تشكل قضية اللجوء والنزوح القسري إحدى أكثر القضايا إلحاحًا التي تواجه المجتمع الدولي، كون هذه الفئة من الناس الأكثر تماسًا مع المعاناة سواء كان ذلك نتيجة لصراع، أو اضطهاد، أو غير ذلك من أنواع انتهاكات حقوق الإنسان. لكن التحديات التي تواجه هذه القضية اليوم تحتاج إلى إعادة تقييم أشكال التعامل الدولي معها.

لم يتم النظر إلى قضية اللاجئين باعتبارها قضية دولية يتعين معالجتها، إلا في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وتحديدًا بعد إنشاء عصبة الأمم. وتقع المسؤولية الأولى عن حماية اللاجئين ومساعدتهم على عاتق الدول خاصةً بلدان اللجوء التي يفر إليها اللاجئون.

فنظرًا لاضطرار الكثير من الأشخاص إلى التخلي عن ديارهم، والتماس الأمان في أماكن أخرى هربًا من الاضطهاد والصراع المسلح والعنف السياسي، بدأ المجتمع الدولي يتعامل مع هذه القضايا، فصدرت الاتفاقية الدولية لعام 1951، ثم بروتوكول عام 1967 الذي ألغى القيود الجغرافية لجعل الاتفاقية أكثر اتساقًا وشمولًا بحيث أصبحت تركز على الجانب الإنساني لمشكلة اللاجئين.

وهذه التفرقة ما بين السياسي والإنساني، مكنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من العمل في عصر الحرب الباردة وفي الفترات اللاحقة من الصراعات المسلحة على حد سواء.

ومن هنا تحددت الوظائف الأساسية للمفوضية باعتبارها ذات شقين، سياسي وإنساني. فزاد الاهتمام بقضايا اللجوء مع ازدياد أعداد اللاجئين في شتى أنحاء العالم، وأخذت سبل الحماية في الفترة الأخيرة أشكالًا جديدة. فبالإضافة إلى مسألة إعادة التوطين، أصبح هناك اهتمام بتوفير المساعدة المادية مثل الأغذية والمأوى، وكذلك توفير الرعاية الصحية والتعليم وغير ذلك من الخدمات الاجتماعية.

إلى ذلك توسع نطاق المستفيدين من الحماية ليشمل، بالإضافة إلى اللاجئين، فئات أخرى مثل النازحين داخل حدود بلادهم، والعائدين (اللاجئين أو النازحين داخليًا الذين عادوا) وملتمسي اللجوء (الذين لم يتقرر بعد وضعهم الرسمي) والأشخاص عديمي الجنسية، والسكان المتأثرين بالحرب وغيرهم.

كما تزايد بصورة كبيرة عدد القوى الفاعلة والمنخرطة بالبرامج الهادفة إلى حماية اللاجئين والنازحين ومساعدتهم.

وفيما كانت الحماية الدولية لمشاكل اللجوء تتم في الماضي بطريقة رد الفعل، أخذت سبل الحماية منحى آخر حاليًا، قائمًا على الأخذ بالنهج الشامل لمواجهة مشكلة اللجوء والنزوح القسري لا سيما مع بروز تحديات كبيرة تواجه مشكلة اللاجئين، لعل أهمها، التحديات التي يفرضها تزايد النزاعات المسلحة، والطبيعة المتغيرة للنزاعات الدولية والمحلية (الداخلية)، والتحركات المتزايدة للسكان، والتحديات التي تواجه العمل الإنساني بشكل عام، بالإضافة إلى تقاعس المجتمع الدولي عن دعم المفوضية والبلدان المستضيفة للاجئين ماديًا.

كل هذه التحديات برأيي تقتضي مراجعة سبل الحماية بالتعاون بين كافة الدول، وأن يتم التعامل مع مشكلة اللجوء كقضية إنسانية بالدرجة الأولى بعيدًا عن أية اعتبارات أخرى.

حماية اللاجئين وفقًا للقانون الدولي الإنساني

من المعلوم أن القانون الدولي الإنساني هو فرع من فروع القانون الدولي العام، وهو حديث النشأة نسبيًا ويوفر سبل الحماية الخاصة باللاجئين إذا كانوا تحت سلطة أحد أطراف النزاع.

ففي حالة نشوب نزاع مسلح دولي، يتمتع مواطنو الدولة بعد فرارهم من الأعمال العدائية واستقرارهم في بلد العدو بالحماية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، على أساس أنهم أجانب يقيمون في أراضي طرف في النزاع. وتطالب الاتفاقية الرابعة البلد المضيف بمعاملة اللاجئين معاملة تفضيلية، والامتناع عن معاملتهم كأجانب أعداد على أساس جنسيتهم، كونهم لا يتمتعون بحماية أية حكومة.

كذلك يتمتع اللاجئون من بين مواطني أي دولة محايدة في حالة إقامتهم في أراضي دولة محاربة بالحماية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، في حالة عدم وجود علاقات دبلوماسية بين دولتهم والدول المحاربة.

