أظهر استطلاع كبير للرأي أجرته اللجنة الدولية حول احترام قوانين الحرب، وفي القلب منها حماية المدنيين، أن نسبة متزايدة من الناس يتقبلون استهداف المدنيين باعتباره تكلفة من تكاليف الحرب التي لا يمكن تفاديها، كما أبدى آخرون قبولًا بتعذيب مقاتلي العدو المأسورين. نتائج الاستطلاع لم تكن كلها سوداوية، إذ رأت أغلبية من الأشخاص المستطلعة آراؤهم أن لقوانين الحرب أهمية فائقة، مشددين على وجوب احترامها.
قبل 17 عامًا، وعشية الدخول إلى الألفية الثالثة، انخرطت اللجنة الدولية في مشروع طموح لاستقصاء آراء الناس حول الحرب، وتصوراتهم عن الانتهاكات التي تحدث زمن الحرب. كانت مناسبة الاستطلاع آنذاك هي مرور خمسين عامًا على اتفاقيات جنيف الأربع (التي أُبرمت في العام 1949)، وهي اتفاقيات ذات طبيعة ملزمة للكافة. وتهدف، مع بروتوكولاتها الإضافية، للحد من آثار الحروب على الذين لا يشاركون في الأعمال القتالية، كالمدنيين وجرحى المعارك والمأسورين من المقاتلين.
وقتها (العام 1999)، خيم شبح الحرب والنزاع المسلح على أكثر من 20 بلدًا، في قارات العالم المختلفة، منها أفغانستان والبوسنة وكمبوديا والصومال وجنوب أفريقيا ولبنان والأراضى الفلسطينية المحتلة. وانتاب اللجنة الدولية القلق العميق جراء غياب الامتثال لقواعد الحرب، إذ كان معدل استهداف المدنيين صادمًا، فأمام كل جندي مقتول في المعارك العسكرية، هناك 10 مدنيين يقضون نحبهم جراء القتال، وهو معدل يُعد نقيض ما حدث في الحرب العالمية الأولى التي شهدت سقوط مدني واحد مقابل تسعة جنود.
كان من النتائج الصادمة التي كشف عنها الاستطلاع (أجري 1999) أن 28 في المائة من إجمالي المستجيبين يؤيدون تعذيب مقاتلي العدو المأسورين. وشهدت هذه النسبة ارتفاعًا إلى ثلث المستجيبين من مواطني الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن الاستطلاع المعنون «الناس حول الحرب»، كشف في المقابل، عن نسبة قليلة للغاية تؤيد استهداف العناصر المقاتلة وغير المقاتلة في الحرب، متى كان استهدافهم يخدم الهدف الأكبر وهو إضعاف العدو. بلغت النسبة ثلاثة في المائة من المستطلعة آراؤهم (في 12 دولة شملها الاستطلاع). وشهدت هذه الفكرة ارتفاعًا وسط الإسرائيليين والصوماليين والنيجيريين (سبعة في المائة)، ووصلت إلى 15 في المائة بين الفلسطينيين.
لا مبالاة متزايدة
للأسف الشديد، ارتفعت نسب المستجيبين غير المكترثين لقواعد الحرب ارتفاعًا مثيرًا للقلق في تقرير مماثل أجرته مؤخرًا اللجنة الدولية، استطلعت فيه آراء أكثر من 17 ألف شخص، ينتمون لـ 16 دولةً حول العالم، وصدرت نتائجه في كانون الأول/ ديسمبر. وجاء الإعداد للتقرير الأخير الذي حمل العنوان نفسه «الناس حول الحرب»، في أجواء أسوأ بكثير من تلك التي صدر خلالها استطلاع العام 1999. فقد ارتفعت حدة ونطاق النزاعات المسلحة وأصبحت تمزق مناطق شاسعة من العالم. وخلال السنوات الفاصلة بين إجراء الاستطلاعين (نحو عشرين عامًا)، تحول الشرق الأوسط كلية، فأصبح محط النظر بفعل النزاعات المسلحة الهائلة التي تفجرت فيه منذ نحو ست سنوات.
يُعد «الناس حول الحرب 2016» أكبر دراسة من نوعها على الإطلاق تجريها اللجنة الدولية حول مجموعة من القضايا المتعلقة بالحرب. فهي تشمل 17 ألف شخص في 16 بلدًا (أفغانستان، أوكرانيا، إسرائيل، جنوب السودان، روسيا، سورية، سويسرا، الصين، العراق، فرنسا، فلسطين، كولومبيا، المملكة المتحدة، نيجيريا). عشرة من هذه البلدان تخوض نزاعًا مسلحًا وقت إجراء الدراسة. وأُجريت الدراسة مع أشخاص تراوحت أعمارهم بين 18 عامًا و 70 عامًا، خلال الفترة ما بين حزيران/ يونيو وأيلول/ سبتمبر 2016، عبر شبكة الإنترنت، والمقابلات الشخصية، والمقابلات عبر الهاتف بمساعدة الكمبيوتر. ولم تتمكن الدراسة من معرفة آراء السوريين داخل سورية، لذا اُستطلعت آراء سوريين يعيشون في لبنان.
