانجلى أمام عيني – بفضل ذلك التدريب – منظورٌ مختلف تمام الاختلاف بشأن فهم القانون بوصفه استجابةً لأحزان البشر المستمرة، وليس فقط بصفته أداةً لخدمة العدالة وتحقيقها للضحايا.

لطالما شعرتُ طول فترة عملي في الادعاء العام أنني أريد دورًا أكبر من محاولة تحقيق العدالة. قد يقضي المدعي العام مئات الساعات في عملية الادعاء، ما بين التحقيقات وزيارة المشارح والمستشفيات والاستماع إلى الشهود وقراءة تقارير الطب الشرعي والشرطة وصوغ معنى بربط الأدلة التي جُمعت وصياغة لوائح الاتهام وحضور جلسات المحاكم، وما إلى ذلك. فهي عملية تستغرق وقتًا طويلًا في الغالب.

وكلما ازداد مستوى القضية تعقيدًا، استغرقت هذه العملية وقتًا أطول بالضرورة. وأثناء المدة التي تستغرقها هذه العملية، يظل الضحايا بلا حول ولا قوة لفترة طويلة. ومن ثم، أردت أن يُظهر عملي المزيد من التعاطف والرحمة تجاه الضحايا في أثناء سير إجراءات العدالة، لا سيما مع ضحايا الحرب، الأمر الذي تحول دونه المسؤوليات الصارمة للمشتغلين بالادعاء العام، ناهيك عن تقديمهم أي مساعدة للضحايا.

ICRC

لكني شعرتُ بعد ذلك التدريب أن الوقت قد حان كي أترجم هذا الدافع إلى عمل. فانضممت إلى الفريق القانوني الإقليمي التابع للجنة الدولية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2011. كان ذلك تحديدًا الوقت الذي سقط فيه العديد من دول الشرق الأوسط في هاوية النزاعات والمواجهات العنيفة في أعقاب ما يعرف بـ «الربيع العربي». فاتسع بالتبعية نطاقُ الدور الذي تضطلع به اللجنة الدولية في المنطقة اتساعًا كبيرًا. وشاركتُ في العديد من أنشطة القانون الدولي الإنساني في جميع أنحاء المنطقة، في بلدان مثل سورية والعراق واليمن ولبنان وليبيا وغيرها. وكنت طرفًا في مناقشات بناءة للغاية مع الكثير من صانعي القرار والسياسيين وحمَلَة السلاح ووسائل الإعلام المؤثرة، حول تنفيذ القانون الدولي الإنساني في بلدانهم.

حتى القانون له حدود

غني عن البيان أن مهمتي، بصفتي مستشارًا قانونيًّا للجنة الدولية، تتمحور دائمًا حول إقناع الأطراف المتحاربة بأن احترام القانون الدولي الإنساني أمر مهم، وأن انتهاك قواعده ومبادئه قد يسفر عن عواقب إنسانية خطيرة بالنسبة للسكان المدنيين وكذلك بشأن المسؤولية القانونية للجناة. وهذه مهمة قد يعتبرها الكثيرون «مستحيلة».

ومع أن الأطراف المتحاربة تهتم اهتمامًا متزايدًا بالقانون الدولي الإنساني، من خلال تصديقها على المعاهدات ذات الصلة وإدراج القواعد القانونية الدولية في تشريعاتها الوطنية وكتيبات التدريب لديها، ما تزال الحروب في الشرق الأوسط تجلب الموت والدمار والمعاناة مع اندلاعها. وظلت أرواح المدنيين هي الضحية الأولى لتلك النزاعات. فالهجمات المتعمدة ضد المدنيين، ونزوحهم القسري، وتدمير الممتلكات المدنية والبنية التحتية الضرروية لبقاء السكان المدنيين، هي مجرد أمثلة قليلة على الأفعال التي ترتكبها أطراف متحاربة ودول وجماعات مسلحة من غير الدول بصورة منتظمة.

