يُوصف القرن التاسع عشر بأنه «عصر الهجرة الضخمة». أدى ارتحال ملايين البشر شرقًا وغربًا إلى تأسيس دول، وتشكيل مدن، ورسم فضاء حضري جديد للعالم.

وهناك أمثلة عديدة للدور الإيجابي الذي لعبه المهاجرون في البلاد الجديدة التي حلوا بها. لسكان سورية الكبرى الذين ارتحلوا إلى مصر قصة طويلة في هذا المضمار.

في العام 1834، أخرج الرائد المصري الكبير رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) أول وأشهر مؤلفاته: «الديوان النفيس في إيوان باريس أو تخليص الإبريز في تلخيص باريز»*، يسرد فيه تفاصيل ما مر به إبان إقامته بفرنسا في عشرينيات القرن التاسع عشر، وما شاهده من علامات التمدن التي بلغها هذا البلد.

لم تكن الهجرة إلى فرنسا في ذلك الزمان بالشيء المألوف. لذلك، استهل كتابه-الذي حظي بذيوع كبير في سنوات القرن التاسع عشر- بجملة معبرة، عدد فيها أسباب هجرته المؤقتة، فكتب: «في ذكر ما يظهر لي من سبب ارتحالنا إلى هذه البلاد، التي هي ديار كفر وعناد». كان من الأسباب التي ساقها الطهطاوي لأسباب الارتحال الوقوف على أسباب بلوغ فرنسا والفضاء الأوروبي عامة حالة «التمدن» التي بها «قويت شوكة الإفرنج». أي أن الرحلة كانت لاستقصاء أسباب النهضة عند غيرنا.

مثلت العقود التالية لرحلة الطهطاوي عصرًا ذهبيًّا للهجرة. هو زمن ارتحال البشر طوعًا أو كرهًا إلى فضاءات جغرافية غير مألوفة (فرنسا بالنسبة للعرب مثلًا)، وهو زمن انتقال الجيوش الاستعمارية، والأفكار التنويرية. هو العصر الذي حول خيال الانتقال إلى الأماكن البعيدة إلى حقيقة ماثِلة للعيان بفضل السفن البخارية وخطوط السكك الحديد. انزوت السفن الشراعية لتحل محلها السفن البخارية الضخمة، والتي مخرت عباب المحيطات. وأصبح شهر واحد أو أقل هو المدة التي يحتاجها المرء للتنقل عبر ضفتي الأطلنطي.

يذكر مؤرخون أن «عصر الهجرة الضخمة»- ويقصدون به موجة النزوح غير المسبوقة إلى الضفة الغربية للأطلنطي منذ منتصف القرن التاسع إلى أوائل سني القرن العشرين، ساهم بـ 40 في المائة من النمو السكاني في الولايات المتحدة الأميركية (في أواخر القرن التاسع عشر). أما السكك الحديد، فقد نهَبت الأرض وقطعت مسافات، وبمقتضاها تمكن سكان القاهرة في النصف الثاني من ذلك القرن من الانتقال بيسر إلى شاطئ المتوسط أو إلى مدن الدلتا في غضون سويعات قليلة.

موجات الارتحال الشامي

ضرب ترحال القرن التاسع عشر المشرق العربي. وفدت إلى بعض بلاد المنطقة تيارات بشرية لا حصر لها ولا عدد، حملت معها البضائع والأموال والأحلام وأيضًا الأفكار. دفع هذا بعض أرباب القلم للحديث عن ذلك القرن بوصفه «زمن اليقظة بعد الخفضة» نتيجة «الاختلاط أي اختلاط الغرب بالشرق». وهذه تعبيرات صكها المستشرق المقيم في لبنان إدوارد كرنيليوس فانديك Cornelius Van Allen Van Dyck (1818-1895)، في كتابه «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع».

لـ كرنيليوس هذا وصايا لكل من ضاق به المقام في لبنان، خوفًا من البطش أو القمع بسبب الاختلافات الدينية أو العرقية. تمثلت الوصية في الارتحال إلى مصر. كانت مصر-خلافًا لمعظم بلاد الشرق -تنعم بدرجة ما من الحرية. وعليه استقبلت أمواجًا من العائلات التجارية الشامية، والنخب الفكرية، وكذلك المغامرين، الذين أحدثوا هزَّةً لم تعهدها أرض الكنانة من قبل.

