تشير الدراسات والبحوث إلى أن نسبة النزاعات المسلحة داخل الدول زادت زيادة ملفت للنظر، إلى حدّ أصبحت معه هذه النزاعات تشكل خطراً على السلم والأمن الدوليين أكبر من النزاعات المسلحة الدولية على حدّ وصف المتخصصين بالقانون الدولي الإنساني.

مع تشعب وتضارب المصالح السياسية للدول، بدأت تظهر للعيان مشكلة التدخل الخارجي في هذه النزاعات الداخلية، وباتت لهذه المسألة آثارها ليس فقط على ما تقوم عليه العلاقات الدولية من مبادئ أساسية وعلى رأسها حظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولكن أيضا في كيفية توصيف هذا النوع من النزاعات التي تنطوي على تدخل خارجي لصالح أحد الأطراف أو لجميع أطراف النزاع، مما نجم عنه ظهور مصطلح “النزاعات المسلحة المدَّولة”، (Internationalized Armed Conflict) وهذا المصطلح قد يكون مصطلحاً واقعياً وفقهياً أكثر من كونه قانونياً لأن القانون الدولي الإنساني لم يتطرق إليه.

ويمكن الإشارة إلى النزاعات المسلحة المدَّولة بأنها تلك النزاعات التي تكون في الأصل داخلية مسلّحة بين أطراف داخليين ولكنها في لحظة ما وفي ظروف معينة تصبح مدوّلة من خلال تدخل خارجي مسلّح واحد أو أكثر، لمساندة أحد أطراف النزاع أو أكثر من طرف، وذلك بهدف التأثير على نتيجة هذا النزاع وتحقيق مصالح سياسية واقتصادية معينة، سواءً أكان هذا التدخل بشكل علني أو مستتر.

ويثير تحديد الطبيعة القانونية للنزاعات المسلحة المدٌّولة مشكلة حقيقية، فهناك صعوبة حقيقية في وصف هذا النزاع وتصنيفه طبقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني. فمن المعلوم أن القانون الدولي الإنساني حدّد في كلّ اتفاقياته-من اِتِّفاقية لاهاي 1907 مروراً باتفاقيات جنيف للعام 1949 وانتهاءً بالبروتوكولين الإضافيين للعام 1977-نوعين من النزاعات المسلحة وهما النزاعات ذات الطابع الدولي (International Armed Conflicts) والنزاعات ذات الطابع غير الدولي (Non-International Armed Conflicts).

الدمار في حلب، 2015. رويترز

وإذا كانت صور النزاعات المسلحة الدولية والداخلية السالفة الذكر لا تثير أية إشكالية، إلا أنّ الحال يختلف بالنسبة إلى النزاعات المسلحة المدٌّولة التي تثور بشأنها بعض الصعوبات، ذلك لأنه لا يمكن تصنيف هذا النزاع ضمن صور النزاعات المسلحة الدولية ولا الداخلية على حد سواء. فأحكام القانون الدولي الإنساني التي تنظم هذين النوعين من النزاعات لا يمكن أن تطبق بسهولة على النزاعات الداخلية التي تنطوي على تدخل أجنبي مسلح. ونتيجة لذلك بقيت هذه المشكلة بدون حلّ جذري في القانون الدولي الإنساني. وبالرغم من الجهود التي بذلها فقهاء القانون الدولي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن هذه الجهود لم تؤت ثمارها.

وهناك نماذج تاريخية لنزاعات مدوّلة كان أساسها وجود نزاعات مسلحة داخلية بين أطراف محليين، ولكنها تعرضت لتدخلات خارجية فأضحى الصراع مدوّلاً. ونعاصر اليوم نزاعات من هذا النوع في العالم وبالتحديد النزاع في سورية والنزاع في أوكرانيا، ومؤخراً يمكن إضافة النزاع في اليمن إلى فئة النزاعات المسلحة المدٌّولة.

مشاكل التوصيف

ومن المؤكد اليوم أن هذه القواعد القانونية تحكم وتغطي آثار النزاعات المسلحة الدولية والداخلية ولا مشكلة قانونية تثار في هذا الصدد، ولكن المشكلة تكمن في الصعوبات التي تواجه تحديد القواعد التي ينبغي تطبيقها على النزاعات المسلحة المدٌّولة. والقواعد الواجبة التطبيق عليها. تكمن الصعوبة في أن النزاع المسلح المدوّل يحتــوي علــى عنصــر أجنبي إلى جانب العنصر الداخلي، مما يشكل نزاعا مسلحا مختلطا، ومن ثم لا يمكن القول بإنه صراع دولــي ولا غير دولي. ولا يقدم القانون الدولي الانساني أي حلول وسط بين القانون المطبق في النزاعات المسلحة الدولية، والقانون المطبق في النزاعات المسلحة غير الدولية.

