يبدو أنني عشت أكثر مما يجب، في عمر هو أقصر مما أظن. فلماذا أكتب لكم؟، ولماذا تقرؤون لي؟، لا أعرف، قل: “هي فضفضة والسلام”.

الجملة التي أعتبرها مفتاح حياتي هي: “لا أعرف”. وكلما ازدادت معرفتي ازدادت حاجتي إلى المعرفة. ولو أردت أن أظهر نفسي بوصفي حكيمًا لقلت إن المعرفة جحيم، ولكنني لا أريد. كلما أردت الذهاب إلى الكمال هاجمك النقصان، وربما كان هذا سر الحياة.

في 18 أيلول/ سبتمبر القادم [2014]، سأكمل 26 عامًا في عالم الصحافة. وكان بإمكاني أن أكتب الجملة السابقة كالتالي: “في 18 سبتمبر الماضي، أكملت 25 عامًا في عالم الصحافة”، لكنني أحب النظر إلى المستقبل. فهل هناك مستقبل فعلًا؟، الإجابة النموذجية: “لا أعرف”. لكنني أرى أن الزمن لا ينقسم إلى ماض، وحاضر، ومستقبل كما علمونا. أراه حاضرًا مستمرًا متحولًا، يمضي إلى الأمام، فيصنع ماضيًا، ويحلم بالاستمرار فيرسم مستقبلًا.

لم أكن أعرف أنني سأصبح صحفيًا، ولم أكن أريد. ولا أعرف إلى الآن ما الذي كان من المحتمل أن أكون إذا لم يفاجئني المستقبل، الذي أصبح ماضيًا الآن، بتحولاته. عملت صحفيًا لأنني- ببساطة- لم أجد عملًا آخر. كنت أنظر إلى الصحافة نظرة متعالية من موقع الشاعر الذي يرى في الصحافة مهنة تافهة لا تليق به. كثير من الشعراء يترفع عن العمل في الصحافة بدعوى أنها تقتل الموهبة، لكنني أعترف بأن الصحافة أفادتني كثيرًا في كتابة الشعر، كما أن الشعر فعل الأمر نفسه معي في الصحافة.

كنت قد تعبت من تشردي. استقبلتني القاهرة بقسوة، فأردت أن أعاقبها على القسوة بالرحيل. أردت أن أودع الروائي الكبير الراحل، وأبي الروحي، خيري شلبي في مكتبه في مجلة الإذاعة والتليفزيون. قابلته لأول مرة في سوهاج، في أمسية شعرية، فنصحني مع عصام أبو زيد وجرجس شكري بأن نعيش في القاهرة، لأن الصعيد سيدفن مواهبنا. قلت له إنني قررت العودة إلى سوهاج لأعمل مدرسًا. قلت له إنني لم أعد أحتمل القاهرة. قلت له إنني “ابن ناس، ولا أحتمل هذه البهدلة”، وكانت عيناي تلمعان. قال: “انتظرني 10 دقائق”. ذهب إلى رئيس التحرير محمد جلال، الذي أصبح بعد ذلك أول معلم لي في الصحافة، وعاد بعد دقيقتين، وقال: “هذا مكتبك”. وهكذا ببساطة عملت في مهنة كنت أتعالى عليها، فأصبحت تدريجيًا عشقي الكبير، لأنها حمتني من سؤال يومي قاس: “أين أنام هذه الليلة؟”.

قال لي رئيس التحرير: “اقرأ هذا الموضوع”. قرأته، وقلت: سيئ جدًا”. قال: “اعمله كويس، اكتبه زي ما تحب تقراه”. وبقيت لفترة طويلة لا أعرف اسمًا لعملي كمحرر لإعادة الصياغة “ديسك مان”، لكنني كنت أعرف أن الموضوعات تأتيني سيئة، وأن عليّ أن أجعلها جيدة. لم أكن مشغولًا بمعرفة اسم مهنتي، فالأهم أن أستمر فيها، لأنها ستوفر لي راتبًا في آخر الشهر، يمنحني مكانًا- أي مكان في هذا العالم- أنام فيه. كنت أعمل ما بين 10 ساعات و18 ساعة يوميًا، لأنني كنت أدافع عن نصف سرير في حارة ضيقة متفرعة من شارع المحطة في الجيزة.

كانت الشقة مكونة من غرفتين وصالة. الغرفة الأولى سكنها شاعران أقرب إلى التصوف، والثانية فيها شاعران شيوعيان يتقاسمان سريرًا كبيرًا. وكان يزورنا صديقنا الشاعر جرجس شكري، فنقترح عليه- مازحين- أن ينام في منطقة محايدة، بوصفه مسيحيًا، وهي كنبة في الصالة التي تفصل بين الغرفتين. كان نصف السرير هذا جنتي الحقيقية، وكان الحفاظ عليه دافعي الأساسي لتطوير مهاراتي في العمل، إذ لم أكن أمتلك غيرها للبقاء.

كنت أشعر بأن الفلوس قد أذلتني في القاهرة، لذلك كنت- وما زلت- أعاملها باحتقار. كان فقدانها سببًا في جوعي وتشردي وحرماني من نومة مريحة، بعيدًا عن النوم في المساجد، أو الحدائق العامة، أو على سلالم الأصدقاء منتظرًا، وكان عليّ أن أذلها. تقاضيت راتبي الأول، وكان 71 جنيهًا و55 قرشًا، فجريت به إلى البيت. عندما فتحوا الباب، بعثرت الراتب كله في الهواء، وسط صراخ أصدقائي واتهامهم لي بالجنون. وأحضرت المكنسة، وكنست الراتب كله إلى مكان الزبالة. لملموه سريعًا، محاولين إنقاذه من حالة الهستيريا التي أصابتني، واقتطعوا منه الإيجار، وكان ستين جنيهًا. وذهبنا بما تبقى إلى عربة كبدة في ميدان الجيزة. أعطيت المبلغ كله لصاحب العربة مقدمًا ليمنحنا به كاملًا ساندويتشات كبدة. أكلنا، وشبعنا، لكننا واصلنا الأكل. كنا نأكل من باب الاحتياط، ولم نكن نفكر في الغد، لأن المستقبل لا يجيء أبدًا، ولأن الحاضر المستمر هو الزمن الحقيقي لكل شيء.

كنت أدافع عن نصف سرير.

نُشر هذا النص في العدد 57 من مجلة «الإنساني» الصادر في ربيع/ صيف 2014.