بدأت موجات الارتحال الشامي -وتعني تلك المساحة المترامية في شرق المتوسط من قاطني سورية ولبنان وفلسطين – مع عصر محمد علي باشا (تولى من 1805 إلى 1848)، عندما فُتحت الأبواب للمهاجرين للقدوم لاستثمار الأموال. في تلك الأثناء، كانت بلاد الشام قد بدأت في وضع لبنات نهضة فكرية منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر بتأثير من الإرساليات الأجنبية.

وخلال سني القرن التاسع عشر، ظهرت ملامح هذه النهضة واضحة في إحياء اللغة العربية وأساليب الكتابة الجديدة، بعد مواتٍ لعدة قرون. قاد لواء هذه النهضة رواد وُلدوا بدايات القرن التاسع عشر كاللبناني ذي الأصول الحمصيَّة ناصيف اليازجي (1800-1871)، واللبناني بطرس البستاني (1819-1883)، مؤلف أول موسوعة معارف عربية (دائرة المعارف)، مرورًا باللبناني الموسوعي فارس الشدياق (1804-1887).

لهذا الأخير أهمية بالغة من كونه وبحق رحالة القرن التاسع عشر الأبرز عربيًّا. حل الأخير ضيفًا على مصر، فأقام بها فترة من الوقت، وفيها زامل الطهطاوي في تحرير الجريدة الرسمية للدولة المصرية آنذاك «الوقائع المصرية»، قبل أن يشد رحاله إلى الشمال: مالطا وفرنسا وبريطانيا مرورًا بتونس، حتى استقر أخيرًا في إسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية. وخلال رحلة الارتحال الطويلة هذه (قضى ثُلث عمره تقريبًا متجولًا في أوروبا) صنف مؤلفات يعز نظيرها في أدب رحلة القرن التاسع عشر. فكان أسبق العرب الذين كتبوا عن بريطانيا الحديثة، وتشبه بالطهطاوي فخط سطورًا عن فرنسا -وإن كان بدرجة أقل عمقًا- كما تشهد كتبه «الساق على الساق في ما هو الفارياق» و«الواسطة إلى معرفة أحوال مالطة» و«كشف المُخبأ عن فنون أوروبا».

جُرجي زيدان (1861-1914) مفكر نهضوي عربي، أسس مجلة الهلال المصرية (1892) من أقدم المجلات الثقافية العربية التي ما تزال تصدر إلى الآن.

حضور مرحب به

حلت ستينيات القرن التاسع عشر ومعها الموجة الأكبر للانتقال الشامي إلى مصر. وجدت مئات العائلات اللبنانية في مصر ملاذًا من جحيم الحرب الأهلية في جبل لبنان 1860. قصدت هذه العائلات مصر للاستفادة من جو الحرية الفكرية النسبي الذي وفره مجيء الخديو إسماعيل (تولى الحكم من 1863 إلى 1879). كان إسماعيل كجده محمد علي باشا، حاكمًا تحدوه الرغبة في مشروع إصلاحي كبير.

لم يكن تأثير هذا المشروع -مصر قطعة من أوروبا- سطحيًّا، وإنما ضرب أعماق المجتمع المصري. مضى إسماعيل في تطبيق بنود اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها الدولة العثمانية مع بريطانيا، والتي أتاحت الفرصة لموجات متلاحقة من الهجرات، قادها رأسماليون ومغامرون ومضطهدون.

استفاد الشوام من هذه التطورات. وفدوا بالآلاف إلى مصر. وسرعان ما شكل وجودهم وأعمالهم وشركاتهم وصحفهم وكنائسهم حقيقة في المجتمع المصري، قلما تمتعت به أي أقلية «أجنبية» أخرى. في الواقع لم يكن الشوام أجانب بالمعنى القانوني للكلمة آنذاك. فقد دأبت الوثائق وتقارير التعداد السكانية المصرية على وصفهم بتعبير «من بلاد الدولة العليَّة» (أي الدولة العثمانية)، فيما انسحب لفظ الأجانب على الأفراد من الدول الأوروبية كفرنسا وإسبانيا والبرتغال وهولندا. تركز وجود الشوام في القاهرة والإسكندرية ومدن الدلتا.

