في الأسبوع الماضي أجرت زميلتنا أندى الخطيب حوارًا مع باتريك يوسف، مدير عمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشمال وغرب أفريقيا، وفي الحوار تحدث يوسف عن رؤيته لشكل النزاعات المسلحة الحالية والتحديات الإنسانية التي تفرضها، ودور اللجنة الدولية في هذا الإطار.

نص الحوار:

اسمي أندى الخطيب ونحن اليوم معكم من مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف. معنا زميلنا باتريك يوسف، مدير عمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشمال وغرب أفريقيا. يعمل باتريك باللجنة الدولية منذ 13 عامًا، زار الكثير من البلاد في الشرق الأوسط وأفريقيا، وعمل بها، واليوم سيروي لنا عن تجربته.



لقد عملت في كثير من النزاعات بالشرق الأوسط وأفريقيا، ما الفارق الذي رأيته بطبيعة النزاعات بين المنطقتين؟

أكيد هذا سؤال مهم، لأنني بدأت عملي بالصليب الأحمر في أفريقيا، بالسودان بمنطقة دارفور، وعشت سنة تقريبًا بمنطقة كان أهلها معرضين لنزاعات ومشاكل كبيرة جدًّا، بعدها انتقلت لمنطقة الشرق الأوسط وعملت بها لفترة طويلة. بالتأكيد رأيت أوجه تباين واختلاف، ولكن هناك أيضًا أوجه تشابه كثيرة. فاليوم كما نعرف القرارات السياسية المتخذة تؤدي إلى نشوب أعمال عنف ونزاعات مسلحة، وفي بعض الأحيان تكون القرارات السياسية مفروضة على الحكومات لعدة أسباب، منها وجود جماعات مسلحة، وفي أوقات أخرى تكون لأسباب اجتماعية واقتصادية تنشأ بسببها نزاعات مسلحة بعدد من الدول. الشرق الأوسط منطقة شبه متجانسة، إن كان دينيًّا أو اللغة، طريقة العيش، اجتماع الناس بعدد من العواصم أو المناطق المكتظة بالسكان. أما في أفريقيا فهناك اختلاف بطريقة عيش الناس، وضعهم الإنساني، الاجتماعي والاقتصادي، وإذا نظرنا لأفريقيا كمنطقة ليس بها تطور بنيوي، فهي تعد منطقة فقيرة، لا ننسى أيضًا أن أفريقيا ليست كتلة متكاملة، ليست جزءًا واحدًا يمكن تحليله بطريقة موحدة، فإذا نظرنا إلى أفريقيا نجد القرن الأفريقي مثل الصومال ودول الجوار، وشمال أفريقيا وفيها المغرب والجزائر وتونس واليوم ليبيا المعرض أهلها لحرب ونزاعات طويلة، وكذلك الساحل تلك المنطقة المعرض أهلها ليس فقط للنزاعات المسلحة بل أيضًا لأوضاع مناخية صعبة جدًّا تجبرهم للنزوح إلى مناطق معينة أو للخروج من القطر.

فيما يخص أوجه التشابه أو الاختلاف، فهناك صعوبات كبيرة يعيشها الناس بالمنطقتين، ولكنني أرى في أفريقيا، والذي يؤثر بنا كمندوبين للجنة الدولية للصليب الأحمر ويؤثر فيَّ أنا كمندوب أزور بلادًا مثل نيجيريا وليبيا، أن الحروب اليوم تبدأ ولا تنتهي، إذا أخذنا الصومال كمثال، الصومال تعيش منذ 36 عامًا بهذا الوضع، كذلك شمال شرق نيجيريا منذ عام 2009 يعيش بنزاع مسلح، وفي ليبيا بدأ النزاع اليوم ولا أحد يعرف ما هو القرار السياسي الذي سينقذ أهلها من الوضع المتردي الذي يعيشونه اليوم، أنا أتكلم بالتأكيد عن بعض المناطق في ليبيا وليس كلها. السؤال مهم لأنه يأخذني لمنطقة عشت بها، أنا لبناني الجنسية وعشت الحرب كاملة بلبنان، وقتها عملت بالصليب الأحمر، واستطعت عمل مقارنة بين الحرب في لبنان والحروب الأخرى التي عايشتها، ولكن للأسف الرابط في الحروب هو دموع الناس، الأم التي فقدت ابنها، الأب الذي فقد ابنه أو سُجِن، وصارت الأم مضطرة للعمل لكسب العيش.

