نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم «57» الصادر في ربيع/صيف 2014

إن الإسلام دين السماحة والقوة، وهل في ذلك شك؟ شَارِعُه هو الرحمن ذو القوة المتين، ومُبلِّغه الصبار الصادق الأمين. وكتابه الذي تحدى كل لسان وأعجزه ولسانه العربي الذي أخرس كل لسان وأبان. وقواده الخالديون هم الذين أخضعوا لسيوفهم رقاب كسرى وقيصر. نعم، إنه الإسلام، الدين الذي يفرض قوة الحكمة والرحمة والعدل، لا قوة السفه والقسوة والجور. وبتتبُّع تعاليمه وبالاطلاع على ما جاء من آثار علمائنا الأجلاء ومنهم أبو الحسن الشيباني- وغيره كثير- نجد أن ديننا يسعى إلى إقامة الأبعاد الإنسانية حتى في سير المعارك والحروب وحماية ضحاياهم وصيانة حقوقهم.

والأجمل مما سبق أن نجد تجليات هذه التعاليم على أرض الواقع من لدن رجال صدقوا الله ما عاهدوا عليه، يجتهدون أيما اجتهاد في ترسيخ أبعاد وقيم الشريعة الإسلامية. وغير بعيد عن هذا الوصف يتبادر إلى أذهاننا الأمير عبد القادر الجزائري، عالم الدين والشاعر الصوفي ومؤسس دولتنا الحديثة، ونحن اليوم في احتفال بذكرى عيد النصر- 19 مارس- ويبقى السؤال: 

من هو الأمير عبد القادر الجزائري؟
وما دوره في وضع أسس القانون الدولي الإنساني؟
يعتبر الأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري المنحدر من سلالة نبينا ورسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، أول من وضع اللبنات الأساسية للنهوض بالدولة الجزائرية الحديثة، أوكله أبوه مهمة قيادة الشعب وهو كل ثقة فيه. كان لهذا الشاب المولود بالقطنة في منطقة معسكر في 6 سبتمبر 1808 الموافق 15 رجب 1223، عدة أدوار في أكثر من مجال، حيث قاد المقاومة ضد المحتل في الغرب الجزائري لمدة 15 سنة من 1832 إلى 1845. وكان متيقنًا بأن وقف زحف جيش المستعمر لن يتم إلا بتأسيس جيش قوي. وضع له أساسياته في دليل وسماه “وشايش الكتايب”، كما وهبه تنظيمًا إداريًا عسكريًا محكمًا. وبهذا جمع بين الحياة الروحية وشعائر الدين وأسقطها على ميدان الفنون الحربية لتحقيق الانتصارات التي تتالت وتعددت. ووُفق في تأسيس الدولة الجزائرية التي كانت من أسمى أهدافه وتطلعاته، أقر فيها الأمن وأنشأ لها عملة موحدة وجعل لها عاصمة وهي الزمالة المتنقلة. كما اعتمد في حركاته التكتيكية على حرب الكر والفر وحرب العصابات، التي تتم بالوسائل القتالية الخاصة المحلية.

ومما لا يخفى علينا- كأبناء بلده- أنه ساهم وبقوة وطاقة كبيرتين في تكريس المفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان بنهجه المتميز والفريد من نوعه في تحقيق مبدأ التسامح والتعايش المشترك. فقد كان رجل دين، بين الطوائف، وتسامح معهم، ومن جهة أخرى كان رجل حوار بين الديانات، سواء على أرض الوطن الذي اعترف له بولائه، أو خارجه.وعرفانًا بهذه المجهودات كلف رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر “جاكوب كيللنبرغر” أحد أعوانه بتقديم رسالة يذكر فيها “أنه من الخطأ اعتبار أن أسس القانون الدولي الإنساني ظهرت مع إبرام معاهدة جنيف بل قبلها”، وأشار رئيس اللجنة الدولية إلى أن العديد من الشخصيات أسهمت في تكريس حقوق الإنسان قبل أفكار هنري دونان، أمثال حمورابي وصلاح الدين الأيوبي… والأمير عبد القادر الجزائري، كما أضاف في بحثه المطول إلى أن العديد من القوانين والمبادئ التي سطرها الأمير “لم تفقد من قيمتها حتى اليوم”.

وعلى ضوء إنقاذه للعديد من المسيحيين واليهوديين في منفاه والذين يتعددون بقرابة 12000 شخص، تقول المفوضية السامية لحقوق الإنسان “لويز آربور”: إننا نحتاج وبضرورة ملحة إلى “إقرار مبدأ التسامح” وأشارت إلى أننا في حاجة إلى الانفتاح على الغير، كما أشادت بنهج “الأمير عبد القادر” في تعامله مع أسراه. كما نشر أحد المحررين سيرة الأمير عبد القادر في كتابه “الأمير فارس الإيمان” أن الأمير كان يحاول “أنسنة الحرب” التي شنها ضد المعمِّر، فكانت معاركه راقية في إطار المبادئ الإنسانية والقيم السمحة للشريعة الإسلامية، ودلائلنا على ذلك هي السماح للأسرى بالتداوي في دولته وحياكته لهم ما يرتدون من ملابس وغيرها واعتناؤه بهم أيما اعتناء!. وظل على الحال هذه إلى أن وافته المنية في المنفى في 26 مايو 1883. ونُقل رفاته إلى أرض الوطن الحبيب في 5 يولية 1966 ودُفن بمقبرة العالية بالعاصمة، إلا أن فضائله وخصاله الحميدة تظل حية وراسخة مهما طال الزمن، يعترف بها أعداؤه قبل أحبائه، وتشهد لها البشرية جمعاء.

في إطار الاحتفال بمرور 150 سنة على تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومرور 130 سنة على وفاة الأمير عبد القادر، نظم مكتب اللجنة الدولية بالجزائر، ومؤسسة الأمير عبد القادر، ووزارة التربية الوطنية الجزائرية مسابقة حول مساهمة الأمير الجزائري في التأسيس للقانون الدولي الإنساني. والنص السابق هو الفائز بالمركز الأول للطالبة ريم نرجس قاسم بشعبة العلوم، مدرسة الفروط بوعلام الثانوي.