وغالبًا ما يسألني الناس، وبالأخص غير المتخصصين بمن فيهم الأصدقاء المقربون وأفراد الأسرة، في هذا السياق: «ما الأثر الذي يتركه عملك؟ وأين نراه؟». والحق أقول إنني لا ألومهم على تساؤلاتهم، إذا كان كل ما يرون هو المزيد من الموت والدمار. فلماذا قد يتوقع أي شخص منهم أن يفكر على نحو مختلف؟ إنهم يفترضون بطريقة ما أن مقياس نجاح القانونيين المشتغلين بالعمل الإنساني هو انتهاء الحروب أو على الأقل توقف استهداف المدنيين. لكن ما لا يدركونه هو أنه «حتى القانون له حدود» مثلما أن للحرب حدودًا. فغالبًا ما يكون لدى الناس تصور ذو صبغة رومانسية للغاية بشأن القانون، وتوقعات غير واقعية بشأن ما يمكنه تقديمه في مناطق الحروب.

وغالبًا ما تفضي هذه المفاهيم الخاطئة والتوقعات الزائفة إلى الشعور بإحباط كبير (بين عامة الناس والضحايا والمختصين بالقانون الدولي الإنساني أنفسهم)، وتوليد خطاب رافض للقانون الدولي الإنساني، ما قد يهدد بخلق بيئة يُنظَر فيها إلى الانتهاكات باعتبارها تافهة وتحظى بقبول أكبر. وعلى الرغم مما ذهبت إليه، فإن المبرر لكتابة هذا المقال المتواضع هو إزالة الغموض عن بعض العناصر التي أرى أن هذه المفاهيم الخاطئة والتوقعات الزائفة بُنيت عليها. والأمل معقود على أن يفضي تبيان تعقيدات «تنظيم شن الحرب» للناس إلى إذكاء إحساسهم – إن لم يكن تعاطفهم – تجاه القانون ومن يعملون على تنفيذه.

الحرب سمة دائمة أولًا وقبل كل شيء، يميل الناس إلى الخلط بين العواقب المأساوية المتأصلة للحرب والانتهاكات بحق القانون الدولي الإنساني. بالتأكيد، الحرب بطبيعتها حدث مدمر، إلا أن القانون الدولي الإنساني غير معنيٍّ بإنهاء الحروب أو الحيلولة دون نشوبها. فهذا هو دور مجموعة أخرى من القوانين، تتجسد في ميثاق الأمم المتحدة ويفرضها المجتمع الدولي – لا سيما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. أما القانون الدولي الإنساني بصفته فرعًا مستقلًّا فهو يستند إلى افتراضٍ مفهوم وعمليٍّ بأن الحرب هي سمة دائمة وربما حتمية للنظام الدولي، وحقيقةٌ يتعين علينا جميعًا (قانونيون وغير قانونيين) التعايش معها.

وهكذا، على الرغم من الإخفاق الواضح للمجتمع الدولي في حفظ السلام، لا يزال القانون الدولي الإنساني يحاول تحقيق توازن دقيق بين التدابير المطلوبة لتحقيق الغرض من الحرب (الضرورة العسكرية)، وحماية الأشخاص المتضررين من النزاع المسلح (مبدأ الإنسانية) وهو يسعى، لأسباب إنسانية، إلى الحد من آثار النزاع المسلح إلى أقصى حدٍّ ممكن.

وينهض القانون الدولي الإنساني بهذه المهمة محاولًا حماية الأشخاص الذين لا يشاركون، أو كفوا عن المشاركة، في الأعمال العدائية، مثل المدنيين والجرحى والمرضى والغرقى وأسرى الحرب. كما أنه يحدد حقوق المتحاربين في تسيير العمليات العسكرية والتزاماتهم ويحد من اختيار الأسلحة والتكتيكات المستخدمة لإصابة العدو. وفي العديد من المناسبات، تؤدي الخطوط غير الواضحة بين فرعي القانون المنفصلين إلى خلط كبير بين ما يخفق المجتمع الدولي في تقديمه لإحلال السلام في النزاعات القائمة وما يفترض أن يفعله القانون الدولي الإنساني.