تخفي ابتسامة كياكا، وهي أم لأربعة أطفال، الكثير. فهي لا تملك شيئَا حرفيًا. أعطاها جيرانها طعامًا كي تطبخه هنا لأبنائها. تصوير: اللجنة الدولية 2018.

قلت إن كل نزاع أو وضع مختلف تمامًا عن الآخر، إذا تحدثنا عن ليبيا، وقد استمر النزاع لسنوات، كيف يمكنك وصف الوضع الإنساني اليوم من خلال مشاهداتك أثناء زيارتك لليبيا؟

منذ أكثر من أربع سنوات، عاشت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عددًا من الحوادث الأمنية، ما جعلنا نفكر أكثر بالمخاطر التي يعيشها الناس أولًا وتعيشها كذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واضطررنا لأخذ بعض القرارات التي دفعتنا لتقليص عدد الموظفين، اليوم لدينا أكثر من 250 موظف يحاولون العمل في أربع مناطق: بني غازي، مصراتة، العاصمة طرابلس، وأكيد منطقة سبها. الوضع الإنساني للأسف لا نستطيع وصفه إلا بالمأساوي، اليوم عندما نسمع عن المؤتمرات التي تُعقد مؤخرًا بباريس أو باليرمو، تجتمع الأطراف السياسية التي تستطيع التحدث عن الوضع السياسي الذي يُعد المخرج للوضع الإنساني الصعب الذي يعيشه الناس. لا ننسى أن ليبيا كان لديها وضع استثنائي قبل الحرب، كان شعبها يعيش حياة طبيعية، يستطيعون الوصول للمستشفيات، الطعام والماء متوفر، طرق العيش كانت سهلة، ليسوا معتادين على هذا النوع من المأساة التي يعيشونها اليوم. هذا شيء مهم يجب التفكير فيه عند تحليل الوضع الإنساني ببلد معين.

عربة إسعاف تنتظر انتهاء القتال في أحد أحياء طرابلس الليبية في العام 2016. تصوير: اللجنة الدولية.

اليوم الليبيون يعيشون وضعًا لم يروه يومًا بحياتهم، النزوح من منطقة لمنطقة أخرى، هذا الوضع لم يعشه من قبل أهل ليبيا وأهل الجوار أيضًا. أنا أرى أن الوضع الإنساني بهذا البلد مأساوي لأن هناك تشرذمًا سياسيًّا، هناك عدد كبير من القوات المسلحة المتواجدة، سواء بالشرق أو الوسط أو الغرب، يجب على الناس الانتباه في حال الانتقال من منطقة لأخرى. ذهبت يومًا في شباط/ فبراير[الماضي]  مع رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر وزرنا مخيمًا للنازحين، لا أستطيع وصف هذا المبنى الذي كان يعد مدرسة مثالية صارت خربة، ولكن الناس ليس لديها مكان آخر تقيم فيه، وضعوا ألواح ألومنيوم كي يحتموا بها، ونتيجة التضافر والتضامن الاجتماعي استطاع هؤلاء الناس ترتيب المكان ليعيشوا به.

قد يأتي ولد صغير ويقول إنه لا يعرف إلا هذا المكان لأن أهله نازحون به منذ ثلاث سنوات، لا أعرف أنا كأب لديَّ ثلاثة أولاد كيف أستطيع ضبط مشاعري، أكيد بعد 13 سنة بالصليب الأحمر رأيت الكثير، لكن بهذه المرحلة أو بهذا الموقف لا أستطيع أن أهدأ وأتضايق كثيرًا وأبكي. هناك نقطة أخرى وهي الوصول للخدمات الصحية، الماء والغذاء لم تعد أمورًا سهلة، ولكنْ هناك شيء إيجابي أننا نرى الكثير من الليبيين يعودون إلى مناطقهم، يقولون اكتفينا من النزوح أو اللجوء سواء في تونس أو مصر أو بلاد أخرى بأوروبا، يرجعون مثلًا إلى منطقة سرت أو درنة، مدمرة تمامًا، فاليوم الانتباه أكيد على سورية والعراق وهي بلاد عشنا بها مأساة كبيرة وحتى اليوم يعيشون مأساة، ولكن أريد أن أقول إن منطقة مثل درنة أو سرت مدمرة تمامًا، وضعنا فيديو على موقع اللجنة عن امرأة تبكي وتسأل لماذا وصلنا إلى هذا الوضع، أنا لا أريد إبداء رأيي السياسي، لكني أرى أن الوضع الإنساني بهذا البلد صعب جدًّا وبحاجة إلى قرار سياسي حتى يعود الانضباط للوضع الأمني ويعود الناس إلى حياتهم الطبيعية.

