منحت لجنة نوبل جائزة نوبل للسلام 2018 لكل من نادية مراد ودينيس موكويغي، وهما ناشطان يناضلان ضد العنف الجنسي في الحروب.

وقد بث هذا الخبر الأمل في هذه الأوقات العصيبة التي تتواصل فيها فصول معاناة المدنيين المريرة – وبخاصة النساء – في النزاعات المسلحة الدائرة. وأود هنا أن أعرب عن خالص تهانينا القلبية للفائزين، واحتفائنا بهذا القرار الذي يلقي الضوء على جريمة حرب كثيرًا ما تتوارى تحت طيات الصمت المطبق. إن هذه اللحظة تبعث الشجاعة والأمل في نفوس ضحايا العنف الجنسي في النزاعات ومن يجاهدون للقضاء على هذه الجريمة، وفرصة للتفكير في الأعمال التي أنجزناها والمساعي التي ما زال علينا أن نبذلها.

لقد تخصصت في مجال القانون الدولي الإنساني ملتزمة التزامًا مهنيًّا بالبحث عن الحقيقة في قضايا العنف الجنسي كونها جريمة حرب، وقد يبدو هذا البحث للوهلة الأولى بلا داعٍ يبرره، وخصوصًا إذا كنا ندرك أن تجريم الاغتصاب هو أحد أقدم وأبسط قواعد الحرب، كما أنه ورد حظر صريح لهذه الجريمة (وما يترتب عليها من عقاب بالإعدام) في أول قانون حرب في العصر الحديث، وهو مدونة ليبر لعام 1863، ونصت اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977 أيضًا على حظر الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي. ولم يقتصر الحظر في هذه الصكوك على الصيغ الصريحة فقط، وإنما ورد ضمنًا في معرض حظر المعاملة القاسية والتعذيب وانتهاك الكرامة الشخصية وخدش الحياء والإكراه على البغاء.

المساءلة عن جرائم العنف الجنسي في الحرب: إنجازات المحاكم الدولية

لم يقترن هذا القانون رغم ذلك بالمساءلة حتى عهد قريب جدًّا، فالمحاكمات التي شُكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كتلك التي انعقدت في نورمبرغ وطوكيو، لم تسفر إلا عن أقل القليل من السوابق القضائية الدولية في مقاضاة مرتكبي الاغتصاب بوصفه جريمة حرب. اندلعت حروب جديدة ووضعت أوزارها في العقود التالية، لكن ظلت الانتهاكات المتعلقة بالعنف الجنسي بعيدة عن دائرة الضوء، إلا أن النزاعات التي اندلعت في بداية التسعينيات في يوغوسلافيا السابقة ورواندا غيرت هذا الوضع، فقد جلبت هذه النزاعات إلى ساحات المحاكم المعاناة التي أصابت النساء والرجال والفتيان والفتيات، وعائلاتهم ومجتمعاتهم، جراء حوادث العنف الجنسي. وانتبه المجتمع الدولي إلى الحاجة إلى التصدي لإفلات الجناة من العقاب، وأثار أسئلة محددة بشأن كيفية نظر المحاكم في حالات انتهاك القانون هذه؛ أي نوع التهم الموجهة، وطبيعة الأدلة المطلوبة، وتحديد الأشخاص المتهمين بارتكاب الجرائم.

إن الخطوة التاريخية بإنشاء محكمتين جنائيتين دوليتين مخصصتين ليوغوسلافيا السابقة ورواندا (المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا) أظهرت إصرار المجتمع الدولي على معاقبة مرتكبي جرائم العنف الجنسي، ومطالبة الأفراد – بمن في ذلك القادة – بتحمل المسؤولية الجنائية عن ارتكاب مثل هذه الجرائم. وأعقب ذلك إجراء محاكمات ناجحة، ففي محكمة يوغوسلافيا، مثلت قضية فوروندزيا (Furundzija) علامة فارقة من حيث تركيزها بالكامل على اتهامات تتعلق بالعنف الجنسي.[1]

لا جدال اليوم في أن الاغتصاب يشكل جريمة حرب في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء، ففي قضية كوناراك (Kunarac)، رأت محكمة يوغوسلافيا أيضًا أن الاغتصاب يمكن أن يشكل جريمة ضد الإنسانية في ظروف معينة.[2] أما في قضية أكاييزو (Akayesu)، فقد رأت محكمة رواندا أن الاغتصاب والأشكال الأخرى من العنف الجنسي يمكن أن «تشكل إبادة جماعية شأنها شأن أي عمل آخر ما دامت قد ارتكبت بقصد محدد هو تدمير مجموعة معينة مستهدفة تدميرًا كليًّا أو جزئيًّا».[3] وفي قضايا مثل سيلبيتشي (Celebici) وكوناراك (Kunarac)، قضت محكمة يوغوسلافيا بأن الاغتصاب يمثل ضربًا من ضروب التعذيب.[4]