الشرق الأوسط حاليًا ساحة قتال معقدة، تنخرط فيها ربما أكثر من أربع وعشرين دولة، ومئات، إن لم يكن آلاف، من المجموعات المسلحة من غير الدول. وفي هذا السياق، هناك حالة عدم اكتراث متزايدة بالقانون الدولي الإنساني، وهناك أيضًا حالة إنكار للمسؤولية بين الدول والجماعات المنخرطة في النزاعات. وعلى نحو ما أظهره التقرير، أصبح عدد متزايد من الناس يتقبلون مقتل المدنيين باعتباره أمرًا لا يمكن تفاديه من تكلفة الحرب. وفي السياق نفسه، فقد صارت فاعلية وتأثير اتفاقيات جنيف، الرامية إلى حماية المدنيين والمحتجزين والجرحى أثناء النزاعات المسلحة، موضع شك ربما أكثر من أي وقت مضى في التاريخ الحديث، حسبما تقول اللجنة الدولية.
أبرز النتائج الصادمة في استطلاع العام 2016، تمثلت في ارتفاع نسبة المؤيّدين لإخضاع مقاتلي العدو المأسورين للتعذيب من أجل الحصول على معلومات عسكرية مهمة. وصلت النسبة إلى 36 في المائة من المستجيبين. ويعتقد نحو نصف المستجيبين (48 في المائة) ممن وُجه لهم السؤال هذا العام بأن هذا سلوك خاطئ قانونًا، مقارنة بـ 66% في دراسة العام 1999. بينما ذكر 16% أنهم لا يعرفون جوابًا. وتحظر المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف تعذيب المقاتلين المعتقلين حظرًا لا لبس فيه، وتعده انتهاكًا خطيرًا لقواعد الحرب.
وقد وجه الاستطلاع سؤالًا للأشخاص الذين هم على دراية بالقانون الدولي الإنساني: «هل تعتقد أن اتفاقيات جنيف تمنع الحروب من أن تصبح أسوأ، أو أنها لا تحدث أي فرق حقيقي؟»، وكشفت النتيجة عن أن 38 في المائة من المستجيبين يعتقدون أن اتفاقيات جنيف فعالة وأنها تحول دون أن تصبح الحروب أسوأ، وهي نسبة شهدت تراجعًا دراميًّا عن استفتاء 1999، إذا بلغت النسبة آنذاك 52 في المائة. ومن المثير للاهتمام أن 49 في المائة من الأشخاص الذين شملتهم الدراسة في البلدان المتضررة من النزاعات يعتقدون أن اتفاقيات جنيف تحول دون تفاقم الحروب.
النسبة الأخيرة ليست نشازًا، فقد كشفت الدراسة أن الناس الذين يعيشون في بلد يعاني النزاع المسلح، أكثر ميلًا إلى تبني آراء تحمل قدرًا من احترام الإنسانية وقواعد القانون الدولي الإنساني. فردًا على سؤال: «ماذا عن مهاجمة المقاتلين الأعداء في قرى أو مدن مأهولة بالسكان من أجل إضعاف الجيش، واضعًا بعين الاعتبار أنه سيقتل العديد من المدنيين؟ هل هذا أمر خطأ أم أنه جزء من الحرب؟»، ذكر 78 في المائة من الناس الذين يعيشون في بلدان متضررة من الحرب أن مهاجمة مقاتلي العدو داخل مناطق مأهولة بالسكان هو أمر خاطئ، خاصة أنه قد يصيب المدنيين بأذى. وتنخفض نسبة الرافضين للهجوم على المناطق المأهولة بالسكان وسط مواطني الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، الذين أوضح التقرير أنهم يتقبلون بدرجة أكبر سقوط ضحايا من المدنيين ومعاناتهم باعتباره أمرًا لا يمكن تفاديه في الحرب.  وحسب الاستطلاع فقد بلغت نسبة الرافضين في دول مجلس الأمن 50 في المائة فقط. وعلى الوتيرة نفسها، يرى 26 في المائة من المستجيبين من دول مجلس الأمن أن حرمان السكان المدنيين من الاحتياجات الأساسية كالطعام أو الدواء أو الماء بهدف إضعاف العدو ما هو إلا «جزء من الحرب». وتنخفض هذه النسبة انخفاضًا واضحًا في البلدان المتضررة من الحرب، إذ يتقبل 14 في المائة فقط من مواطني هذه الدول حرمان المدنيين.