وتذكر الإحصاءات الرسمية المصرية، مثل إحصاء العام 1897***، الحضور المميز للأجانب عمومًا، ولتابعي الدولة العليَّة في الأقسام الرئيسة (الأحياء) لـ «محافظة مصر» (أي القاهرة). بلغ عدد الأجانب عمومًا أكثر من 6 في المائة من سكان هذه الأحياء. وشكل تابعو الدولة العليَّة، ومنهم نسبة لا بأس بها من الشوام، نحو اثنين في المائة من السكان (نحو 12 ألف شخص). ثم تطور عدد الشوام (بالأخص المسيحيين) ليصبح نحو 50 ألفًا قبل الحرب العالمية الثانية.

ويقول المؤرخ اللبناني مسعود ضاهر في كتابه المرجعي حول الشوام في مصر** إن «الظروف التاريخية كانت ملائمة جدًّا لعمل الشوام أكثر من سواهم. فالكفاءة الشخصية، ومعرفة اللغات، وسرعة التكيف… من الأسباب التي جعلت الشوام، وغالبيتهم من المسيحيين، يلعبون دورًا مميزًا في مصر». وعلى صعيد الإنتاج الثقافي، برع الشوام في المساهمة في النشاط الفكري في مصر، فكانت لهم ريادة في مضمار النشر وإخراج الصحف.

ويبدو أن الاختلافات الطائفية التي ضربت بلاد الشام لم يكن لها صدى كبير في مصر. فقد “كانت العلاقات الاجتماعية بين طوائف الشوام في مصر عادية جدًّا ولم تكن متوترة كما في سوريا ولبنان. ويعود الفضل في ذلك إلى المجتمع المصري نفسه الذي صهر أبناءه والقاطنين بينهم في جميع المجالات ولم يسمح أن تكون مدارس الجمعيات الخيرية الطائفية حكرًا على أبناء الطائفة دون سواهم، بل مفتوحة أمام جميع القاطنين على أرض مصر، كما يسجل ضاهر.

 

الشوام والنهضة

أتاح هذا السياق للرواد الشوام أن يساهموا في النهضة المصرية كأفضل ما تكون المساهمة. حمل الشوام المرتحلون إلى مصر نتائج اشتباكهم المتزايد مع الأفكار الغربية. قدم هؤلاء الرواد منظومة التمدن الغربي إلى العالم العربي، وحاولوا حقن الفكر العربي بمجموعة جديدة من المصطلحات والمفاهيم. فبطرس البستاني (1819-1883) واحد من أقدم من نحتوا بالعربية مفهوم الوطن والمواطن (في وقت متزامن مع الطهطاوي)، أما ابنه سليم البُستاني (1846-1884) فهو صاحب أول مجهود منظم لقراءة الثورة الفرنسية ومفاهيمها المركزية، على ما تكشف مقالاته عن «تاريخ فرنسا الحديث» في مجلة «الجنان» (صدرت في بيروت في العام 1870).

وجدت هذه الأفكار صدى في مصر، سواء بارتحال المجلات الأدبية، أو بانتقال رواد النهضة أنفسهم إلى مصر. وكان الزمن الذي نزحت فيه هذه الرؤى هو سبعينيات القرن التاسع عشر، تلك الفترة التي ازدهرت بقدوم مرتحل آخر هو جمال الدين الأفغاني (1838 – 1897). تحلقت نخبة جديدة حول الأفغاني، وشكل الشوام رافدًا مهمًّا في هذه الحلقة. برز دورهم التاريخي في تأسيس الصحف والمجلات. فذاع صيت اللبناني سَلِيم النَّقَّاش (ت. 1884)، عندما أسس ثلاث صحف، كانت وعاءً للتفكير الحر قبل احتلال مصر على يد البريطانيين في 1882. هذه الصحف هي: «مصر» (تأسست العام 1877)، و«التجارة» (تأسست العام 1878)، و«المحروسة» (تأسست العام 1880).