ثانيًا، لا ينبغي للمرء أن يتوقع أن هذا التوازن الذي ينشده القانون الدولي الإنساني أمر ميسور. إذ توجد للأسف تحديات عملية مختلفة لضمان احترام جميع الأطراف للقانون. من بين التحديات الأكثر صلة بحماية المدنيين في النزاعات المسلحة الطبيعة الحضرية لمسرح العمليات الحالي في الشرق الأوسط. في هذا النوع من الحروب، تتضح تعقيدات القصف المدفعي والجوي للأهداف العسكرية الموجودة في المدن، بسبب قرب هذه الأهداف من السكان المدنيين والأعيان المدنية.

علاوة على ذلك، فإن الطبيعة غير المتكافئة لمعظم النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط اليوم، مع وجود فوارق كبيرة بين القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة، تعني أن الطرف الأضعف قد يفعل كل ما يلزم لإيجاد طريقة للتغلب على القوة العسكرية للعدو. وقد تشمل هذه التكتيكات اختلاط المقاتلين بالسكان المدنيين والأهداف العسكرية بالأعيان المدنية، واستخدام المدنيين كدروع بشرية. ومن الواضح أن مثل هذه الممارسات تزيد مخاطر وقوع إصابات وأضرار في صفوف المدنيين.

كذلك، فإن الخلط بين ما هو مدني وما هو عسكري من بين المهام والأنشطة المتنوعة التي يؤديها المدنيون في النزاعات المسلحة المعاصرة، فضلًا عن تعقد الوسائل والأساليب الحربية الحديثة، قد تتسبب في حالة من عدم اليقين في التمييز بين المقاتلين والمدنيين. وتتفاقم هذه التحديات حيثما تخفق الأطراف الفاعلة المسلحة في تمييز نفسها عن السكان المدنيين، كما هي الحال في أثناء تسيير عمليات عسكرية سرية أو عندما يتصرف الأشخاص كـ «مزارعين بالنهار ومقاتلين بالليل». ونتيجة لذلك، يزيد احتمال وقوع المدنيين ضحايا للاستهداف الخاطئ أو التعسفي.

ثالثًا، حتى إذا تم التوصل إلى هذا التوازن المنشود بنجاح، فسيظل من الصعب شرح خصوصيات القانون الدولي الإنساني والفوارق الدقيقة في قواعده ومبادئه للأشخاص الأقل دراية به. ولو شئت لذكرت مثالًا واحدًا فحسب، فوفقًا لمبدأ التناسب بموجب القانون الدولي الإنساني، لا يُسمح للأطراف المتحاربة بشن هجوم على الأهداف العسكرية لخصمهم إذا كان هذا الهجوم يُتوقع «أن يسبب خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم، أو أضرارًا بالأعيان المدنية أو مجموعة من هذه الخسائر والأضرار بصورة عارضة، ويكون مفرطًا في تجاوز ما يُنتظر أن يُسفر عنه من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة».

بعبارة أخرى، ثمة ظروف خاصة في الحرب عندما تكون الخسائر العرضية في أرواح المدنيين وتدمير ممتلكاتهم أضرارًا جانبية «مقبولة قانونًا» بموجب القانون الدولي الإنساني، إذا لم تكن مفرطة مقارنةً بالميزة العسكرية المتوقعة من الهجوم على الهدف العسكري. وهذا واقع غالبًا ما يجد الشخص العادي، غير المتمرس بمنطق القانون الإنساني وفلسفته، صعوبةً في تقبله. فالسؤال الرئيسي الذي يشغل الذهن هو: كيف يمكن لسيادة القانون أن تؤيد قتل المدنيين؟

أما ما لا يفكر فيه الشخص العادي في هذا السياق فهو كم سيكون امتثال الأطراف المتحاربة لهذه القواعد غير عملي إذا كان القانون يفرض قيودًا غير واقعية على عملياتهم العسكرية، لا سيما بالنظر إلى التحديات المذكورة أعلاه.