النتائج الرئيسية «الناس حول الحرب» 2016
الناس الذين يعيشون في البلدان المتضررة من الحرب يعتقدون أن لقانون الحرب أهمية. ويعتقد أكثر من ثلثي من شملتهم الدراسة أنه ما يزال من المنطقي أن تفرض قيود على الحرب. ويعتقد نحو نصف الذين شملتهم الدراسة في البلدان المتضررة من النزاعات أن اتفاقيات جنيف تمنع تفاقم الحروب.
  • تلقي نتائج الدراسة الضوء على أن العنف ضد الرعاية الصحية أمر غير مقبول. ويرى أكثر من ثلاثة أرباع الذين شملتهم الدراسة أن الهجوم على المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين في مجال الرعاية الصحية هو أمر خاطئ.
  • بالمقارنة بعام 1999، هناك درجة أعلى من القبول بين الناس الذين يعيشون في الدول الخمس (دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي: الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة)، وسويسرا أن موت المدنيين في مناطق النزاع يُعد أمرًا لا يمكن تفاديه من الحرب.
  • على مدار العقدين الماضيين، حدث تحول في مواقف الناس تجاه التعذيب. ويذكر ثلثا الأشخاص الذين شملتهم الدراسة في عام 2016 أن التعذيب أمر خاطئ. غير أنه عندما سُئلوا تحديدًا عما إذا كان من الممكن أن يتعرض أحد مقاتلي العدو للتعذيب، فإن عدد الناس الذين لم يوافقوا على هذا الأمر جاء أقل مما كان عليه في عام 1999.
  • الغالبية العظمى من الناس يدركون أن استهداف المدنيين وعمال الإغاثة والمستشفيات، ممارسات خاطئة وأنه يجب توفير الحماية للمدنيين والعاملين الصحيين ومرافق الرعاية الصحية.
آراء مشجعة
وفي المقابل، كشف تقرير «الناس حول الحرب 2016» عن آراء أخرى تبعث على الارتياح، إذ تعتقد الغالبية العظمى من الناس في أهمية قوانين الحرب، وضرورة الالتزام بالقواعد الأساسية للقانون الإنساني الدولي ومبادئه: تجنب تدمير البنية الأساسية المدنية، حماية المنشآت الطبية والأطقم الطبية، وكذلك تفادي استخدام الأسلحة ذات القوة التفجيرية الضخمة في مناطق مأهولة بالسكان. ومن أمثلة هذه الآراء، ما أبداه أكثر من نصف من شملتهم الدراسة في البلدان المتضررة من الحرب (55 في المائة)، ردًا على سؤال «إذا لم يحترم المقاتلون قوانين الحرب، هل يعطي هذا الأمر الحق لمقاتلي الطرف الآخر ألا يحترموا القوانين أيضًا؟»، إذ قالوا إن انتهاكات قانون الحرب التي يرتكبها أحد الأطراف، لا تعطي الطرف الآخر الحق في ارتكاب الانتهاكات نفسها.
ورأت الأغلبية في البلدان المتضررة من النزاعات أن قوانين الحرب لها أهمية. فقد طرح الاستطلاع سؤالًا: «لقد جرى تبني اتفاقيات جنيف لعام 1949 مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، أي قبل حوالي 70 عامًا. الحرب اليوم مختلفة تمامًا. هل لا يزال من المجدي فرض قيود في الحرب؟»، وجاءت النتائج لتكشف أن ثلثي المستجيبين في الدول المنكوبة بالنزاعات، وكذلك من يعيشون في الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وفي سويسرا يرون أنه ما زال من المجدي فرض قيود على كيفية خوض الحرب.
وأبدت الأغلبية الساحقة من المستجيبين تأييدًا كاسحًا لمبدأ «لكل جريح أو مريض أثناء نزاع مسلح الحق في الرعاية الصحية»، إذ ذكر نحو 9 أشخاص من أصل 10 أشخاص ممن شملتهم الدراسة يوافقون على أن لكل جريح أو مريض أثناء نزاع مسلح الحق في الرعاية الصحية. وجميع الأشخاص تقريبًا الذين وجه إليهم السؤال في البلدان المتضررة من النزاعات يقولون إنهم يوافقون على ذلك. كما عبرت الأغلبية عن رفضها القاطع لأي اعتداء على المرافق الصحية: المستشفيات وسيارات الإسعاف، وكذلك العاملين الصحيين. فقد ذكر أكثر من 8 أشخاص من أصل 10 أشخاص ممن شملتهم الدراسة، لا سيما الأشخاص في البلدان المتضررة من الصراعات، يعتقدون أن هذا الأمر خطأ.