هناك نقطة أخرى مهمة يجب ألا ننساها وهي وضع المهاجرين الذين يستعملون ليبيا كممر للوصول للبحر الأبيض المتوسط ومنه إلى أوروبا أو مناطق أخرى، هذا أيضًا وضع مأساوي جدًّا، لأن البلد بالفعل يعيش حالة مأساوية وحالة هؤلاء المهاجرين والطرق التي يتعاملون بها تزيد من تعاسة المأساة التي تعيشها ليبيا. للأسف اليوم عندما تُذكر ليبيا تتذكر الناس المهاجرين، أنا كنت بليبيا وهناك الكثير من المنظمات الإنسانية ترى أن الليبيين لديهم احتياجات أكبر من المهاجرين، وهذا هو الخط الذي اختارته اللجنة الدولية للصليب الأحمر للرد على احتياجات الناس بليبيا.

اليوم الليبيون يعيشون وضعًا لم يروه يومًا بحياتهم

إذا تحدثنا عن أفريقيا، واحد من أكبر الخطوط أو العناوين العريضة خصوصًا اليوم هو [وباء] إيبولا، النزاعات مثلًا في جمهورية الكونغو وكذلك الكوارث الصحية تزيد من تدهور الوضع الإنساني، كيف تصف الحالة؟

إذا تذكرنا من عدة سنوات، عانت غرب أفريقيا كثيرًا من هذه الأوبئة، الآن الكونغو يعيش فترة صعبة جدًّا خاصةً بشمال إقليم كيفو، فقد تم اكتشاف عدد كبير من حالات الإيبولا، وأعلنت وزارة الصحة ومنظمة الصحة الدولية عن هذه الحالات، بغض النظر عن المعلومات التي نستطيع الوصول إليها عبر الإنترنت أو نسمعها على الراديو، المهم بهذا الوضع أن الجمعيات الوطنية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي يعملون معًا لتنظيم العمل أو الاستجابة لهذا الوباء الذي يضرب شمال كيفو، وأكيد سينحصر بمنطقة معينة. ودعيني أقل بكل صراحة، المنطقة المعرضة اليوم لإيبولا يُمنع عنا العمل بها دائمًا لأن هناك نزاعات مسلحة، أترين صعوبة فهم أن هناك وباء مثل هذا قد يقضي على مئات الآلاف من الأشخاص، وما زلنا للأسف نعيش حالات نزاع مسلح وتجاذب عسكري ما بين الأطراف بهذه المنطقة.

نحاول من خلال مفاوضات مع الأطراف على الأرض أن نتمكن من إرسال مساعدات طبية، ومساعدة المستشفيات الموجودة كي تقوم بعمل مسؤول وتساعد الناس لأنها على الأرض وهي المستجيب الأول، لا نعتقد أن المنظمات الدولية هي التي تستطيع عمل كل شيء، ولكن الأطباء والممرضين وأهل المنطقة هم من يقومون بعدد كبير من الأعمال لتساعد في الحد من هذا الوباء، بالإضافة إلى ذلك نحاول أن نعمل مع الدول المجاورة، وهذه نقطة مهمة جدًّا نظرًا لتعدد مكاتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر بكل المنطقة، نستطيع أن نضع خطط عمل بكل بلد بالمنطقة كي نحدَّ قدر الإمكان من انتشار هذا الوباء، مثلًا جنوب السودان ومناطق الجوار التي ينتشر فيها هذا الوباء بسرعة. لذلك تحية كبيرة جدًّا لكل من يعملون على هذا الوباء لإيقاف انتشاره بأسرع وقت، وكي لا ينتقل لمناطق معرض أهلها لنزاعات مسلحة.

