من الإنصاف القول إن السعادة تغمرنا جميعًا لأن العام 2020 ولى وانقضى. إذ أحدثت جائحة فيروس كورونا تغييرات في جميع جوانب حياتنا تقريبًا، فَشَلَّت حركة الاقتصاد وأعاقت المجتمعات وعرقلت التنقل وأجبرت ملايين الناس في جميع أنحاء العالم على البقاء حبيسي منازلهم.

فنحن جميعًا نواجه الجائحة بطريقة أو بأخرى. إذ فقد البعض أفرادًا من عائلاتهم، بينما فقد آخرون وظائفهم أو عانوا من مشكلات تتعلق بالصحة النفسية نتيجة الفيروس الذي يستمر في اجتياح جميع بقاع العالم دونما تمييز. لم تدع الجائحة أحدًا إلا مسَّته، لكن وقعها على حياة الناس يتفاوت.

فعلى سبيل المثال، شكلت جائحة كوفيد-19 تهديدًا جديدًا ومرعبًا للناس الذين يعيشون في مناطق نزاع، فاقم وضعهم المتردي بالفعل. وفي مواجهة التهديدات المباشرة لحياة البشر، من أسلحة نارية وقصف وتفجيرات و/أو نقص في الرعاية الصحية المنقذة للحياة، فإن تحديد أولويات الإجراءات التي من شأنها أن تحول دون انتشار كوفيد-19 يمثل تحديًا حقيقيًّا. وتعد التدابير الوقائية، مثل التباعد الاجتماعي وغسل اليدين، من قبيل الترف في بعض الحالات مثل مخيمات النزوح ومرافق الاحتجاز. ومن الأمثلة على ذلك سورية واليمن.

لقد أنهكت سنوات النزاع في سورية واليمن السكان وتركتهم معرضين بشدة لخطر الإصابة بأمراض مثل كوفيد-19. وتكافح نظم الرعاية الصحية المتدهورة في هذه البلدان للتعامل مع واقع مرعب آخر.

أثقلت جائحة فيروس كوفيد-19 كاهل بعض نظم الرعاية الصحية الأكثر تقدمًا في العالم، ناهيك عن المستشفيات في مناطق الحرب. إذ أدى نصف عقد من الحرب في اليمن إلى توقف أكثر من نصف مرافق الرعاية الصحية في البلاد.

وبالمثل في سورية، حيث نصف مرافق الرعاية الصحية إما خرج من الخدمة أو يعمل بشكل جزئي.

ويجب ألا تغيب عن بالنا الآثار الاجتماعية-الاقتصادية لجائحة كوفيد-19. إذ تشعر معظم بلدان العالم بوطأة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الجائحة. تخيل العبء الذي يضيفه ذلك إلى كفاح ملايين الناس الذين يعيشون في مناطق النزاع، حيث يحاولون التأقلم في ظل شح الغذاء إن وُجد، وفقدان سبل كسب العيش، وارتفاع الأسعار، ودمار البنية التحتية.

سمعنا قصصًا يندى لها الجبين؛ بين أمٍّ يمنية قالت إنها واجهت اختيارًا صعبًا عندما قررت تفضيل إطعام أطفالها الأربعة على شراء جرعات الأنسولين التي لا يستغني عنها ابنها المريض، ومسنٍّ مصاب بداء السكري قال إنه يتخلى عن تناول بعض الوجبات، حتى لا يستهلك أدويته سريعًا وتظل معه لفترة أطول. هذان مثالان فقط من قصص عديدة تفطر القلب من البلدان المنكوبة بالنزاعات.

واستجابة لهذا الوضع غير المسبوق، أجرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عملية إعادة توجيه كبرى لأنشطة المساعدة التي تنفذها، لتكيِّف عملها الحالي مع الواقع الجديد. وتواصل اللجنة الدولية العمل جنبًا إلى جنب مع الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر وشركاء آخرين لكبح جماح انتشار فيروس كورونا في بلدان حول العالم، ومن بينها مصر، حيث تبرعنا بمعدات حماية إلى منظومة الرعاية الصحية الوطنية وجمعية الهلال الأحمر المصري، شريكنا في الحركة.

وفي سورية، التي تُنفذ فيها اللجنة الدولية كبرى عملياتها على مستوى العالم، اضطلعت المنظمة – من بين أنشطة أخرى – بتوزيع مجموعات مستلزمات النظافة الصحية على المجتمعات المستضعفة والنازحين داخليًّا وساعدت السجناء بتنفيذ تدابير لمكافحة العدوى في أماكن الاحتجاز.

