تدخل اليوم [ 22 كانون الثاني/ يناير 2021] معاهدة حظر الأسلحة النووية حيز التنفيذ ي خطوة عدها البعض «انتصارًا للبشرية».

تُعد معاهدة حظر الأسلحة النووية أول اتفاق متعدد الأطراف يُطبَّق عالميًّا ويرمي إلى حظر الأسلحة النووية حظرًا شاملًا استنادًا إلى القانون الدولي الإنساني، وذلك إقرارًا منها بالعواقب الإنسانية الوخيمة الناتجة عن هذه الأسلحة. وهي أيضًا أول معاهدة تتضمن أحكامًا تخص المساعدة في معالجة النتائج الإنسانية المترتبة على استخدام الأسلحة النووية وتجريبها.

وتنص المعاهدة (Treaty on prohibition of nuclear weapons) بوضوح على أنه يجب على الدول التي صادقت «ألا تقوم أبدًا تحت أي ظرف من الظروف بتطوير أو اختبار أو إنتاج أو تصنيع أو حيازة أو امتلاك أو تخزين أسلحة نووية أو أجهزة نووية متفجرة أخرى».

ولا تقف هذه المعاهدة موقف المتناقض من اتفاقيات دولية قديمة وقائمة بخصوص السلاح النووي، لا سيما معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، والمعاهدات الإقليمية المنشئة للمناطق الخالية من الأسلحة النووية. إذ إنها ترمي إلى تحقيق التكامل في الأدوات القانونية الدولية من أجل القضاء على خطر السلاح النووي.

واعتُمدت المعاهدة في مؤتمر دبلوماسي للأمم المتحدة في 7 تموز/ يوليو 2017 وفُتح باب توقيعها في 20 أيلول/ سبتمبر 2017. وجرى الاتفاق على دخول المعاهدة حيز النفاذ بعد تصديق 50 دولة عليها، وهو ما حدث في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بعدما صدقت دولة هندوراس على الاتفاقية.

 

انتصار للبشرية

وقال بيتر ماورير، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيان: «سجلت البشرية اليوم انتصارًا ووعدًا بمستقبل أكثر أمانًا». ورحبت منظمات دولية طوعية بالمعاهدة، بينها «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية» والتي فازت بجائزة نوبل للسلام عام 2017 تتويجًا لدورها الكبير في حشد الدعم ورفع الوعي العالمي بمخاطر الأسلحة النووية.

وكانت اللجنة الدولية قد دعت قبل عشر سنوات، إلى فتح نقاش جديد حول الأسلحة النووية، قائلة: «[وجود] الأسلحة النووية يطرح بعض الأسئلة الأكثر عمقًا في ما يتعلق بالمستوى الذي يتعين فيه أن تتنازل الدول عن حقوقها لمصالح البشرية، وقدرة الجنس البشري على التحكم في التكنولوجيا التي يستحدثها، وانتشار القانون الدولي الإنساني، ونطاق امتداد الآلام البشرية التي نرغب في إحداثها أو السماح بها وقت الحرب».

ومن ضمن الدول التي صادقت على المعاهدة دولتا جنوب أفريقيا وكازاخستان، وهما دولتان امتلكتا أسلحةً نوويةً في السابق وتخلصتا منها إراديًّا.

ولم تحظ المعاهدة بمصادقة الدول النووية ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين. ويقول خبراء إن القوى النووية الكبرى ترفض هذه المعاهدة بزعم أنها قد تقوض الردع النووي على الصعيد العالمي، وهو ردع له الفضل في الحيلولة دون نشوب حروب تقليدية كبرى.

وتقول هذه الدول إنها باقية على التزاماتها تجاه اتفاقية أخرى وهي معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وطيلة خمسة عقود، مثلت معاهدة عدم الانتشار (Treaty on the Non-Proliferation of Nuclear Weapons) محور الجهود العالمية الرامية إلى منع زيادة انتشار الأسلحة النووية [منع وليس حظرًا]، وتعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. ودخلت هذه المعاهدة حيز النفاذ في تموز/ يوليو 1970.

وبموجب هذه المعاهدة تلتزم الدول غير الحائزة لأسلحة نووية بعدم تصنيع أسلحة نووية أو القيام على نحو آخر باقتناء أسلحة نووية أو أجهزة تفجيرية نووية أخرى، في حين تلتزم الدول الأطراف الحائزة لأسلحة نووية بعدم مساعدة أو تشجيع أو حث أي دولة طرف في المعاهدة غير حائزة لأسلحة نووية بأيِّ حال من الأحوال على تصنيع أسلحة نووية أو القيام على نحو آخر باقتناء أسلحة نووية أو أجهزة تفجيرية نووية أخرى.

وتعرَّف الدول الأطراف الحائزة لأسلحة نووية بموجب المعاهدة بأنها تلك التي صنعت وفجَّرت سلاحًا نوويًّا أو أي جهاز متفجر نووي آخر قبل ١ كانون الثاني/ يناير ١٩٦٧، ويشمل ذلك خمس دول.

ووثقت اللجنة الدولية شهادات خبراء نوويين ومسؤولين عسكريين سابقين تشير إلى أن احتمالات انفجار أسلحة نووية انفجارًا عَرَضيًّا ما زالت تشكِّل مخاطر حقيقية. فقد كادت الأعطاب والحوادث وحالات الإنذار الخاطئ وسوء تفسير المعلومات تؤدي إلى تفجير أسلحة نووية تفجيرًا مقصودًا أو غير مقصود في حالات عدة منذ العام 1945. ولا يضمن عدم استخدام الأسلحة النووية طوال السنوات السبعين الماضية أنَّها لن تُستخدم في المستقبل.

