يذكر أن عالم البيولوجيا الفرنسي “لويس باستير” كان يقول مخاطبًا الإنسان “لا تقل لي ما هي ديانتك ولا ما هو لونك ولكن قل لي ما هي آلامك”، بهذه العبارة الموجزة لخص العالم الفرنسي وحدد، مضمون ومجرى التطور الأخلاقي للإنسانية، ألا وهو وحدة النوع الإنساني، وتوحد التجربة الإنسانية في الألم والفرح دونما تفرقة، بسبب الدين أو العنصر أو اللون أو الانتماء أو ما دون ذلك من التقسيمات الطائفية والدينية والمذهبية، التي تبرر انتهاك الحقوق والكرامة لكثير من الجماعات.

على أن مضمون هذه العبارة ربما يتجاوز بكثير منطوقها المباشر الذي يتعلق بمساواة البشر في تجربة الألم، ذلك أن “باستير” كعالم، بلور في هذه الجملة- وفي وقت مبكر- هدف وغاية التقدم العلمي الذي يتمثل في تخليص البشر من آلامهم، والحفاظ على حياتهم وترقيتها وتذليل العقبات التي تعترض البشر في بحثهم عن السعادة والفرح، وكأن باستير كان يتنبأ بالانحرافات والدهاليز التي ستعوق التقدم العلمي عن السير في هذه الوجهة الإنسانية والأخلاقية.

من ناحية أخرى فإن عبارة “باستير” حددت مضمون العمل الإنساني بمعناه الحديث والمعاصر، والذي يتمثل في تخفيف وقع الحروب والنزاعات والصراعات الدولية منها وغير الدولية، وخاصة آثارها على المدنيين والمصابين والجرحى والأطفال والنساء والأسرى وما دون ذلك من الفئات، التي تتعرض لمضاعفات هذه الحروب، وذلك بصرف النظر عن ألوانهم وعقائدهم ومذاهبهم والأطراف التي ينتمون إليها في خضم هذه المعارك، وتقديم كافة أشكال العون الممكن ماديًا ومعنويًا لأولئك وهؤلاء من ضحايا الحروب والنزاعات وهو ما يمثل مضمون رسالة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومؤسسها “هنري دونان” الذي عرف ويلات الحروب في أوروبا وقرر أن يكرس حياته لهذه القضية النبيلة.

بيد أن رسالة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ورسالة مؤسسها، بعدما يقترب من القرن ونصف القرن على تأسيسها بحاجة الآن إلى التعزيز والدعم في الظروف الحالية التي يمر بها العالم، والتي تتمثل في انتشار الحروب والصراعات وحدة التوترات العرقية والدينية وتعدد الفاعلين الذين يقومون بانتهاك الكرامة الإنسانية وحق الحياة للكثيرين على ضوء اعتبارات قبلية وعرقية ودينية، حيث لم تعد الدولة وحدها هي التي تقوم بهذا النوع من الانتهاكات والمخالفات عندما تنخرط في حروب مع غيرها أو مع جماعات قومية مسلحة تتمرد على سلطتها، بل ثمة العديد من النزاعات الدولية والمحلية المدولة وما دون ذلك من الصراعات والنزاعات التي تنتهك أطرافها القانون الدولي الإنساني وقواعده.

وبقدر ما تطورت قواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني بقدر ما زادت حدة الانتهاكات لقواعده في بقاع كثيرة من العالم تلك التي تشهد توترات عرقية وقبلية على عكس ما كان متوقعًا مع بداية انهيار الاتحاد السوفيتي وبدء نهاية الحرب الباردة وتتابع الموجات المتلاحقة من العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية.

يضاف إلى ذلك تلك الصعوبات المتعلقة بأدوات وأساليب التدخل الإنساني ومضمونه وتعيين تلك المناطق التي تستوجب التدخل والعمل الإنساني وتفاعلات الرأي العام العالمي مع القضايا والأقاليم التي تشهد التوترات ومضاعفاتها على الكثير من الفئات وذلك عبر الاتصال والإعلام والبث المباشر الذي ينقل الوقائع فور حدوثها وتتيح للملايين عبر العالم متابعتها والتأثر بها والاستجابة لنداءات التضامن مع منكوبي هذه النزاعات وتخفيف آلامهم.