أما في اليمن، فقد أنشأت اللجنة الدولية، بالتعاون مع شركائها في الحركة، مركزًا مجانيًّا لعلاج مرضى كوفيد-19 في مدينة عدن. كما دعمت المستشفيات في كلا البلدين من خلال التبرع بالإمدادات والمعدات بالإضافة إلى الدعم المالي. لم يكن هذا العمل يسيرًا، فالعمل في مناطق النزاع بالغ الصعوبة ابتداءً، وانتشار كوفيد-19 والقيود التي أعقبته جعلا مساعدة ضحايا النزاع أشد صعوبة.

وكان لإغلاق الحدود وتعليق الرحلات الجوية وتقييد الحركة من بلد إلى آخر تأثير على قدرات مواردنا البشرية والمساعدات التي يمكننا تقديمها. وقد مُنع بعض زملائنا بالفعل من دخول بلدان معينة أو إيصال إمدادات. ولقد عملنا على التغلب على هذه التحديات، لكننا ما زلنا نناشد صانعي القرار منح استثناءات للعاملين في المجالين الصحي والإنساني.

لا يزال أمامنا الكثير حتى تُطوى صفحة الجائحة وعواقبها. وأدت جائحة كوفيد-19 إلى تفاقم نقص الاحتياجات الإنسانية في اليمن وسورية وبلدان أخرى متضررة من الحرب والعنف.

ومن الصعب معرفة مدى فداحة تأثيرها على المدى الطويل، لكننا نرى بالفعل تهديدات لمكاسب تنمية تحققت بشق الأنفس؛ إذ تنقطع الأجور، وتغلق أعمال تجارية من شتى الأحجام، ويتفاقم نقص الاحتياجات الصحية الموجود مسبقًا بسبب الضغط الإضافي الذي أثقل كاهل خدمات الرعاية الصحية المحدودة.

نرى أن تقديم الدول والمنظمات الإنسانية استجابة منسقة أمر أساسي للتخفيف من عواقب جائحة كوفيد-19 على البلدان التي مزقتها الحروب والسكان المستضعفين. ونحث الدول على دعم العمل الإنساني القائم على مبادئ وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، حتى يتسنى للعاملين في المجال الإنساني الوصول إلى المحتاجين والبقاء على مقربة من السكان المتضررين.

والأهم من ذلك الآن، أننا نأمل – مع بدء توافر لقاحات كوفيد-19 – في كفالة حصول المتضررين من النزاع والعنف على اللقاح أسوة بغيرهم ودونما تمييز، وألا يُتخذ وضعهم سببًا لدفعهم إلى ذيل الأولويات أو نسيانهم بالكلية. وهذا يشمل المجتمعات المستضعفة مثل المحتجزين والنازحين داخليًّا والمهاجرين وطالبي اللجوء.

وبالنظر إلى أن هذه الفئات يتكالب عليها عبئا النزاع وجائحة كوفيد-19، يجب وضعها في الحسبان في أطر توزيع اللقاحات على المستويين العالمي والوطني. وإذا لم تُبذل جهود جماعية لضمان الحصول العادل على اللقاحات لجميع البشر، ومن بينهم الفئات الأكثر استضعافًا، فحينها سنواجه خطر الفشل في احتواء الجائحة. بالنظر إلى المستقبل، علينا أن نستغل هذا الحدث المعطل لسير الحياة والذي لا يحدث إلا مرة واحدة كل جيل، للتفكير والتكيف والابتكار من أجل تحسين الاستجابات لصالح الفئات المتضررة.

حان الوقت كي ننقذ أرواح البشر، وينبغي للحكومات أن تُبدي مزيدًا من التضامن، إذ إن المساعدات الإنسانية وحدها ليست كفيلة بحل الأزمة. أشعر بالأسى الشديد تجاه ضحايا هذه الجائحة المروعة. فكل روح تزهقها الجائحة تخلف وراءها أرواحًا مكلومة، وألم الفقد قد يظل عصيًّا على النسيان لا يبدده تعاقب السنين. ويجب أن نتذكر دائمًا أنه لا أحد منا في مأمن من كوفيد-19 ما لم ننعم جميعًا بالأمان.

نُشر هذا المقال مطبوعًا في عدد 18 فبراير 2021 من جريدة «الأهرام ويكلي» القاهرية.