وفي دراسة حديثة للعام 2018، وثَّق مركز «تشاتام هاوس» البحثي، 13 حادثة «استخدام وشيك» لأسلحة نووية نَجَمت عن أخطاء حاسوبية، وهذه هي الحالات المُعلن عنها فقط. ووثَّقت «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية» زهاء 320 «حادثة عسكرية» تخص دولًا نووية وحلفاءها خلال مدة عامين آخرها آذار/ مارس 2016. ومن بين هذه الحوادث صُنِّفت 25 حادثة بوصفها ذات «مخاطر عالية» و76 حادثة أخرى «استفزازية». وكل حادثة منها استتبعتها مخاطر التصعيد وسوء التقدير.

أثر إنساني وخيم

تدخل هذه المعاهدة المفصلية حيز النفاذ بعد خمسة وسبعين عامًا على تفجيري مدينتي هيروشيما وناغازاكي الماحقين. ففي صباح يوم السادس من آب/ أغسطس 1945، أطلقت طائرة حربية من طراز B-29 قنبلة نووية على مدينة هيروشيما، فمحتها وأودت بحياة نحو 70 ألف شخص على الفور وخلفت عشرات الآلاف يعانون من إصابات مروعة. بعدها بثلاثة أيام، في التاسع من آب/ أغسطس، دمرت قنبلة نووية ثانية مدينة ناغازاكي، ما أسفر عن مقتل 39 ألف شخص على الفور.

لم يكن هذا كل شيء، فبحلول عام 1950، كان ما يقدر بنحو 340 ألف شخص قد لقوا حتفهم نتيجة لآثار القنبلتين، ومن بينها الإصابات الناجمة عن التعرض للإشعاع النووي.

وقد عاينت اللجنة الدولية للصليب الأحمر والصليب الأحمر الياباني دمارًا ومعاناةً لا يمكن تخيلهما، إذ حاول العاملون في المجالين الطبي والإنساني مساعدة الجرحى ومن يحتضرون في ظروف تعجز الكلمات عن وصفها.

وبعد مرور تلك السنوات، ما يزال خطر استخدام الأسلحة النووية مرة أخرى في ازدياد. فالدول النووية تواصل اليوم تحديث ترساناتها وتطوير أنواع جديدة من الأسلحة النووية وجعلها أسهل استخدامًا، مبتعدةً عن اتخاذ أي خطوات للوفاء بالتزاماتها القائمة منذ زمن طويل بشأن نزع السلاح النووي، في الوقت الذي تتصاعد فيه الحوادث العسكرية التي تنخرط فيها دول نووية ودول متحالفة معها بوتيرة تنذر بالخطر.

ومع أن الأسلحة النووية استخدمت مرتين فقط في النزاعات الحربية، في قصف هيروشيما وناغازاكي في الحرب العالمية الثانية، إلا أن الأمم المتحدة رصدت وجود نحو 22 ألفًا من هذه الأسلحة، علاوة على إجراء ما يزيد على ألفي تجربة نووية. وتقول اللجنة الدولية إن تقديم العون اللازم للضحايا عقب أي انفجار نووي أمر يكاد يكون مستحيلًا نظرًا لحجم الخسائر البشرية والأضرار الهائلة التي ستنجم عن انفجار كهذا، وستستمر لعقود طويلة مقبلة.

وخلصت اللجنة الدولية منذ شهر أيلول/ سبتمبر من عام 1945، بناء على تجربتها الأليمة في التعامل مع ضحايا قصف هيروشيما وناغازاكي، إلى رأي مفاده أنَّ العواقب الإنسانية للأسلحة النووية غير مقبولة بتاتًا. وينبغي من وجهة نظر إنسانية حظر هذه الأسلحة.

أسلحة للمعاناة الأبدية

الأسلحة النووية هي أسلحة فريدة لا نظير لها نظرًا للقوة التدميرية التي تملكها، ولحجم المعاناة الإنسانية الهائلة التي تنجم عنها جراء ارتفاع درجة الحرارة والانفجار والإشعاعات الناجمة عن الانفجار النووي والمدى الذي تصل إليه. وقد يتسبب تفجير سلاح نووي داخل منطقة سكنية أو بالقرب منها في وقوع خسائر بشرية هائلة فضلًا عن إلحاق دمار شامل بالبنية التحتية المدنية مثلما حدث في هيروشيما وناغازاكي.

ويمكن أن تدوم لعقود عواقب الأسلحة النووية على صحة الإنسان وعلى البيئة والمناخ وعلى سُبل إنتاج المواد الغذائية وعلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية. كما يمكن أن تؤثِّر في أطفال الناجين من خلال الأضرار الوراثية التي تلحقها بالوالدين. ويبدو هذا الأمر جليًّا في الأماكن التي استُخدمت فيها الأسلحة النووية وفي الأماكن التي اختُبرت أو جُرِّبت فيها تلك الأسلحة.

وتواصل إلى اليوم مستشفيات الصليب الأحمر الياباني معالجة ضحايا مصابين بحالات سرطان لا سيما سرطان الدم أو «اللوكيميا» بسبب الإشعاعات النووية الناجمة عن انفجار القنبلتين الذريتين اللتين أُلقيتا قبل 74 عامًا.

جدير بالذكر أن دمار هيروشيما وناغازاكي نجم عن أسلحة «صغيرة» مقارنةً بمعظم القنابل التي تعجُّ بها الترسانات النووية اليوم. ولا ينص القانون الدولي على حظر شامل أو عالمي على استخدام الأسلحة النووية، إلا أن محكمة العدل الدولية خلصت في العام 1996 إلى أن استخدام هذه الأسلحة يخالف بصورة عامة مبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعده. وقالت المحكمة إن الدول ملزمة بإجراء مفاوضات تؤدي إلى نزع السلاح النووي.