نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 58 الصادر في شتاء 2015

يضرب نجم الكرة المصرية الشهير محمود الخطيب مثلا رائعا في اهتمامه بالعمل الخيري والإنساني وتوظيف شهرته لخدمة المحتاجين. وشارك الخطيب الذي اعتزل اللعب قبل أكثر من ربع قرن في برامج ومبادرات عدة سواء داخل مصر أو خارجها لدعم القضايا والقيم الانسانية لأن “معاناة المحتاجين تمزقني كثيرا” كما يقول. 

حين تختاره الأمم المتحدة سفيرا للنوايا الحسنة في الشرق الأوسط في كانون الثاني/يناير 2004، وحين يصنفه الاتحاد الأوروبي ضمن أبرز نجوم الكرة في العالم المشاركين في برنامج طموح لمحاربة التفرقة العنصرية في الملاعب، ويزور العديد من الدول والقرى الفقيرة داعيا لمحاربة العنصرية في صيف 2005، وحين تلوذ به المنظمة الدولية “إس.أو.إس” لقرى الأطفال التي ترعى الأطفال فاقدي العائل، ويتولى الإشراف على تدريب عدد من الأطفال المحرومين على فنون الكرة كاشفا عن مواهبهم في نيسان/ابريل 2006؛ وحين يتم تنصيبه سفيرا للبيئة محاربا التلوث والتصحر والمخاطر البيئية في العام 2007 من خلال وزير البيئة المصري وقتها ماجد جورج؛ وحين تزداد حوله ولأجله عروض الإسهام في المجال الإنساني والخيري في كبرى الهيئات العالمية والجمعيات المصرية والدولية.

وحين يبقى نجمه لامعا حتى بعد مرور أكثر من ربع قرن على اعتزاله اللعب ومغازلة الساحرة المستديرة.. فإننا نكون أمام نجم غير طبيعي وظاهرة إنسانية تحتاج للتوقف والتأمل هو محمود الخطيب. احتفل معه وبه زملاؤه ببلوغه عامه الستين في 30 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي [2014] وأشعلوا شموع الحب والوفاء والامتنان لنجم ساهم بموهبة فذة في خلق انتصارات فريدة وارتقاء كبير بشعبية كرة القدم على المستوى المحلي والقاري والدولي.

وبالرغم من بلوغه سن التقاعد في الستين من العمر، كما في نظام مصر الإداري، إلا أن الخطيب أو “بيبو” كما عرفته الجماهير المصرية والعربية وتغنت جماهير النادي الأهلي باسمه طويلا في الملاعب على مدى أكثر من خمس عشرة عاما في القرن الماضي (1973-1988)، كأشهر نجم في ملاعب مصر والعرب وأكثر مهاجمي الكرة العربية والأفريقية موهبة في جيله، لا يزال يلقى من التكريمات والاختيار للمهام الخيرية والانسانية ما يجعله دوما في بؤرة اهتمام العمل الانساني.

ويقول الخطيب إنه “مستعد دوما للقيام بأي عمل أو جهد يخدم البسطاء .. أشعر دوما بالرغبة في أن أقدم كل ما أستطيع من أجل طفل محروم أو انسان فقير .. أعرف جيدا معنى المعاناة، فأنا ابن لأب كافح طويلا في الحياة، ورأيت كيف أن والدي بذل كل الجهد والتعب في الحياة من أجل أن يغرس فينا كل معاني الحب والنجاح والقيم والأخلاق .. والدي تعب كثيرا من أجل أسرته وأعتبره المثل الأعلى في حياتي.”

بيبو يرى أن الكرة خير سلاح للفقراء والموهوبين من الأطفال

محمود الخطيب الذي وصفه الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بالأسطورة، وقال عنه موقع الفيفا في نهاية تشرين الأول/اكتوبر الماضي في الاحتفال بعيد ميلاده “يعد محمود الخطيب أحد أبرز الأساطير الحية للكرة المصرية وذلك أن مهاراته وانجازاته جعلت منه اسما لامعا لن ينسى أبدا.”
ويرى الخطيب أن كل ما وهبه الله له من موهبة وشهرة ومكانة هو ملك للناس خاصة المحتاجين منهم. ويقول “في حياتي ثلاثة أشياء تأثرت بها بشدة: أولاً الكرة الذهبية التي حصلت عليها من مجلة “فرانس فوتبول” كأحسن لاعب في أفريقيا في العام 1983؛ وثانياً الحذاء الذهبي كأفضل هداف على مستوى القارات في بطولات الأندية برصيد 37 هدفاً وهو رقم قياسي عالمي ظل صامداً طويلاً؛ وثالثاً تكريمي في أسبانيا مع كبار نجوم العالم في تشرين الأول/أكتوبر 1997 وكانت لحظات تاريخية رائعة عندما وجدت نفسي في أرض ملعب “سنتياجو برنابيو” بجوار “إيزيبيو” و”بوشكاش” و”دي ستيفانو” واسمي يعلن بجوار أسماء عظماء الكرة في العالم على مدى التاريخ .. وإلى جانب هذه اللحظات التكريمية الرائعة في حياتي فهناك محطات إنسانية محفورة في ذاكرتي لا يمكن أن أنساها. ومستعد لأن أفعل الكثير من أجل إسعاد الآخرين.”