واستنادًا إلى هذه الأحكام القضائية، رأى كثيرون أن وضع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فرصة طال انتظارها لتوضيح هذه المسألة. وعليه، فقد تضمن نص المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية «الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري … أو التعقيم القسري، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي» بوصفها جرائم حرب في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء. ومؤخرًا في 2017، أكدت دائرة الاستئناف التابعة للمحكمة الجنائية الدولية، في حكمها الصادر في قضية نتاغاندا (Ntaganda)، على الولاية القضائية للمحكمة في البت في جرائم الاغتصاب والاستعباد الجنسي بوصفها جرائم حرب إذا ارتكبها الجاني ضد أفراد من قواته المسلحة، [5] ما يعكس تفسير المادة المشتركة الثالثة للجنة الدولية على اتفاقية جنيف الأولى.

أهمية الأنظمة القانونية الوطنية في مقاضاة مرتكبي جرائم العنف الجنسي ومعاقبتهم

وثقت المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم المخصصة، عبر هذه السلسلة من القضايا، فصولًا مروعة من المعاناة الإنسانية، ونجحت في إبراز المسؤولية الفردية عن الجرائم المرتكبة. وبالرغم من إحراز تقدم في هذا الصدد، ما زال العنف الجنسي متفشيًا في النزاعات الدائرة اليوم، وما زال خارج دائرة الضوء بشكل يثير الدهشة، ويصعب تحديد مرتكبيه لمقاضاتهم. وتستشري وصمة العار والخوف من الانتقام والمفاهيم المغلوطة بين الضحايا، بل وتمنعهم في أحوال كثيرة هم والشهود من التصريح بما جرى أو تلقي الرعاية التي يحتاجون إليها.

لذا وبينما حققت الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الدولية والمحاكم المخصصة تقدمًا ملموسًا في هذه القضية، تكتسب الأنظمة القانونية الوطنية أهمية حيوية في أي نقاش يتعلق بالمساءلة، ويتعين أن تكفل الدول إتاحة التحقيق في جرائم الحرب المتعلقة بالعنف الجنسي ومقاضاة مرتكبيها ومعاقبتهم بموجب القانون الوطني.[6] بل يلزم في بعض الحالات تطبيق الالتزامات القانونية الدولية على المستوى الوطني بشكل أفضل، كما ينبغي كثيرًا اتخاذ المزيد من التدابير التي ترمي إلى تخفيف عبء الإجراءات القضائية (قدر المستطاع) على الضحايا. ومن الخطوات التي يمكن أن تساعد في هذا الصدد تنظيم دورات توعوية وتدريبية مناسبة للأفراد العاملين في القطاع القانوني، ووضع ترتيبات فنية معينة في ما يتعلق بتوقيت ومكان وأسلوب عقد جلسات الاستماع، إلى جانب تقديم المساعدة القانونية الكافية.الاستجابة لظاهرة العنف الجنسي: عناصر النهج المتبع في اللجنة الدولية 

من هذا المنطلق، تواصل اللجنة الدولية التزامها بمنع ارتكاب العنف الجنسي في أثناء النزاعات المسلحة والاستجابة لهذه الظاهرة، ونحن على أتم استعداد لمساعدة الدول في تطبيق هذه المعايير الدولية على المستوى الوطني.[7] وفي العمليات التي نباشرها، تعرض إستراتيجية اللجنة الدولية إزاء العنف الجنسي 2018-2022 المبادئ الأساسية التي توجه النهج المتبع إزاء هذه القضية. وتتضمن مبدأ «عدم إلحاق الضرر»، وعبء الإثبات المعكوس الذي نفترض بموجبه أن العنف الجنسي يحدث في سياقات النزاعات المسلحة إلا إذا ثبت خلاف ذلك، والالتزام بتوفير استجابة متعددة التخصصات وشاملة ونهج متعدد الجوانب للتعامل مع العنف الجنسي.

