قد يبدو الرقم مذهلًا!

فأربعة عقود من العمل داخل بلد لا تعني بالضرورة لنا أنها مناسبة سعيدة، إنها أربعة عقود من حروب ونزاعات وقتل وتدمير في بلد كان في مراحل مختلفة من التاريخ مركزًا للإشعاع الحضاري والثقافي للعالم بأسره.

عندما دخلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى العراق وأسست أول مكاتبها عام 1980، ربما لم يخطر ببال أحد في ذلك الوقت أن هذا الوجود سيطول وإن وجع العراقيين سيزداد على مدار حقبات زمنية مختلفة. هذا الوجود الذي يفترض به أن يكون مؤقتًا وينتهي بانتهاء النزاع أو الحرب استمر إلى اليوم واللجنة الدولية تحاول أن تخفف من المعاناة ومن نتائج الحروب على العراقيين بمختلف فئاتهم.

قال لي زميل عراقي إن المأساة التي حلت بالعراقيين جعلتنا مضرب المثل، فيقال في بعض البلاد عند نشوب نزاع أو حرب: «لا تجعلوه عراقًا آخر»!

أينما تضع إصبعك في هذا البلد تجد جراحًا لم تندمل، فالبنية التحتية مدمرة والكهرباء مقطوعة، ونظام الرعاية الصحية متهالك وملايين العراقيين لا زالوا مشردين/ نازحين من بيوتهم.. لربما أصبحت حتى الذاكرة الجمعيَّة للشعب العراقي والأطفال منه مثخنة برائحة الدم والبارود.

منذ بداية العام 2020، شرعنا بالتحضير لإطلاق حملة «أربعون عامًا في العراق» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكان السؤال المحوري: ماذا سنقول؟ كيف يمكن أن تختصر أربعة عقود في عدة فيديوهات وصور؟ ومن هنا بدأ التحدي الكبير بأن نعود إلى كل المقالات والتقارير والكتب في أرشيف اللجنة الدولية منذ الثمانينيات وإلى الآن لتعطينا فكرة عن ماذا حدث خلال كل هذه السنوات، ماذا قدمنا وكيف خففنا من وجع العراقيين.

بعيدًا عن التقارير والأوراق، هناك أرشيف حيٌّ في بغداد وهم مجموعة من الزملاء الذي يعملون الآن مع اللجنة الدولية بعد أن كانوا من ضمن أسرى الحرب الذين تم تبادلهم خلال ثمانينيات القرن الماضي برعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

علي الجبوري هو واحد من هؤلاء الزملاء والذي يقترب من عامه السابع عشر من العمل مع اللجنة الدولية في مكتب بغداد، وسيحال إلى التقاعد في شهر حزيران من العام القادم [2021]. علي كان واحدًا من أسرى الحرب الذين أمضوا أكثر من عشرين عامًا في السجن في إيران قبل أن يعود إلى العراق عام 2003، وهو ليس الوحيد بالمناسبة، فهناك عدد آخر من الموظفين الذين يعملون حاليًّا وكانوا في وقت ما من ضحايا الحروب في العراق.

علي كان محظوظًا لأنه تمكن من تبادل بضع رسائل مع عائلته خلال سنوات الاعتقال وأدركوا أنه على قيد الحياة وسيعود يومًا ما. هذا الحظ الذي جانَبَ مئات آلاف العراقيين الآخرين الذين فقدوا خلال الحروب المختلفة التي مرت على العراق ولا تزال عائلاتهم لا تعرف ماذا حلَّ بهم.

في الحقيقة إن ما اكتشفناه من خلال التقارير كان مذهلًا وعظيمًا، ندعكم مع قليل من الأرقام التي تتحدث عن نفسها عما قدمناه خلال أربعين عامًا:

– أكثر من 7 ملايين رسالة تم تبادلها ما بين أسرى الحرب العراقيين وعائلاتهم عن طريق اللجنة الدولية خلال الحرب الإيرانية – العراقية.

– أكثر من 97 ألف أسير حرب تم تبادلهم برعاية اللجنة الدولية خلال الحرب المذكورة أعلاه وحتى عام 2003.

– أكثر من 630 ألف طرف صناعي تم تصنيعها في مراكز الأطراف الصناعية التي تدعمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق، بالإضافة إلى أكثر من 210 آلاف جهاز مساند لتقويم العظام.

– حوالي 6 ملايين سلة غذائية تم توزيعها على العراقيين المتضررين من النزاعات المسلحة المختلفة في جميع أنحاء العراق.

– ملايين العراقيين استفادوا من مشاريع المياه والدعم المستمر لسلطات المياه المحلية.

– أكثر من 611 ألف معتقل أمكن زيارتهم داخل السجون في العراق منذ عام 2004 وحتى الآن.

وبعيدًا عن الحروب والنزاعات المسلحة، يعاني العراقيون اليوم مثل غيرهم من شعوب العالم من تأثيرات جائحة كورونا التي فاقمت من شظف العيش لدى الشعب العراقي، وتسببت بأضرار إضافية للقطاعات الخدمية العامة والخاصة وصعوبات في الحصول على السلع الأساسية والأمن الوظيفي مع ظهور صعوبات جمة تواجهها عوائل عديدة في تأمين معيشتها علاوة على وجوب التكيف مع المخاوف الصحية السائدة.

نُشر هذا المقال في العدد 67 من مجلة الإنساني.

انظر أيضا: العراق: 25 عامًا من عمل اللجنة الدولية