وأضاف أنه شارك في ذلك المهرجان العالمي الكبير في أسبانيا بهدف محاربة التفرقة العنصرية “فالكرة لغة الشعوب ولا فرق فيها بين أبيض وأسود ولا بين غني وفقير، وهي لا بد أن تجمع الكل وتذيب الفوارق والطبقات بين الناس، الكرة يمكن أن تفعل الكثير.”
ويعتز الخطيب صاحب أجمل الأهداف في ملاعب الكرة المصرية والأفريقية كثيراً بأهدافه الخيرية. ويقول “سعدت كثيراً لدى اختياري سفيراً للمنظمة الدولية لإغاثة الأطفال فاقدي العائل “SOS” واعتبرته هدفاً ينبغي السعي لتحقيقه بكل إخلاص، ونظمت مهرجاناً في كرة القدم لرعاية وتعليم الأطفال الموهوبين رياضياً من بين هؤلاء في كانون الثاني/يناير 2004، ولا زلت حتى الآن أسعى لتحقيق هذا الهدف المهم والغالي وهو الكشف عن الموهوبين كروياً من بين هؤلاء الأطفال المحتاجين.”

 ويقول الخطيب عن هذه التجربة “كنت سعيدا جدا بها خاصة حملة “رياضة وأطفال بلا تدخين” والتي عملنا خلالها على رعاية هؤلاء الأطفال وتبصيرهم بأهمية الرياضة وخطأ وخطورة التدخين وكانت الحملة بتفاعل مشترك ايضا مع منظمة الصحة العالمية.”

 محمود الخطيب، الذى ترقى سريعاً في مناصب مجلس إدارة ناديه الأهلي، إذ انتخب عضوا فور إعتزاله اللعب، ثم أميناً للصندوق ونائبا لرئيس النادي، يعتز كثيراً بعمله الخيري الحالي كعضو بمجلس إدارة جمعية الأورمان الخيرية. ويقول “أتمنى أن نعمل جميعاً لدعم بنوك الدم بالمستشفيات ونوفر الدم النظيف لكل مريض، وأرى أن الكرة يمكن أن تفعل الكثير. وهناك مهام كثيرة علينا القيام بها.

الخطيب مع مسئولي منظمة الإغاثة الدولية وتنصيبه سفيرا فوق العادة للأطفال المحتاجين

وكانت زارة البيئة المصرية وهي تواجه مخاطر كثيرة منذ سنوات قد لجأت إلى الخطيب في صيف العام 2007، وأكد وزير البيئة وقتئذ ماجد جورج أنه يعول كثيراً على نجومية الخطيب وشعبيته في قيادة حملة واسعة للتوعية وارشاد الناس لمخاطر التلوث وأهمية ممارسة السلوك النظيف. وقاد الخطيب دعوة نجوم الكرة ليعود كل منهم إلى الحي أو المنطقة التي نشأ وتربى فيها ليقوم وبصحبته شباب المنطقة بكنس وتنظيف شوارع الحي الذى يسكنون به وتوعية الناس بقيمة النظافة والحفاظ على البيئة.
ونشط الخطيب كثيرا في هذا المجال مع فنان الكاريكاتير الراحل مصطفى حسين وكان حينها رئيسا لمهرجان النيل السينمائي الدولي للأفلام البيئية، وحتى وفاته في العام 2014، حريصا على الاستفادة من نجومية الخطيب في التوعية ببرامج الحفاظ على البئية. ويقول الخطيب إن “قضية البيئة خطيرة، والرياضة يمكن أن تكون رسالة قوية تحرك مشاعر الجماهير والمشجعين في كل مكان، ومن المهم أن نبدأ مع الأطفال منذ الصغر وندربهم على الالتزام بالسلوك القويم وخلق بيئة نظيفة خالية من التلوث.”
ولا ينسى “بيبو” وهو يمر بأزمة صحية شديدة، إذ أجريت له قبل شهور في ألمانيا جراحة خطيرة في العمود الفقري لاستئصال أورام حميدة، أن يؤكد على حاجة المجتمع لاستثمار جهود كل القادرين لخدمة المرضى من الفقراء والمحتاجين.
ويقول “أحزن كثيرا حين أجد أنسانا لا يملك ثمن العلاج أو يحتاج لفحص طبي لايقدر عليه، هذا أمر يمزقني كثيرا.”
ويعيش الخطيب أبو البنات “رنا وندى ونور الله” أسعد لحظاته مع أحفاده. وهو يرى أن الأطفال نعمة من الله، ويقول “إذا كنا نسعد ونحن نداعب أولادنا واحفادنا، ونعيش معهم أسعد لحظات حياتنا فعلينا أن نتذكر دوما أن هناك أطفالا محرومين من لحظة الحنان هذه.. أطفال أيتام يحتاجون لزيارة منا للدور التي تراعهم .. وهناك أطفال مرضى يجب أن نعمل جميعا من اجلهم ولأجل شفائهم.”
ويتمنى “بيبو”، وهو صاحب عدة تجارب للعمل التليفزيوني وقدم العديد من البرامج الرياضية، أن يقدم يوما برنامجا خيريا اجتماعيا يهدف من خلاله لخدمة الإنسان المحتاج والهيئات الانسانية. ويقول “إذا نجحت في هذا قريبا سيكون أجمل أهداف حياتي.”

نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 58 الصادر في شتاء 2015