ويسعى النهج متعدد الجوانب خصوصًا إلى مراعاة الطرق المعقدة التي يمكن أن تتداخل فيها عوامل مختلفة – من بينها النوع الاجتماعي، والعرق، والطبقة، والأصل الاثني، والإعاقة، والجنسية، والدين، ووضع المهاجرين، والتوجه الجنسي وغيرها – وتجتمع لتؤثر في مدى احتمالية التعرض لهذه الجريمة، واحتياجات الضحايا، والقدرات والخبرات المطلوبة لمواجهة العنف الجنسي. وهذا التقييم ضروري لضمان تصميم وتنفيذ الخدمات المقدمة لضحايا العنف الجنسي – فضلًا عن الأنشطة الرامية إلى التخفيف من حدة المخاطر – بطريقة تجعلها متاحة لجميع الضحايا.

**
لن أنسى تجربتي التي مررت بها في أثناء مهمة ميدانية للجنة الدولية، حيث توليت شرح بعض التطورات القانونية المذكورة أعلاه لنساء ناجيات من العنف الجنسي. لقد لمست شعورهن بالارتياح («ما حدث لي غير مقبول وتداولت محكمة في هذا الأمر!») وإحساسهن بالكرامة النابعة من الأمل بأن هذه التطورات ستحدث فارقًا في حياة نساء أخريات، وتأثرت بهن بشدة.
لقد قطعنا شوطًا طويلًا، ورغم أنه ما زال هناك الكثير لإنجازه، إلا أن شجاعة د/ موكويغي ونادية مراد والتزامهما بالقضية برهان يثبت لنا أن بالإمكان قهر الصعاب. إننا الآن في أمس الحاجة لجهودهما والجهود التي يبذلها كثيرون غيرهما حول العالم لمنع وقوع جرائم العنف الجنسي أكثر من أي وقت مضى، ويجب أن نواصل تكريس أنفسنا لحماية الإنسانية في أوقات الحرب.

الهوامش

[1] ICTY, Furundzija (Trial Chamber), Case no. IT-95-17/1, Judgment, 10 December 1998.
[2] ICTY, Kunarac (Trial Chamber), Case no. IT-96-23 & 23/1, Judgment, 22 February 2001, para. 782.
[3] ICTR, Akayesu (Trial Chamber) Case no. ICTR-94-4-T, Judgment, 2 September 1998, para. 731.
[4] ICTY, Kunarac (Appeals Chamber), Case no. IT-96-23 & 23/1, Judgment, 12 June 2002, para.150; ICTY,Delalić (Trial Chamber) (Celebici Case), Case No. IT-96-21, Judgment, 16 November 1998, para. 495.
[5] ICC, Ntaganda (Appeal Chamber), Case no. ICC-01/04-02/06, Decision on the Jurisdiction of the Court in Respect of Counts 6 and 9, 15 June 2017.

[6] القاعدة 158 الدراسة حول القانون الدولي الإنساني العرفي: «تحقق الدول في جرائم الحرب التي يزعم أنها ارتكبت على يد مواطنيها أو قواتها المسلحة، أو على أراضيها، وتحاكم المشتبه بهم عند الاقتضاء. وتحقق أيضًا في جرائم الحرب الأخرى التي تقع في نطاق اختصاصها وتحاكم المشتبه بهم عند الاقتضاء».

[7] تقدم وحدة الخدمات الاستشارية في مجال القانون الدولي الإنساني باللجنة الدولية المشورة الفنية للدول في ما يتعلق بتدابير التنفيذ على المستوى الوطني.

 

تشغل هيلين دورهام منصب مدير دائرة القانون الدولي والسياسات الإنسانية في اللجنة الدولية منذ 2014، وتتمتع السيدة دورهام بخبرة تتجاوز 20 عامًا في شؤون الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. وقد عملت هيلين قبل ذلك مستشارًا قانونيًّا لدى بعثة اللجنة الدولية في المحيط الهادئ، ورئيس مكتب اللجنة الدولية في أستراليا، إلى جانب وظائف عدة لدى الصليب الأحمر الأسترالي، منها مدير القانون الدولي والشؤون الإستراتيجية والمدير الوطني للقانون الدولي الإنساني. 

تحمل هيلين درجة الدكتوراه في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، وهي زميلة كلية ملبورن للقانون، وشغلت منصب مدير الأبحاث في مركز آسيا والمحيط الهادئ للقانون العسكري. كما أتمت مهام ميدانية لصالح اللجنة الدولية في ميانمار وإقليم آتشيه والفلبين، وشاركت في مباحثات قانونية دولية في نيويورك وروما وجنيف.

نُشر هذا المقال بالإنجليزية في مدونة «القانون الإنساني والسياسات»، وهي إصدار تابع لـ«المجلة الدولية للصليب الأحمر»، وقد نقل أحمد سمير النص إلى اللغة العربية.