بيد أنه من بين تلك الصعوبات التي تواجه العمل الإنساني، تبرز على نحو خاص الصعوبة المتعلقة بجهل القانون الدولي الإنساني وقواعده ومبادئه وكيفيات تطبيقه في حالات محددة ومتعينة في مجرى النزاعات والحروب، ذلك أن القانون الدولي الإنساني تقتصر معرفته على دوائر محددة من الخبراء القانونيين والممارسين في إطار المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية، ويبدو ذلك غير كاف من وجهة استشراف القانون الإنساني الدولي وتلك الإمكانيات الإنسانية والأخلاقية والتربوية المضمنة فيه، فثمة العديد من الفئات التي ينبغي أن تعرف جيدًا المبادئ والقواعد التي يشملها هذا القانون.

وإذا كانت معاهدات جنيف عام 1949 قد ألزمت الأطراف السامية الموقعة عليها بتدريس قواعد القانون الإنساني الدولي لأفراد القوات المسلحة وتدريبهم عليها نظريًا وعمليًا، فإن هذه المعاهدات قد أوصت بتدريس هذا القانون لعديد من الفئات الأخرى كالأطباء والقائمين على التمريض والإسعاف وما دون ذلك من الفئات كالمحامين والقضاة وأعضاء النيابة وكذلك العاملين في حقل العمل الإنساني والإغاثة.

بالإضافة إلى ذلك فإن تدريس مبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني لفئات أخرى من الجمهور تبدو على درجة كبيرة من الأهمية حتى لو كانت هذه الفئات غير منخرطة بالضرورة في مجالات ذات صلة بالعمل الإنساني في اللحظة الراهنة، فتدريس مبادئ هذا القانون وقواعده للشباب في المدارس والجامعات والمعاهد قد يؤهل بعضهم للانخراط في مجال العمل الإنساني، وقد يختار الكثير من هؤلاء الشباب مهنًا وأعمالًا ذات صلة بدوائر تطبيق هذا القانون ومجالات إنفاذه.

ومع ذلك فإن تدريس القانون الدولي الإنساني تتجاوز أهميته بكثير دوائر التخصص والعمل المتصل بحقل هذا القانون ومجالات تطبيقه، ذلك أن تدريس هذه المبادئ ينطوي على قيم ومبادئ وتطوير استعدادات ذهنية وإنسانية وتربوية ضرورية للتنشئة والتكوين وتشكيل ثقافة معاصرة وإنسانية في المستقبل.

تنبع أهمية تدريس القانون الدولي الإنساني على نطاق أوسع من نطاق المتخصصين والممارسين من اعتبارات متنوعة ذات طبيعة فلسفية وإنسانية وأخلاقية وعملية وتربوية، تسوغ تدريس هذا القانون وتبصر بالإمكانيات المضمنة فيه من هذه الزوايا مجتمعة.

تأكيد الانتماء المشترك للإنسانية

على الصعيد الفلسفي والإنساني فإن تدريس القانون الدولي الإنساني يؤكد الانتماء المشترك للإنسانية بصرف النظر عن الاختلاف في الأديان والأعراق والثقافات، ومن شأن هذا الانتماء أن يرتب الوعي بمسؤوليات محددة ومتعينة يجيء في مقدمتها معرفة الحالات الملموسة التي يمكن أن توجد فيها جماعة من الناس في أوقات الحرب والنزاع والصراع، ولا تقف هذه المسؤوليات عند مجرد الوعي بهذه الحالات بل أيضًا كيف يمكن مساعدة مثل هذه الجماعة وتخفيف الآلام التي تتعرض لها والأضرار التي لحقت بها من جراء هذه النزاعات والمبادئ والقواعد والمعايير التي تحكم مثل هذه المساعدة وتنظمها والتي هي جوهر القانون الإنساني الدولي.