وفي الوقت ذاته، عكف السوري أديب إسحاق (1856-1885) على صياغة دعوى للتحرر من ربقة الاستبداد السياسي والاستعمار الأجنبي (غير المباشر آنذاك). يمثل إسحاق ذروة التفكير الحر عربيًّا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. استوعب هذا الشاب عصارة ما بلغته النهضة في بلاد الشام، وعندما ارتحل إلى مصر، وجد بيئة ملائمة لأفكاره ودعواته الإصلاحية. هذه البيئة ذاتها هي التي دفعت صاحب «المقتطف» اللبناني يعقوب صروف (1852 – 1927) إلى أن ينتقل إلى مصر ومعه مجلته.

وإذا كانت الظروف- سياسية أو غيرها- قد حجبت «المقتطف» عن الصدور في العام 1952، بعد مسيرة سبعة عقود من الزمان، فإن الاستمرار كان خصيصة منبرين، لهما أبلغ الأثر في الحياة المصرية. المنبر الأول هو صحيفة «الأهرام»، التي تأسست في العام 1875 على يد الأخوين اللبنانيين سليم وبشارة تقلا، والمنبر الثاني هو مجلة «الهلال» التي أسسها جُرجي حبيب زيدان (1861 -1914).

مارست هذه المنابر، دورًا غير منكور في الثقافة والفكر في مصر. ونادرًا ما تجد تيارًا سياسيًّا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يخلو من رمز شاميٍّ. فقد نبغ بشارة خليل تقلا، وأديب إسحاق في الدعوة إلى تبني نموذج «التمدن» الغربي. وظهر تقلا على وجه الخصوص وهو يحقن الحياة السياسية المصرية بمفردات واستعمالات جديدة، كأن يستعمل بكثرة مفردة «الشعب» للدلالة على جموع المصريين، وبهذا كان أسبق من السياسي المصري مصطفى كامل باشا (1874 -1908) في توظيف هذه المفردة.

كما ظهر الشيخ رشيد رضا-الذي ارتحل إلى مصر من لبنان في أواخر القرن التاسع عشر-بوصفه رائدًا للإصلاح الاجتماعي والسياسي وفق المنظور الحضاري الإسلامي. كان الارتحال إلى مصر القرن التاسع عشر مخرجًا لآلاف الشوام من مأزق الطائفية ومناخ التشدد في بلادهم. وقد ساهم هؤلاء في نهضة أرض الكنانة، التي كانت أسبق دول المشرق في التماس أسباب إحياء الحضارة. لم يكن ارتحال الشوام إلى مصر ومكوثهم فيها عرضًا طارئًا. كانت مصر لبعضهم وطنًا بديلًا.

يقول أديب إسحاق في مقال كتبه على الأرجح في أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر: «ومصر. ولا حياء في الحب. بلد تركت فيه زهرة أيام الشباب وخلفت باكورة غرس الآداب، وهززت غُصن الأماني رطيبًا، ولبست ثوب الآمال قشيبًا، فما عدلت بي عن حبها النكبة، ولا أنستني عهدها الغربة. ولست أول محب زاده البعد وجدًا، ولم ينكث على الصد عهدًا». ****

المراجع

*رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز (القاهرة: دار الهلال، 2001)، ص 17.

** الاقتباسان من مسعود ضاهر، الهجرة اللبنانية إلى مصر… هجرة الشوام (بيروت، منشورات الجامعة اللبنانية، 1986). ص 9 و11.

***نظارة المالية، تعداد سكان القطر المصري 1897 (القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر المحمية، 1898).

****ورد نص المقال في: عوني إسحاق (معد)، الدُّرَر وهي منتخبات طيب الذكر خالد الأثر الكاتب والشاعر والخطيب المرحوم أديب إسحق (بيروت: المطبعة الأدبية، 1909)، ص 155.

نُشر هذا المقال في عدد مجلة الإنساني رقم 60 الصادر في شتاء 2016

للحصول على نسخة ورقية من المجلة، يمكنكم التواصل مع بعثاتنا في المنطقة العربية، وهم سيزودكم بإذن الله بما تحتاجون إليه من أعداد المجلة الحالية أو السابقة. انقر هنا لمعرفة عناوين وبيانات الاتصال.