رابعًا، حتى عندما تحترم الأطراف المتحاربة القانون الدولي الإنساني، فإن معظم وسائل الإعلام لا تهتم حقًّا بتغطية مثل هذا النوع من الأخبار. فهي تعتبر ذلك سلوكًا «طبيعيًّا» لا يستحق النشر. على سبيل المثال، من المستبعد جدًّا أن نقرأ في الصحف أو نشاهد في القنوات الإخبارية خبرًا عن قائد عسكري أوقف عملية عسكرية لتجنب التسبب في أي «أضرار جانبية» للسكان المدنيين في جانب العدو. بل العكس هو الواقع، فالانتهاكات بحق القانون الدولي الإنساني هي التي تتصدر في الغالب عناوين الأخبار اليومية. والإخبار بذلك خطوة مهمة للغاية – إذا وقع انتهاك بالطبع – حتى يعلم الرأي العام بما اقتُرف وينعقد الأمل على محاسبة الجناة. ومع ذلك، فإن نمط إعلام الناس بالأحداث جعل غالبيتهم يظنون أن القانون الدولي الإنساني لا يُحترم أبدًا في الحروب المعاصرة.

ويتفاقم هذا المنحى بطبيعة الحال بسبب وسائل الإعلام شديدة الاستقطاب والانحياز والاستغلال، إذ غالبًا ما تستغل تلك الوسائل انتهاكاتِ القانون الدولي الإنساني كأداة دعائية لصالح أحد طرفي النزاع ضد الآخر. بالإضافة إلى أن التكنولوجيا الحديثة (بصورة أساسية استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي) تتيح نشرًا فوريًّا لأي خبر إلى العالم بأسره تقريبًا دون أي تحرٍّ للواقع.

خامسًا، إن الإخفاق الواضح للمجتمع الدولي في إنشاء أي آلية امتثال «فعَّالة» للقانون الدولي الإنساني وإفلات معظم مرتكبي الانتهاكات بحق القانون الدولي الإنساني من العقاب تُزعزع ثقةَ الناس في القانون وما يجب أن يقدمه. وبغض النظر عن آراء العديد من علماء الاجتماع ودارسي القانون بأن العقوبة يجب اعتبارها مجرد أداة واحدة من أدوات عديدة متاحة للدول تمكنها من تحقيق الهدف النهائي المتمثل في الحفاظ على النظام الاجتماعي، فإن معظم الناس يميلون إلى الاعتقاد بأن القواعد لا تكون مجدية إلا إذا عوقب مرتكبو الجرائم.

أخيرًا وليس آخرًا، ليس أمام القانون الدولي الإنساني سوى أن يناضل ليحفظ لنفسه مكانًا وسط جدل شديد الاستقطاب ومستنكِف عن سماع صوته ورافض لوجوده. ففي العديد من السياقات في الشرق الأوسط، يبدو أن الجماعات المسلحة من غير الدول – لا سيما التي تُطلق على نفسها «جهادية» – تنظر إلى القانون الدولي على أنه أداة إمبريالية تفرضها الدول الغربية للسيطرة على الدول الإسلامية أو غير الغربية، وتنظر إلى القانون الإلهي – بتفسيرها الخاص – باعتباره الإطار الوحيد المُلزم للطريقة التي يسيِّرون بها الأعمال العدائية.

وفي الوقت نفسه، قد ترفض بعض الدول انطباق القانون لأسباب مختلفة، على سبيل المثال، نظرًا لأن القانون الدولي الإنساني لا ينطبق إلا في أوقات النزاع المسلح، فقد تزعم الدول أن حالة معينة تنطوي على توترات داخلية أو أنشطة إرهابية ولا ترقى إلى فئة نزاع مسلح. والمسوغ لهذا الموقف، في رأي بعض الدول، هو أن الاعتراف بنشوب نزاع مسلح من هذا القبيل سيمنح الشرعية ضمنيًّا للجماعة المسلحة. وبالعكس، فإن عدم تصنيف حالة معينة على أنها نزاع مسلح من شأنه أن يسمح للدولة بتطبيق أطر قانونية أخرى تفضِّلها، بما في ذلك تشريعات مكافحة الإرهاب.