 

مؤخرًا زرت مالي وقابلت زملاءنا هناك، ما هي أكثر المشاهدات بين زملائنا التي أثرت بك؟ نتكلم ليس فقط عن العمل الإنساني بل كادر العمل.

عندما أتحدث عن مالي لا أعرف سبب تأثري، أنا أغطي مالي من 2015 وفي كل مرة أزور مالي أعود مكتئبًا لأنني أشعر أن الوضع الإنساني لا يتحسن أبدًا، أشعر أن موظفي الصليب الأحمر الذين يشكلون 95% من الكادر البشري الذي نعمل معه، ماليين، طوارق، عرب، من كل الفئات، يشعرون بتعب نفسي، لا أتكلم هنا عن العاصمة باماكو فهي عاصمة متطورة ووصول الخدمات بها مختلف عن مكاتبنا في جاو وميناكا، كيدال أو تمبكتو، أو حتى بموبتي، إذا ركزنا على الحالة الإنسانية هناك الكثير من الأفراد حزينة على الوضع، أنا عندما زرت مؤخرًا كل هذه المكاتب في فترة 10 أيام، كانت الانتخابات الرئاسية انتهت للتو، وكان هناك أمل كبير أنه بعد الانتخابات والوعود الرئاسية سيكون هناك تفعيل لتنفيذ اتفاق السلام الذي وُقع مع عدد كبير من الأطراف السياسية والعسكرية، مع تأخير تنفيذ بنود اتفاق السلام، الحركات أو الجماعات العسكرية ما زالت موجودة بمناطق كثيرة وتسيطر عليها ولا تسمح لتحسن الوضع الإنساني، ما رأيته عندما كنت بمنطقة ماناكا على الحدود مع نيجيريا، أناس وصلت من 5 أيام، ولا أبالغ إذا قلت أنهم جالسون تحت شرشف على أربع قصبات أو خشبات، ولم يكن لدينا مكتب بماناكا، وبعد هذه الزيارة قررنا ليس فقط فتح مكتب ولكن أن نكثر من العمل الإنساني فيها، كذلك أن نخبر السلطات المعنية بالعاصمة عن الوضع، أن نؤمن قدوم منظمات أخرى تأتي للمساعدة، تؤمن استجابة إنسانية سريعة. لكن لا ننسى أن الوضع بمالي ليس وليد الأمس، فالحرب مستمرة منذ فترة كبيرة، ولا تؤثر فقط على مالي وإنما على الوضع بالإجمال.

هناك أيضًا فاجعة تحدث غير التعب والحزن، خاصةً بالوسط، حيث وجود الجماعات المسلحة وكذلك هناك نزاعات قبلية أكثر، وقد تكون هذه النزاعات نتيجة التصحر أو العيش على رقعة جغرافية أصغر مما كانت تعيش عليها، لماذا؟ لأن الرقعة الجغرافية التي كانت تعيش عليها أصبحت منطقة نزاع، من يملكون المواشي يسيرون بها من منطقة لأخرى، لأنهم لا يستطيعون المشي في نفس الطريق المعتاد، والمناطق التي يرعوا فيها المواشي أصبحت أقل، أصبحوا مضطرين للانتقال إلى مناطق أخرى. من قبل زرت باسيكونو جنوب شرق موريتانيا، حيث 50 ألف لاجئ موريتاني، 50 ألفًا إلى 45 ألفًا من سكان هذه المنطقة، تضاعف عدد السكان ولكن لم يتضاعف الخشب الذي يستخدمونه في الطهي، لم يتضاعف العشب الذي يستخدمونه لرعاية الماشية، الأمور الأساسية التي يعيش عليها الناس أصبحت أقل من النصف، هذا الوضع يذكرني ببلدي لأن لبنان اليوم تستقبل عددًا كبيرًا من الإخوة السوريين، وأتساءل كيف لبلد مثل هذا لديه إمكانيات قليلة أن يتقاسمها؟ لذلك أتفهم الصعوبات وأتمنى أن نفكر بطريقة أذكى للاستجابة للاحتياجات الإنسانية لفترة طويلة، وبالتأكيد على الحكومة والجهات المعنية إيجاد حلول سياسية لهذه المشاكل.

