نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم «50» الصادر في خريف 2010

كان ابن خلدون أول من وضع علم الاجتماع على أسسه الحديثة، فقد خرج بنظرياته الاجتماعية حول قوانين العمران ونظرية العصبية وملاحظاته الدقيقة حول قيام وسقوط الدول وأعمارها وأطوارها. كما خصص جزءا من مقدمته الشهيرة للتنظير للحرب، وحاول وضع أسس علمية لأشكالها المختلفة ولاستراتيجياتها من وجهة نظر عالم الاجتماع المطلع، دقيق الملاحظة، القادر على النقد مع تمتعه بحرية في التفكير.

لم يكن الفتى عبد الرحمن بن خلدون بلغ السادسة عشرة من عمره عندما دخلت جيوش سلطان فاس، أبي الحسن المريني، مدينة تونس غازية عام 748هـ/1347 م. وكان هذا الحدث، بالنسبة لذلك الشاب الذي سيصبح، في ما بعد، صاحب “المقدمة”، وواضع أسس علم الاجتماع، أول مظهر من مظاهر الحرب يشهده بعينه، بعد أن قرأ عنها في الكتب، وحدثوه عنها في أسمار العائلة ودروس جامع الزيتونة في تونس. ومنذ ذلك الحين، ستلازم الحرب ابن خلدون في الكثير من ردهات حياته، وفي حلّه وترحاله بين إفريقيا والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى ومصر والشام، وتفرض وجودها عليه إن لم يبحث عنها قاصدا.

هذه القصة الطويلة مع الحرب عاشها ابن خلدون مشاهدا رغم أنفه أحيانا، وشريكا بمحض إرادته أحيانا أخرى، ووسيطا بارعا في بعض الحالات. ثم اتسعت كتبه لموضوع الحرب فكان منظّرا لها في “المقدمة”، ومؤرخا لأحداثها في “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، المعروف إيجازا بـ “كتاب العبر”.

ابن خلدون منظّرا للحرب

مثلما كان للحرب حضور لافت في حياة ابن خلدون، فإنها كانت أيضا حاضرة في كتاباته، فتناولها من زاويتين: زاوية المنظّر وزاوية المؤّرخ. كمنظّر، تناول ابن خلدون الحرب في “المقدمة”، في فصل عنوانه: “في الحروب ومذاهب الأمم في ترتيبها”، شرح فيه دواعي الحروب، وحلّل استراتيجياتها، ودرس أسباب الظّفر فيها. وانطلق ابن خلدون، في كل هذا، من حقيقة مطلقة يفرضها النظر في تاريخ الإنسانية “منذ برأها الله”، وهي أن الحرب “أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل “. ولا ندري إن كان ابن خلدون يقصد بالطبيعي أن غريزة العدوان متأصلة في البشر، مثل سائر الحيوانات، أم أنه يعني أن الحرب أمر اعتاده البشر منذ بدء الخليقة، حتى غدا طبيعة فيهم.

وأصل الحرب، حسب ابن خلدون، هو “إرادة انتقام بعض البشر من بعض”، وأسباب هذا الانتقام في رأيه أربعة:

أ- “الغيرة والمنافسة”، ويتم ذلك في أغلب الأحيان “بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة “، فهي حروب الجور على الأرض وخيرات الطبيعة، أو من أجل فرض السيطرة وتوسيع النفوذ.

ب- “العدوان”، وأكثر ما يكون “في الأمم الوحشية الساكنين بالقفر لأنهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم”، فهم لا يبحثون من خلال الحرب عن “رتبة ولا ملك”، ولكن عن انتزاع ما في أيدي الناس بالقوة، لأن في ذلك وسيلة عيشهم.

ج- “الغضب لله ودينه”، وهو المسمى في الشريعة بـ”الجهاد”، ويمكن أن يشمل، بصفة أعم، كل أصناف الحروب الدينية، أو التي تتخذ من الدين ذريعة.

د- “الغضب للملك والسعي في تمهيده”، وهو “حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها”ن وكذلك الحروب المؤسسة لإقامة الدول وفرضها.

ثم يوجز ابن خلدون الأصناف الأربعة السابقة في صنفين فقط: “حروب بغي وفتنة”، ويدرج فيها حروب الغيرة والمنافسة وحروب العدوان؛ و”حروب جهاد وعدل” ويضمنها الحروب الجهادية وحروب الدول مع الخارجين عليها. فهل نفهم من هذا أن ابن خلدون يبرر أخلاقيا حروبا دون أخرى ويرى في بعضها نزعة شر: (بغي وفتنة)، وفي البعض الآخر نزعة خير: (جهاد وعدل)؟ المهم أن ابن خلدون انتهى بشأن الحرب إلى تصنيف واضح المعايير يقوم في جانبه الأول على غايات الحرب، ويستند في جانبه الثاني على رؤية أخلاقية تقابل بين الخير والشر، رغم ما يمكن أن يقال طبعا في هذه المعايير وفي مشروعية الحروب عموما.