ويمكن تلخيص أهم المشاكل التي تنجم عن النزاعات المسلحة المدَّولة في النقاط التالية:

أولا: لكــي يطبــق القانون الدولي الإنساني على النزاعات المسلحة المدَّولة، فلا بد من تكييــف قــانوني لهــذا النزاع، واعتباره إما نزاعا مسلحا دوليا تطبق عليه القواعد الخاصة بالنزاعــات المســلحة الدولية، وإما نزاعا مسلحا غير دولي تطبق عليه القواعد الخاصة بالنزاعات المسلحة غيــر الدولية. إلا أن هذه العملية ليست بالأمر السهل دائما وذلك نظرا لغموض وتداخل الأطــراف المشاركة في النزاع المسلح المدوّل، إذ يكون النزاع بين فصائل داخلية متقاتلة وكل فصيل منها مدعوم من دولة أو دول أجنبية أو من قبل مجموعات وأطراف أجنبية، وهذا يعني مواجهات مسلحة بيــن دولــتين أو أكــثر أو بين طرفين مسلحين فأكثر بطريقة غير مباشرة.

ثانيا: هناك مشكلة أخرى تتعلق بالجوانب الداخلية للنزاعات المسلحة المدَّولة، التي تنطوي على عدم مساواة أساسية بين الدولة “الشرعية” التي تتحرك دفاعاً عن نفسها وفصائل المتمردين وبالتالي تسعى الدول المعنية مباشرة إلى إنكار مجرّد وجود قوات متمرّدة أو إمكانية أن تكون لمثل هذه القوات أية حقوق، وهو الأمر الذي يؤثر على القانون الدولي الإنساني المنطبق بين الدولة و”التمرّد المدوّل”.

ثالثا: إن مشكلة توصيف النزاعات المسلحة المدَّولة يُمكن الدول الأجنبية المتدخلة في النزاع من عدم الوفاء بالتزاماتها باحترام أحكام القانون الدولي الإنساني في ظروف النزاع، حيث إنه في ظلّ غياب جهود غير متحيزة مكلفة بمسؤولية تحديد وضع النزاعات المسلحة يبقى المجال متاحا لكل طرف بأن يوصف النزاع لمصلحته.

رابعًا: عدم وجود توصيف دقيق للنزاعات المسلحة المدَّولة والقواعد الواجبة التطبيق عليها، وهو ما يمثل معضلة كبيرة للقضاء المختص بالنظر في الانتهاكات التي تقع أثناء مثل هذا النوع من النزاعات لتحديد مسؤولية مرتكبي الانتهاكات فيها مما يترك باب القياس والتفسير مفتوحاً أمام القضاء في هذه الحالة. ولعل ذلك كان واضحاً في تصدي المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة لهذه المسألة في قضية المتهم دوسكو تاديتش (Duško Tadic). فقد اضطرت المحكمة للبحث في الحيثيات والملابسات والظروف المحيطة بالنزاع في يوغسلافيا، فضلاً عن الرجوع لقضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية للولايات المتحدة في نيكاراغوا عام 1986 للوصول إلى فهم دقيق لطبيعة هذا النزاع.

جهود الخبراء

من كلّ ما تقدم يتوضح لنا حجم المشكلة الناجمة عن غياب توصيف دقيق وقانوني للنزاعات المسلحة المدَّولة وعدم تحديد القواعد المطبقة عليها، مما يطرح تحدى البحث عن حل ممكن لمعالجة هذه المشكلة وعن القانون الواجب التطبيق في هذه الحالة؟

حاولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر التصدي لهذه المشكلة في مؤتمر الخبراء الحكوميين لتطوير القانون الدولي الإنساني العام 1971، فاقترحت على المشاركين اعتماد النص التالي “في حالة النزاع المسلح الداخلي عندما يتلقى أحد الأطراف أو كليهما فوائد ومساعدات من قوات أجنبية توفرها دولة ثالثة، يتعين على أطراف النزاع تطبيق القانون الدولي الإنساني المنطبق على النزاعات المسلحة الدولية”، ورأت اللجنة الدولية أن هذا المقترح إذا ما تمّ قبوله سوف يوفر الحماية لجميع ضحايا النزاعات الداخلية المدَّولة دونما اعتبار للطرف الذي ينتمون إليه ، ولكن المقترح واجه الرفض آنذاك. فقد رأى الخبراء أن إقرار ذلك سيشجع المتمردين على طلب المساعدات الخارجية من أجل تحسين وضعهم القانوني.

ونتيجة لهذا الاعتراض عادت اللجنة لتطرح صيغة معدلة في الدورة الثانية للخبراء الحكوميين العام 1972 بحيث تطبق القواعد الإنسانية في مجملها على النزاع الداخلي إذا كان كلا الطرفان (الحكومة والمتمردين) قد تلقيا الدعم والمساعدة الخارجية. ولا تطبق هذه القواعد إذا كان المتمردون تلقوا المساعدة بمفردهم، ولكن المقترح جوبه بالرفض أيضاً لنفس المبرر السابق على أساس تقوية المركز القانوني للمتمردين، الأمر الذي دفع اللجنة الدولية للصليب الأحمر للتخلي عن سعيها لإدراج النزاعات المسلحة المدَّولة في البروتوكولين الإضافيين للعام 1977.