عندما نرى اليوم في النزاعات المسلحة بشكل عام وفي أفريقيا بشكل خاص، ظاهرة تجنيد الأطفال ظاهرة متكررة نراها بالكثير من النزاعات، برأيك كيف يمكن الحد من هذه الظاهرة؟

لكي نتحدث عن هذا الموضوع يجب أن نفهم أن هناك حالات اجتماعية تتداخل في تحليل هذه الظاهرة، هناك بعض الدول اليوم تسمح أن الولد يقوم بأعمال تدر منفعة مادية له أو لعائلته، اللجنة الدولية للصليب الأحمر واضحة جدًّا، لسن معينة ممنوع على الأطفال أن يشاركوا بأعمال عنف، ممنوع أن يشاركوا بأعمال حرب، ممنوع أن يكونوا جزءًا من ثكنة عسكرية، لا لتنظيف الصحون ولا للعمل كحرس، ولا القيام بأي عمل قد يعرضهم لتوقيف من الطرف الثاني أو القتل. والأهم من ذلك أنه ممنوع حرمانهم من طفولتهم، وأتصور أن البديل الوحيد لهذا النوع من الأعمال هو أن نفكر أكثر بثقافة الأطفال، وأن نخلق لهم بدائل تحميهم من الدخول في أعمال عسكرية، ولا أستطيع إلا أن أثمن على جهود كل المنظمات التي تفكر أولًا وآخرًا بثقافة الأطفال وتعليمهم وخلق فرص أخرى مختلفة تمامًا عن حمل السلاح. لم يعد لديَّ سوى حل واحد، هو أن أفكر بمناطق نركز فيها أكثر على هذا الجزء. اللجنة الدولية للصليب الأحمر ليس لديها برامج مثل اليونيسيف التي تعد الطرف المخول بهذا العمل، ولكن الصليب الأحمر لديه نشاطات تساعد أحيانًا ببعض المناطق النائية لأن الصليب الأحمر عادةً يكون بمناطق ليس بها حكومة أو مناطق نائية، تحاول أن تساعد في عودة بعض المدارس، في عمليات الترميم أو إعادة المياه أو الكهرباء، تساعد حتى تكون هناك إمكانية للبرامج الدراسية، ونحن نعمل أيضًا مع أطراف أخرى منها الجمعيات الوطنية التي لديها القدرة والخبرة للقيام بهذا النشاط.

إذا انتقلنا لجنوب السودان، النزاعات في جنوب السودان من النزاعات الطويلة، ونكتشف أن هناك الكثير من الناس نزحوا من منازلهم وذهبوا إلى أماكن أكثر صعوبة للوصول إليها. كيف تصل اللجنة الدولية للصليب الأحمر لهذه الأماكن وكيف تستطيع تلبية احتياجات هؤلاء الأشخاص؟

بعد استقلال جنوب السودان في 2011، بدأت الحرب الأهلية تقريبًا في 2013، وحتى اليوم هناك أكثر من مليوني نازح بدولة، الوصول للخدمات بها بالأساس صعب، هناك فوضى النزوح بجنوب السودان كما أسمتها اللجنة الدولية، فوضى ليس فقط لأن الناس تذهب لمناطق نائية، ولكن نسبة المطر تجعل الطرق غير سالكة لإيصال المساعدات الإنسانية. بالاختلاف عن نيجيريا، أو ليبيا أو مالي أو حتى العراق، لدينا في جنوب السودان 14 طائرة، و65% من مساعداتنا ننزلها بالطائرات وتوزع من قبل مندوبينا أو الصليب الأحمر التابع لجنوب السودان. لذلك اضطررنا إلى تكثيف عملنا اللوجستي ونخترع طرقًا أخرى لإيصال المساعدات الإنسانية، كما تفعل منظمة الأغذية العالمية وغيرها، لأننا لا نستطيع الوصول لهؤلاء الناس ولكن يجب أن نصل إليهم لأنها بالفعل مسألة حياة أو موت، وهناك موت كثير لأن الناس لا يصل إليها الطعام.