لقد ساهمتْ كل هذه العناصر إلى حد بعيد في جعل عمل القانونيين في العمل الإنساني صعبًا للغاية، وهي تقوض بالتأكيد تطبيق القانون الدولي الإنساني في الشرق الأوسط وخارجه. ومع ذلك، لا يجب أن تصيبنا جوانب القصور بالإحباط فنتغاضى عما ينجح القانون الدولي الإنساني في تحقيقه فعلًا لضحايا النزاعات المسلحة، على الرغم من جميع التحديات المذكورة أعلاه.

يُستخدم هذا القانون نفسه يوميًّا كأساس لصون الكرامة الإنسانية لملايين من ضحايا النزاعات المسلحة في جميع أنحاء العالم. وهذا الواقع يتجلى لمن يعيشون في ظل الحروب بالفعل أكثر مما يظهر لمن لا يعرفون النزاعات المسلحة إلا من وراء شاشات التلفاز والكمبيوتر والهواتف المحمولة. ولو رصد المرء حجم العمل الذي تنهض به اللجنة الدولية في هذا الصدد في جميع أنحاء العالم، وغيرها من المنظمات الإنسانية العديدة الأخرى، فأنا على يقين من أن كثيرين ممن لا يرون سوى انتهاكات القانون الدولي الإنساني سيندهشون بعد أن يدركوا أن الصورة الذهنية التي تشكلت لديهم أسوأ من الواقع.

يستفيد اليوم نحو مليون محتجز، بمن فيهم المحتجزون في النزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى، من الزيارات التي تقوم بها اللجنة الدولية في أكثر من 1200 مكان احتجاز في جميع أنحاء العالم. فتتحقق اللجنة الدولية من المعاملة التي يتلقونها وظروفهم المعيشية، وتعمل بلا كلل مع السلطات المختصة لإدخال تحسينات في هذا الصدد. كما تقوم بجمع ومبادلة الرسائل بين المحتجزين وأفراد عائلاتهم، وتيسير الزيارات العائلية لأماكن الاحتجاز. وتعمل اللجنة الدولية أيضًا في العديد من الحالات وسيطًا محايدًا لتيسير الإفراج عن المحتجزين ونقلهم. وتُعد عملية الإفراج الأخيرة عن 1081 شخصًا محتجزين سابقًا فيما يتعلق بالنزاع في اليمن في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 مثالًا معبرًا على هذا الدور.

وتبذل اللجنة الدولية جهدًا هائلًا لاستجلاء مصير الأشخاص المفقودين في أثناء النزاعات المسلحة سواء كانوا مدنيين أو مقاتلين. وساعدت اللجنة الدولية في عام 2019 في تحديد أماكن وجود زهاء 10 آلاف شخص من خلال أنشطة البحث عن المفقودين وجمع شمل ما يقرب من 1000 شخص بعائلاتهم. ناهيك عن المساعدات الطبية والمعيشية التي يتلقاها المدنيون المتضررون من النزاعات المسلحة، فضلًا عن إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية. مع الأخذ في الاعتبار أن جميع هذه الأنشطة الإنسانية تجري بالتنسيق مع الأطراف المتحاربة، ما يسمح للجنة الدولية بتقديم هذه الخدمات لمن يعتبرونهم أعداء لهم.