ن بقاء هذه المشكلة بدون حلول واقعية إلى يومنا هذا ومع وغياب المعالجة الحقيقة لها في القانون الدولي الإنساني يعدّ حالة شاذة وغير مقبولة، لا سيما في ظلّ تصاعد وتنامي النزاعات المسلحة المدَّولة في دول عديدة في العالم كما أشرنا سابقاً وهو ما يتطلب بذل جهود أكثر من الدول من أجل الوصول إلى تنظيم قانوني دولي لهذه النزاعات والقواعد القانونية الواجبة التطبيق عليها في القانون الدولي الإنساني.

وفي ظل غياب الحلول الجوهرية لهذه المعضلة تبقى الحلول الفقهية والقضائية هي البديل لسدّ الفراغ في مثل هذه الأحوال رغم أنها ليست حلولا جازمة نظراً لاختلاف الحالات والظروف المتعلقة بالنزاعات المسلحة المدَّولة من نزاع إلى آخر. فعلى صعيد الفقه، هناك من حاول البحث عن حل لهذه المشكلة من خلال المناداة بتجاوز التمييز القانوني التقليدي بين النزاعات المسلحة الدولية والنزاعات المسلحة الداخلية، وبذلك يكون للقانون الدولي الإنساني كيان موحد يسري بمجرد وجود نزاع مسلح، وإن من شأن هذا الكيان الموحد للقانون الدولي الإنساني الذي يطبق في جميع السياقات أن يهدئ القلق من أن يؤدي السماح للتدخل الأجنبي بتدويل نزاع داخلي إلى خلق حافز للجماعات المتمردة لدعوة هذا التدخل، مما يترتب عليه تصعيد الأعمال العدائية بسرعة كبيرة.

إن أي حافز من هذا النوع مصدره بلا شك التناقض الحاصل بين القانون الذي ينطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وهو تناقض يمكن التخلص منه بإيجاد تعريف واحد للنزاع المسلح يشمل العناصر الدولية وغير الدولية على حدّ السواء، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التردّد السياسي في الاعتراف الصريح بالتدخل العسكري في الحروب الأهلية من قبل الدول الأجنبية لن يكون له التأثير الكبير على القوانين الإنسانية المنطبقة في مثل هذه السياقات لو أن كياناً واحداً يطبق بغض النظر عن اعتراف الدولة بالتورط من عدمه.

أما على صعيد القضاء، فقد حاولت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة بدورها البحث عن مبرّرات لتطبيق القانون الدولي الإنساني على هذا النوع من النزاعات، وذلك بمناسبة تكييفها للنزاع الذي دار في يوغسلافيا العام 1992 إذ قررت المحكمة أن العديد من القواعد المتعلقة بالنزاعات المسلحة الدولية، أصبح من الممكن تطبيقها على النزاعات المسلحة غير الدولية. وأصبحت العديد من المبادئ التي تضمنتها المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربعة للعام 1949، من قواعد القانون العرفي، وبالتالي فإن نص المادة الثالثة من قانون المحكمة الذي يكرر ما ورد في نص المادة الثالثة المشتركة ينطبق على جميع الانتهاكــات الجسيمة للقانون الدولي العرفي، سواء كانت في النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدوليــة وكذلك هو الأمر بالنسبة للجرائم ضد الإنسانية. وقد انتهت المحكمة إلــى أن هنــاك قاعــدة عرفية مستقرة، لا تشترط ارتباط هذا النوع من الجرائم بنوعية النزاع سواء كان دولــيا أو غير دولي.

ولكن لا بد من القول هنا أن ما تقدم من حلول وضعها الفقه أو القضاء ليست حلولا جذرية للمشكلة القائمة، فرأي الفقه غير ملزم للدول، ولا يمكن بناء آثر قانوني عليه ما لم يحظ بموافقة المجتمع الدولي عبر صياغته في نصوص قانونية لمعالجة الموضوع، وحكم القضاء (محكمة يوغسلافيا) كان حلاً وقتياً لنزاع محدّد في أراضي يوغسلافيا السابقة، ولا يمكن تعميم هذه السابقة القضائية على الحالات الأخرى للنزاعات المسلحة المدَّولة. وبناء عليه نرى أن الوقت حان لأن تُعيد اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهودها مرة أخرى من أجل إقناع الدول بضرورة التوصل إلى تنظيم قانوني دولي لمفهوم النزاع المسلح المدوّل والقواعد الواجبة التطبيق عليها.

نُشر هذا المقال في العدد 59 من مجلة «الإنساني»، والآراء الواردة فيه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.