وفي حال احتلال أراضي دولة ما، فإن اللاجئ الذي يقع تحت سلطة الدولة التي هو أحد مواطنيها يتمتع بحماية خاصة، إذ إن الاتفاقية الرابعة تحظر على دولة الاحتلال القبض على هذا اللاجئ، بل تحظر عليها محاكمته أو إدانته أو إبعاده عن الأراضي المحتلة.

وإذا كانت المفوضية التابعة للأمم المتحدة تقوم بإجراءات الحماية والمساعدة وفقًا للمعايير الدولية، فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقوم بالدور نفسه وفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويقع على عاتقها مسؤولية مباشرة عن مصير اللاجئين الذين هم الضحايا المدنيون للنزاعات المسلحة أو للاضطرابات، بحيث تتدخل اللجنة الدولية فيما يخص اللاجئين الذين يشملهم القانون الدولي الإنساني، لكي يطبق المتحاربون القواعد ذات الصلة باتفاقية جنيف الرابعة، وتحاول في مجال عملها الميداني أن تزور هؤلاء اللاجئين وتوفر لهم سبل الحماية والمساعدة الضرورية.

وتشكل مسألة إعادة اللاجئين إلى أوطانهم أحد المشاغل الرئيسية للجنة الدولية. فهي حتى وإن لم تشارك كقاعدة عامة في عمليات إعادة اللاجئين إلى أوطانهم، إلا أنها تطلب من الدول والمنظمات المعنية أن تحدد بالضبط موعد وشروط عودة هؤلاء.

كما يحظر البروتوكول الثاني (المادة 17) الترحيل القسري للمدنيين، إذ لا يجوز الأمر بترحيلهم إلا بصفة استثنائية، وهذا ما نصت عليه المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي اعتبرت الترحيل القسري للسكان من قبيل الجرائم ضد الإنسانية.

حماية الأطفال اللاجئين

تعتبر المعاهدات الدولية مهمة للأطفال اللاجئين كونها تحدد المعايير الخاصة بحمايتهم. فعندما تصادق دولة ما على أية معاهدة دولية، فإن حكومة هذه الدولة تتعهد أمام المجتمع الدولي، بأنها سوف تسير وفقًا للمعايير والقواعد التي حددتها الاتفاقية. ومن بين هذه الاتفاقيات اتفاقية العام 1951 التي تضع المعايير التي تنطبق على الأطفال. إذ تعتبر أي طفل لديه خوف مبرر من التعرض للاضطهاد من جراء الأسباب التي أوردتها الاتفاقية يعتبر لاجئًا.

هي نصت على عدم جواز إرغام أي طفل يتمتع بصفة اللاجئ على العودة إلى بلده الأم، كما تطرقت إلى عدم جواز التمييز بين الأطفال والراشدين في مجال الرعاية الاجتماعية والحقوق القانونية، وأقرت أحكامًا خاصة بتعليم الأطفال اللاجئين.

واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 هي المعاهدة التي تحدد المعايير الخاصة بالأطفال، وهي، وإن لم تكن معاهدة خاصة باللاجئين، إلا أن الأطفال اللاجئين مشمولون بأحكامها، أي جميع الأشخاص الذين لا تتجاوز أعمارهم 18 عامًا دون أي تمييز.

وقد اكتسبت اتفاقية حقوق الطفل أهمية خاصة بالنسبة للأطفال اللاجئين بسبب المصادقة شبه العالمية عليها.

ومن أجل رفاهية الأطفال اللاجئين، تحث المفوضية جميع الدول والوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية على احترام المعايير التي حددتها اتفاقية حقوق الطفل.

ومن أجل ذلك تبنت مؤتمرات القمة العالمية الخاصة بالأطفال بعض الأهداف وأدرجت الأطفال اللاجئين بموجبها ضمن فئة الأطفال الموجودين في ظروف صعبة للغاية.

النساء وحق اللجوء

النساء هن من أكثر فئات اللاجئين تعرضًا لانتهاك حقوقهن ويتعذبن بصورة خاصة في حالات النزاعات المسلحة التي يحرم فيها الأفراد من ممارسة أغلبية حقوقهم الأساسية ولا يتمكنون فيها من الاعتماد إلا على الحماية التي يمنحها لهم القانون الدولي الإنساني.

وقد أثرت الحركة الرامية إلى تحقيق الاعتراف بالمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء، على الاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. 

ففي العام 1979 اعتمد المجتمع الدولي اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي انضمت إليها حتى الآن الغالبية العظمى من دول العالم. وتطرقت هذه الاتفاقية لكافة الأحكام الخاصة بحماية المرأة، والتي يمكن الإحالة إليها في حال وجود المرأة في أماكن اللجوء، وفي الوقت نفسه يمكن إعمال اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 التي تطرقت لضمان حماية النساء الحوامل والأمهات المرضعات.