EPA/MOHAMMED SABER

وما أرجوه من قارئي الكريم، مرة أخرى، ألا يسيء فهمي، فأنا لا أزعم هنا بأي حال أن القانون الدولي الإنساني يحظى باحترام جميع الأطراف المتحاربة طول الوقت، أو حتى أنه لا ينتهك مرارًا. فالأمر أبعد عن أن يكون كذلك. لكن ما أحاول قوله هو، أولًا، أن هناك فجوة كبيرة بين ما يعد به القانون الدولي الإنساني العالم، وتوقعات الجمهور من هذا القانون. فغالبًا ما تستند هذه التوقعات إلى الأماني والتوهم لا إلى فهم الفروق الدقيقة بين القوانين وتعقيداتها.

ثانيًا، توجد فجوة مهمة أخرى بين تصورات الجمهور حول تنفيذ القانون الدولي الإنساني والواقع على الأرض. ولو شئنا التبسيط لقلنا إن جمهور الناس غالبًا ما يتجاهل أنه ومع انتهاك القانون الدولي الإنساني بالتأكيد في العديد من أنحاء العالم اليوم، فإنه يحظى أيضًا بالاحترام الكافي إلى الدرجة التي تجعله يهم فعلًا الكثيرين من ضحايا النزاعات المسلحة، على الرغم من كل التحديات المذكورة أعلاه.

فهذا القانون، في معظم الأحيان، هو كل ما يملكه هؤلاء في أيديهم للمطالبة بأي حق من حقوقهم في أوقات الحرب. إن الأصوات التي تثير مخاوف جادة بشأن عدم احترام القانون الدولي الإنساني لها ما يبررها والحاجةُ إليها ماسة، إذ يتعين علينا جميعًا التعامل مع حالة عدم الامتثال للقانون والعمل الجاد لإصلاح الوضع معًا. لكن ما يقلقني هو أن هذه المخاوف تتحول تدريجيًّا إلى شعور عام باليأس، والتشاؤم، وإلى نزعة تفكيكية. إذا سادت هذه المعاني لتجاهل القانون باعتباره غير ذي قيمة، فإن العواقب بالنسبة لضحايا النزاعات المسلحة ستكون كارثية.

وبعبارة أخرى، إذا تخلى الناس عن القانون الدولي الإنساني، فسوف يعني ذلك أننا نتخلى عن الجرعة الوحيدة الموجودة من الإنسانية، وإن تكن قليلة، التي تصل إلى البشر المتضررين بالفعل في مناطق النزاع.

وفي النهاية، أعتقد أننا يجب أن نذكر أنفسنا دائمًا بأن الحروب كانت وستظل عنصرًا مدمرًا في عالمنا. ويؤكد لنا الواقع يومًا بعد يوم أننا بحاجة إلى التعايش مع تبعاتها دون الشعور بالإحباط ودون تصور حلول مثالية لها. ويجب ألا نتجاهل الواقع السياسي للحرب والقانون، وأن إنجازنا، بصفتنا بشرًا على العموم وعاملين بالقانون في العمل الإنساني على وجه التحديد، سيكون على الدوام ناقصًا وضئيلًا للغاية؛ لأن العمل الذي ننهض به محفوف دائمًا بالعديد من السلوكيات البشعة التي غالبًا ما تُفسد الإحساس بأي نصر نحققه. ولكن ما دمنا نعتقد أنه يمكننا إحداث فارق لحماية الأرواح وتحسين حياة البشر في أي مكان، فأرى أن هذا المسعى يستحق كل الجهود والمفاوضات المضنية التي نبذلها ونخوضها.

وأخيرًا، علينا أن نتقبل حقيقة أن أثر هذا المسعى قد لا يكون مرئيًّا لنا دائمًا بقدر ما كنتُ أنا غير مرئي بالنسبة لمندوب اللجنة الدولية الذي غيرت كلماته البسيطة حياتي منذ 15 عامًا: «حتى الحرب لها حدود».

نٌشر هذا المقال في العدد 69 من مجلة «الإنساني» الصادر في خريف/ شتاء 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. للاطلاع على العدد كاملًا، انقر هنا.

يمكنكم الحصول على عدد مطبوع من المجلة التي توزع مجانًا من خلال بعثاتنا في المنطقة. انقر هنا لمعرفة عناوين البعثات.