ولا شك أن هذه المعرفة بالحالات المختلفة للوجود الإنساني في أكثر النزاعات وحشية وهمجية ألا وهي نزعة الحرب والقواعد والمبادئ التي تساعد المنكوبين في هذه النزاعات من شأنها أن تقود إلى تعميق الانتماء للنوع الإنساني وتأكيد المصير المشترك للإنسانية وخلق ثقافة إنسانية عالمية للتعاطف مع منكوبي الحروب والصراعات والتوترات العرقية والقومية.

ورغم أن القانون الدولي الإنساني ليس معنيًا بالضرورة بوقف الحرب وإنهائها أو الحيلولة دون قيامها لأنه ينصب على معالجة وتخفيف ويلاتها وآثارها على المقاتلين والمدنيين والأسرى وغيرهم، إلا أن تدريس مبادئ هذا القانون من شأنه أن يكشف ويلات هذه الحروب بطريقة مادية وملموسة وليست مجردة وهو ما قد يفضي إلى تقليص النزوع للحرب وخلق ثقافة معادية بها باعتبارها ذلك النزوع الذي يكرس أسوأ ما في النوع الإنساني من وحشية وهمجية، ومن ثم تصبح الحرب كأداة لحل الصراعات منفرة وتصبح مرفوضة من قبل الضمير الإنساني حتى ولو عجز عن وقفها.

والمفارقة فيما سبق أن استمرار الحروب والصراعات والنزاعات وعجز البشرية عن إنهاء الحروب وإلغائها هي في الوقت ذاته مبرر نشأة القانون الدولي الإنساني ومبادئه، كما أن عدم التنفيذ لمبادئ القانون الدولي الإنساني يعد أمرًا أساسيًا لوجود هذا القانون، ولا يعني ذلك أن استمرار الحروب شرط لاستمرار وجود القانون الدولي الإنساني، بل يعني أن إنهاء ومنع الحروب سيمكن هذا القانون من التواجد والتطبيق في مستويات أرقى وأكثر شمولًا.

ولا شك أنه من أهم المشكلات التي تعوق تحقيق هذا الهدف أي الانتماء المشترك للإنسانية وتشكيل ثقافة كونية هي النسبية الثقافية والتي تتمثل في القول بأنه لا توجد معايير عامة وقواعد يمكن اعتبارها عالمية أو كونية وقابلة للانطباق في كل الظروف والأقاليم، بل توجد في الأقاليم المختلفة ثقافات متباينة ومعايير مختلفة للتطبيق تنتسب لكل إقليم.

والحال أن القول بهذه النسبية الثقافية يعني انتفاء وجود المعايير العامة والقواعد الكلية القابلة للانطباق في كافة الظروف وكذلك استحالة وجود مرجعية واضحة للحكم على الانتهاكات وتقويمها، كما أن القول بهذه النسبية يتجاهل المسار الطويل والمتعرج للأفكار والقيم في الزمان والمكان، تلك الأفكار والقيم التي تنتقل من ثقافة لأخرى ومن مكان لآخر في ظروف تاريخية مختلفة وكما أن الشكل الحالي القانوني والوضعي الذي يجسد هذه المعايير والقيم لا ينبئ بيقين وحسم عن هوية هذه الأفكار والقيم، فقد عرفت البشرية عبر تاريخها الطويل قيمًا مشتركة ومبادئ مشتركة، تشابهت وتقاطعت وتم تعديلها والإضافة إليها في عملية طويلة ومتداخلة على نحو فريد للغاية.

تعزيز التفكير القانوني

يتيح تدريس القانون الدولي الإنساني تعزيز ملكات التفكير القانوني للطلاب وتطوير قدراتهم على اختيار وتطوير الحجج المناسبة، عبر دراسة المشكلات والحلول القانونية لها، وتعد مبادئ القانون الدولي الإنساني مثل التمييز بين الحق في الحرب، وقانون النزاعات المسلحة، أو بين المدنيين والمقاتلين، مثالية للتدريب على التفكير القانوني الذي يساعد على تشخيص المشكلات الإنسانية في الأنباء اليومية وتحليلها.