أما ضمان حماية اللاجئات فلا يتطلب الالتزام بمعاهدة 1951 والبروتوكول الملحق بها فحسب، بل أيضًا الالتزام بالصكوك الدولية الأخرى كونها تقدم إطار معايير دولية لحقوق الإنسان من أجل الاضطلاع بأنشطة حماية ومساعدة متعلقة باللاجئات.

وهناك طائفة من الحقوق يجب مراعاتها خصوصًا إذا كانت الفئة المستهدفة هي النساء كحظر كافة أشكال العنف الجنسي كالاغتصاب والرق الجنسي وأعمال الدعارة في أماكن اللجوء وأثناء فترة النزاعات المسلحة، مع الأخذ بعين الاعتبار المبادئ التوجيهية للوقاية منها والتصدي لها التي أقرتها الأمم المتحدة. كما يجب العمل على لم شمل الأسر المشتتة في أماكن اللجوء خصوصًا المرأة المتزوجة وأطفالها.

وهناك ضرورة للعمل على تأمين الإجراءات القانونية فيما يتعلق بالمرأة الحامل من حيث ضمان الصحة الإنجابية وتسمية المولود وتسجيله. إلى ذلك من المهم وضع البرامج المدروسة فيما يتعلق بالصحة والتغذية والرعاية الاجتماعية والتعليم والتأهيل.التحديات أمام قضية اللجوء ومصداقيتها.

مع دخولنا الألفية الثالثة، وما نشهده من تأثيرات ومتغيرات عديدة، لعل أبرزها العولمة وأحادية القطب وتزايد حالات النزاع المسلح، لا نلحظه في قضية اللجوء، التي يبدو أنها بعيدة عن تلك المتغيرات. فالالتزام السياسي الذي أظهره المجتمع الدولي في التصدي للجوء والنزوح القسري في بعض البلدان ظل غائبًا في بلدان أخرى.

بل وتتخذ الكثير من دول العالم اليوم تدابير تقييدية على نحو متزايد لردع اللاجئين. إذ قامت العديد من البلدان بالتنسيق فيما بينها لغايات الحد من قدوم اللاجئين إليها، من دون أن يترافق ذلك مع بحث عن حل للأسباب التي دفعت هؤلاء اللاجئين إلى ترك بلدانهم. وهي سياسات أدت في بعض الأحيان إلى وصم اللاجئين بأنهم أناس يحاولون التحايل على القانون.

ولمعالجة هذه التحديات يجب على المجتمع الدولي أن يدرك أن ملتمسي اللجوء والنازحين دفعتهم أخطار وأسباب خارجة عن إرادتهم للبحث عن مكان آمن، وأن الدول معنية بتطبيق الالتزامات المفروضة على عاتقها بموجب الاتفاقيات الدولية، الأمر الذي يقتضي التعامل مع قضية اللاجئين بأبعادها الإنسانية بعيدًا عن المتغيرات السياسية.

من هنا تبدو مصداقية هذه الآليات اليوم على المحك خصوصًا في ضوء تعامل المجتمع الدولي مع قضية اللاجئين العراقيين. فنحن نرى أن هناك تقاعسًا من الدول عن القيام بمسؤولياتها كدول احتلال والتسبب بمشكلة اللجوء. كما أن هناك عدم توفير للدعم المالي الكافي للمنظمات الدولية التي تتعامل مع قضايا اللجوء للقيام بواجباتها على النحو المنشود، بالإضافة لغياب الدعم للدول المستضيفة لأعداد كبيرة من اللاجئين وخصوصًا الدول التي تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية.

نُشر هذا الموضوع في العدد 49 من مجلة «الإنساني» الصادر في صيف 2010. 

نشرنا في السنوات الأخيرة مواضيع منوعة تتناول مظاهر شتى لأزمات اللجوء والهجرة، انظر مثلا: 

روجيه أنيس، الوطن في اللمَّة.. قصة مصورة لـ روجيه أنيس

إيمان مرسال، اللاجئ لا يحكي

محسن آزرم، صورة الوطن قاتمة: اللاجئون الأفغان في السينما الإيرانية

آيات الحبال، تغطية موسمية.. اللاجئون طرف صامت في الإعلام العربي

كارولين كامل، ليسوا بعالة على المجتمع.. لون البشرة سببًا في معاناة لاجئين في بر مصر

إبراهيم عوض، فراغ قانوني في أزمة اللاجئين السوريين

عمر مكي، هل يوفر القانون الدولي الإنساني الحماية للمهاجرين؟

إبراهيم دراجي، التغريبة السورية…عندما يتحول نصف الشعب إلى نازحين

سينتيا عون وريهام باعشر، اللجنة الدولية في دول مجلس التعاون الخليجي: دعم لتحسين أماكن احتجاز الوافدين وتأمين تواصلهم مع عائلاتهم

مزدلفة محمد عثمان، في السودان: آمال العبور تطغى على هواجس الهلاك