وفي الفصل نفسهن ينتقل ابن خلدون إلى تناول بعض جوانب الحرب التي تعرف في لغة عصرنا بالاستراتيجيات والخطط الحربية وتنظيم الجيوش، والعوامل المرجّحة للانتصار في الحرب. في حديثه عن الإستراتيجيات الحربية السائدة في زمانه، يفرق ابن خلدون بين نوعين من العمل العسكري الميداني: الزحف صفوفا من ناحية، والكر والفر من ناحية أخرى، مشيرا إلى أن النوع الأول هو “قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم”، في حين أن الكر والفر هو “قتال العرب والبربر من أهل المغرب”.

وينطلق ابن خلدون من هذا التصنيف إلى مقارنة بين هذين النوعين في القتال تبرز إحاطته بالموضوع وتمكنه من الأدوات التي يستعملها في المقارنة، وهي تاريخية في أغلبها تستعرض الموضوع عبر عدة حقبات ومن خلال أمم كثيرة كالعرب، والروم، والفرس، والقوط.

ويعلن ابن خلدون نتيجة هذه المقارنة منذ الوهلة الأولى: “قتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر، وذلك لأن قتال الزحف ترتب فيه الصفوف وتسوى كما تسوى القداح أو صفوف الصلاة، ويمشون بصفوفهم قدما. لذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو، لأنه كالحائط الممتد والقصر المشيد، لا يطمع في إزالته”، وأما قتال الكر والفر “فليس فيه من الشدة والأمن من الهزيمة ما في قتال الزحف”. يفضل ابن خلدون قتال الزحف إذن، ويجد له ما يدعمه في القرآن: “إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص”، وفي الحديث النبوي الشريف: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا”. 

ويتناول ابن خلدون ظاهرة أخرى من ظواهر التكتيك الحربي، يشترك فيها أهل الكر والفر مع أهل الزحف، وهي “ضرب المصافّ وراء العسكر”، وتتمثل في وضع جمادات وحيوانات وراء الجنود، يتخذها الفريق الأول ملجأ للفرسان في كرّهم وفرّهم، بينما يضعها الفريق الثاني في مؤخرة الجيش “فتقوى بذلك نفوسهم ويزداد وثوقهم”.

لكن الجديد الطريف في هذا الفصل، حسب رأينا، هو تناوله أسباب الظفر في الحرب. والأطرف من ذلك، هو قوله بأن الظفر والغلب في الحرب هو “من قبيل البخت والاتفاق” (أي المصادفة)، و”لا وثوق في الحرب بالظفر وإن حصلت أسبابه من العدة والعديد”. ويشرح ابن خلدون نظريته بأن أسباب الانتصار (الغلب) في الحرب نوعان: أسباب ظاهرة ومنها أعداد الجيوش و”كمال الأسلحة، وكثرة الشجعان”، وترتيب صفوف الجيش و”صدق القتال”، وأسباب خفية، “وهي إما من خدع البشر وحيلهم” في الحرب أو “أمور سماوية لا قدرة للبشر على اكتسابها، تلقى في القلوب، فيستولي الرهب عليهم لأجلها، فتختل مراكزهمن فتقع الهزيمة”. ويقرّ ابن خلدون بأن “أكثر ما تقع الهزائم عن هذه الأسباب الخفية”، لأنّ الفريقين المتحاربين- كما يقول ابن خلدون – يركزان على هذه الأسباب “حرصا على الغلب، فلا بدّ من وقوع التأثير في ذلك لأحدهما ضرورة”. ويدعم ابن خلدون رأيه بقول رسول الله: “الحرب خدعة”، ومن أمثال العرب: “رب حيلة أنفع من قبيلة”. ونفهم أن ابن خلدون يرجّح، بلغة اليوم، كفّة المسائل التكتيكية: “التقدم إلى الأماكن المرتفعة، التواري عن العدو لمفاجأته”، والحرب النفسية: “الإرجاف والتشانيع التي يقع بها التخذيل” على كفة العُدّة والعدد. على أن ابن خلدون يضيف إلى هذه العوامل الميدانية عاملا آخر غير مرئي هو “وقوع الغلب عن الأمور السماوية”، مستشهدا في ذلك بانتصارات الرسول على المشركين وبالفتوحات الإسلامية. 

وسواء أكانت الأسباب الخفية للغلب من نوع التكتيك والخدعة أو بفعل قوى سماوية خفية، فإن النتيجة واحدة، وهي ما أعلنه ابن خلدون في البداية من أن الظفر في الحرب والغلب هو “من قبيل البخت والاتفاق”، لأن “وقوع الأشياء عن الأسباب الخفية هو معنى البخت” كما يقرره ابن خلدون. وفي السياق ذاته، يؤكد ابن خلدون رفضه مبدأ ربط النصر بالعدة والعدد، ويرد على ما ذكره الطرطوشي عن أن من أسباب الغلب في الحروب وجود عدد أكبر من الفرسان المشاهير الشجعان في أحد الجانبين، “فالجانب الزائد بواحد يكون له الغلب”. ويواجه ابن خلدون هذه النظرية، التي تفسر الانتصار بعدم التكافؤ الكمي والنوعي بين الجهتين المتحاربتين، بتعليل يقوم على النظرية التي اشتهر بها في “المقدمة”، وهي نظرية العصبية، معتبرا أن العنصر الحاسم في تحقيق النصر هو حال العصبية، فالغلب يكون للجانب الذي تكون فيه “عصبية واحدة جامعة لكلهم”، وذلك على حساب الجانب الذي تكون فيه عصائب متعددة، وذلك “لأن العصائب إذا كانت متعددة يقع بينها من التخاذل ما يقع في الوحدان المتفرقين الفاقدين للعصبية”. وبذلك، نجد أنفسنا في السياق الخلدوني الحقيقي الذي يفسر وقائع التاريخ انطلاقا من نظام مفهومي وتحليلي متكامل تقع العصبية في محوره.