ولا شك أن دراسة القانون الدولي تسمح بفهم أعمق لطبيعة القانون، وتجاوز الأفكار المسبقة والسطحية التي ترى القانون المحلي مرتبطًا بالقضاء الإلزامي والمحاكم والشرطة، ذلك أن القانون الدولي يعمل في مجتمع غير منظم نسبيًا، كما أن القانون الإنساني يقع بحكم طبيعته عند مفترق طرق القانون الدولي، ومن ثم فهو يسمح بفهم الواقع في أقصى حالاته أي في حالة النزاع المسلح.

تعزيز العدالة واحترام الضعف

تنطوي دراسة القانون على استلهام العدالة ومبادئها واحترام حقوق الضعفاء، لأن القانون لا يهتم فحسب بتنظيم المجتمع وتقدمه وحفظ استقراره بل أيضًا بحماية الضعفاء من بطش الأقوياء وذوي النفوذ بحكم مواقعهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وإنصافهم من خلال مفهوم العدالة، ولا شك أن دراسة القانون الدولي الإنساني على نحو خاص من شأنها أن تعزز هذه القيم في تكوين الطلاب والدارسين والشباب، ذلك لأن الكائن الإنساني يمتلك القدرة على الاختيار الأخلاقي وتحمل مسؤولية اختياراته أمام المجتمع ولا تحكمه اعتبارات الضرورة الجبرية وقد استطاعت الإنسانية عبر مسيرتها بناء معايير الخير والشر على ضوء تمتع البشر بالقدرة على الاختيار. ومن شأن إشاعة هذه القيم بناء روادع أخلاقية ضد جموح القوة والعنف.

نشر القانون الدولي الإنساني

تدريس القانون الدولي الإنساني ونشره هما في الواقع عمليتان متلازمتان، فالتدريس يستلزم التعريف بالقانون والاطلاع على وثائقه ومبادئه وفق العلامات البارزة في تطور القانون وارتباطه بالواقع.

وهكذا فإن تدريس القانون الدولي الإنساني يعني نشره في أوساط طلاب كليات القانون والحقوق والعلوم السياسية والاجتماعية والطبية وكذلك في المعاهد الخاصة بتدريس هذا القانون في المعاهد المختلفة في سويسرا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان.

ويهدف التدريس والنشر إلى تبديد الجهل بالقانون الإنساني، ذلك أن الجهل بمبادئ هذا القانون أخطر بكثير من الجهل بفروع القانون الدولي الأخرى، إذ يترتب على هذا الجهل انتهاكات وآثار جسيمة تلحق بالآخرين يصعب محوها وتجاوزها.

الحاجة العملية للقانون الدولي الإنساني في المستقبل

يرتبط تدريس القانون الدولي الإنساني بحاجة عملية ألا وهي حاجة الكثير من الطلاب لفهم القانون الإنساني ومبادئه إذا ما اختاروا في المستقبل مهنًا معينة مثل ضباط القوات المسلحة أو ضباط الشرطة أو الدبلوماسيين والمحامين وأعضاء النيابة والقضاة أو العمل في منظمات الإغاثة والمنظمات الإنسانية.

جميع هذه الفئات بحاجة إلى معرفة عميقة بمبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني كركيزة للنجاح في مهماتهم القانونية والدبلوماسية والقضائية وحتى يجنبوا دولهم مسؤولية الانتهاكات الخطيرة في غيبة نصائحهم واستشاراتهم في هذا المجال المتميز.

قد لا تحصل هذه الفئات على ما يكفيها من دراسة القانون الإنساني في إطار التعليم الجامعي، ولكن هذا القسط من التعليم قد يوفر لها إلمامًا بوجود القانون الإنساني وأساسياته ومبادئه وموقعه في إطار النظام القانوني الدولي والنظام القانوني الوطني الخاص ببلادهم.

ظهر هذا المقال في عدد مجلة الإنساني رقم 28 الصادر في صيف 2004.