لو تذكري بالسنة الماضية الأمم المتحدة والبنك الدولي وعدد كبير من المنظمات منها اللجنة الدولية للصليب الأحمر تحدثت عن الصومال، نيجيريا، جنوب السودان وحتى اليمن، وقالت إنه إذا لم نتحرك أسرع سنصل إلى مجاعة، قد تكون كلمة مجاعة بالنسبة لي لا أراها واقعية لأن المناطق المتضررة صغيرة جدًّا بهذه الدول، إمكانية مجاعة، لكن اليوم بوجود المنظمات الإنسانية وباستعمال هذه الطرق المبتكرة للأسف مكلفة ولكن ليس أمامنا سوى هذا الحل، نستطيع الوصول إلى الناس ونقدم الأكل، نؤمن لهم الخدمات الصحية، مثلًا الخدمات الجراحية الخاصة بالحروب التي تؤمنها اللجنة لجنوب السودان، الانتقال من منطقة لمنطقة بفريق طبي جراحي متكامل مع مواده ليتمكن أن يقوم بجراحات الحرب بالميدان.

أوليفر وشقيقه الصغير في أحد مراكز توزيع المساعدات الغذائية في جنوب السودان. تصوير: اللجنة الدولية

في الختام اسمح لي بسؤال شخصي. أنت تعمل منذ 13 سنة بالصليب الأحمر في أماكن صعبة جدًّا، ما هو أصعب ما رأيته خلال سنين عملك؟

أتصور أن هذا الأسبوع سأكمل 14 سنة مع الصليب الأحمر، وقبلها من 1998 عندما تطوعت بالصليب الأحمر اللبناني، قبل أن أحكي عما رأيته سأحكي عن معاناتي أنا، معاناتي كمندوب مثلي مثل 17 ألف موظف بالصليب الأحمر. زوجتي كارول دعمتني وهي أيضًا مندوبة بالصليب الأحمر، أولادي الذين لم يفهموا لماذا يغيب والدهم سنتين ونصفًا بالعراق ثم عاد إليهم، ولكن أتصور أن دعم هذين المكونين لي كان أساسيًّا جدًّا، لكن صعوبة مرور 14 سنة بهذا الوضع لا يمكن وصفه لأنه بغض النظر عما إذا كنت عايشت حربًا أو لا، في بعض الأحيان تصل لمناطق تشعر فيها بأن يديك مكبلتان، لا تستطيع فعل شيء، لأنه في بعض الأوقات العمل الإنساني يكون بمثابة ضمادة على جرح ملتهب، الجرح الملتهب هو سبب النزاع، هو السبب الذي جعل الدول تصل لهذا الوضع وتشن الحرب، لكننا نكمل عملنا لأننا نؤمن أن العالم ليس فقط أبيض وأسود، أكيد هناك خط وسط، أكيد هناك جهة محايدة، هذا هو أساس وجوهر اتفاقيات جنيف، التي رأت بعد الحرب العالمية الثانية أن الدول جهة غير مسؤولة عن أمن الناس وجعلت هذا القانون، غير المطبق للأسف اليوم بكل الدول وكل الحروب، يرعى شؤون الناس، على الأقل يحمي الناس، ومن هنا نشأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

أعود لسؤالك ما يجرحني ومن أصعب الأمور التي نراها هي السجون، ما يؤثر فيَّ جدًّا عندما أزور سجنًا وأرى حالة الناس، لا أعرف كيف أستطيع وصف هذا المرفق العام الذي ليس لديه نفس الإمكانيات المادية لمستشفى مثلًا، أما السجن فيتعامل مع عدد أكبر بكثير من العدد في المستشفيات. كنت في زيارة لسجن، رأيت الأهل في جانب والمسجونين في الجانب الآخر، ويحاولون مد أصابع أيديهم ليتلاقوا ولا يستطيعون الحديث مع بعضهم البعض، بغض النظر عما فعله هذا الشخص، بغض النظر عن إجرام هذا الشخص، أو أي فعل شنيع قام به، بالعكس يجب تهذيبه وإعادة تأهيله بالسجون، للأسف السجون التي رأيتها في حياتي، زرت غوانتانامو والعراق وأفريقيا، دائمًا أشعر بحزن وخوف وعتب، لأني أرى عدم اهتمام في السجون، بالتأكيد في نزاع مسلح، في مناطق معرض أهلها لنزاع مسلح، لا أستطيع لوم مدير السجن، ولكن أريد القول أن هناك مسؤولية جماعية من الدولة ومن مدير السجن لتأمين هذه الخدمات. هذا هو أكثر ما يجرحني ويؤلمني وأقول يا ليتني أستطيع المساعدة أكثر.