علم نفس الحروب
وفي فصل آخر من “المقدمة” عنوانه: “شارات الملك والسلطان الخاصة به”، يتحدث ابن خلدون عن الجوانب النفسية في الحروب، من خلال تناول موضوع “نشر الألوية والرايات وقرع الطبول والنفخ في الأبواق والقرون” إبان الحروب، وهو ما يسميه “الآلة”. ويقدم ابن خلدون تفسيرين لاستعمال هذه الأدوات: الأول للفيلسوف اليوناني أرسطو، ومفاده أن ذلك لـ “إرهاب العدو في الحرب، فإن الأصوات الهائلة لها تأثير في النفس بالروعة”، أي الترويع. ويعتبر ابن خلدون هذا السبب صحيحا نسبيان أو “ببعض الاعتبارات”، كما يقول حرفيّا. “وأما الحق في ذلك”، وهو التفسير الثاني الذي يميل إليه أكثر، باعتباره رأيه الشخصي، “هو أن النفس، عند سماع النغم والأصوات يدركها الفرح والطرب بلا شك، فيصيب مزاجَ الروح نشوة يستسهل بها الصعب ويستميت في ذلك الوجه الذي هو فيه”.إذن، على عكس أرسطو، يرى ابن خلدون أن استعمال الرايات وآلات الموسيقى في الحرب ليست موجهة أساسا للتأثير في نفوس الأعداء، بل لبث روح القتال ورفع المعنويات لدى الجيوش التي تستخدمها. ويؤكد ابن خلدون، في هذا السياق، تأكيدا خاصا، على تأثير الموسيقى عند العجم، والشعر عند العرب، في الحث على الاستماتة لدى المقاتلين. “أما تكثير الرايات وتلوينها وإطالتها فالقصد به التهويل لا أكثر”. والمقصود بهذا التهويل، في تصور ابن خلدون ليس العدو بل الجيوش التي تسحملها لها، إذ “ربما يحدث في النفوس من التهويل زيادة في الإقدام”.
واللافت في هذا التناول أن ابن خلدون أظهر مرة أخرى حبّه “المخالفة في كل شيء”، كما قيل عنه، ونزعته إلى الإتيان بالجديد، وإعادة النظر في السائد من الأفكار والنظريات والانفراد بالرأي الطريف غير المتوقع، وتلك هي عبقرية هذا الرجل الذي كان مقتنعا وواعيا بتوقه إلى الجديد.

الحرب البحرية
وفي فصل آخر من “المقدمة”، خصصه لـ” مراتب الملك والسلطان وألقابها”، يتناول ابن خلدون الحرب البحرية، فيتحدث عن قيادة الأساطيل، وهي “من مراتب الدولة وخططها في ملك المغرب وإفريقية ومرؤوسة لصاحب السيف وتحت حكمه في كثير من الأحوال”. ويأتي حديثه هنا من باب التأريخ للبحرية العسكرية في حوض البحر الأبيض المتوسط أو البحر الرومي (أو البحر الشامي كذلك)، كما يسميه ابن خلدون. ومن هذا التأريخ نقرأ انتقال السيطرة البحرية من الضفة الشمالية: (العدوة الشمالية في لغة ابن خلدون)، ضفة الروم والإفرنج والقوط، إلى الضفة الجنوبية، ضفة البربر والعرب والمسلمين، في زمن مجدهم، ثم عودة السيطرة إلى أهل الشمال: (الإسبان خصوصا)، “عندما تراجعت قوة المسلمين في الأساطيل، لضعف الدولة ونسيان عوائد البحر، بكثرة العوائد البدوية بالمغرب وانقطاع العوائد الأندلسية”.هذه بعض مظاهر الحرب التي تناولها ابن خلدون في “المقدمة”، ولاشك أن قراءة متأنية ومعمقة لهذا الأثر الجليل ستفرز جوانب أخرى من إحاطة ابن خلدون بهذا الموضوع.

هوامش

*أبو بكر الطرطوشي : فقيه مالكي، من مواليد مدينة طرطوشة بالاندلس عام 451 هـ/ رجل الى المشرق للتفقه على علمائه ثم جلس معلما للفقه والحديث في الاسكندرية . توفي عام 520 هـ/ 1127 م. من أهم آثاره : سراج الملوك في سلوك الملوك”.