أُرسلتُ مرات عديدة في مهام خلال مسيرتي المهنية في السلك العسكري، وكنت ألاقي في كل مهمة أطفالًا مصابين ومرضى، حتى أن أول مريض عالجته بعد التحاقي بالجيش كان طفلًا بوسنيًّا في كوسوفو. في الواقع، يوضح تقرير الحرب على الأطفال، الصادر عن منظمة «أنقذوا الأطفال» (Save the Children)، أن واحدًا من بين كل ستة أطفال في العالم يعيش في منطقة نزاع أو بالقرب منها، وبالتالي يتعرض يوميًّا لخطر القتل أو التشويه. لا تقدم نتائج التقرير أي مفاجأة بالنسبة لمن عملوا في طواقم طبية عسكرية ومتخصصين في طب الأطفال، فخلال جولاتي المتعددة في أفغانستان والعراق صادفت أطفالًا مصابين بأخطر إصابات رأيتها في حياتي. وصادفت حالات عديدة نجمت عن طاقة انفجارية كبيرة وإصابات رضحية نافذة. وكنت مسؤولًا عن إسعافها وتقديم العلاج الطارئ لها. بالإضافة إلى ذلك، توليت مسؤولية الإشراف العام على جميع خدمات رعاية الأطفال في مركز باستيون الطبي في أفغانستان.  وأعتقد أني اكتسبت بالفعل خبرة عريضة في إصابات الأطفال الرضحية الشديدة. والسؤال الذي يراودني أنا وآخرين هو: ماذا يسعنا أن نفعل للاستعداد بشكل أمثل لعلاج الأطفال المصابين بهذه الحالات في المستقبل؟

مسار الرعاية والنافذة العاطفية

تقوم رعاية الأطفال المُثلى بالنسبة لي على التواصل والتنسيق. يعني هذا اتباع مسار الرعاية من موقع حدوث الإصابة – إذ تكتسب الاستجابة الأولية أهمية حيوية في إنقاذ الأرواح – إلى الإنعاش والجراحة، مرورًا برعاية ما بعد الجراحة وإعادة التأهيل وما بعد ذلك. أعمل في أحد المراكز الرئيسية لإصابات الأطفال الرضحية التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) البريطانية، وهذه هي المبادئ التي أطبقها اليوم.

من المهم أيضًا فهم مدى صعوبة تقديم الأفراد المكلفين بالعلاج الرعاية للأطفال المصابين، فعلاج الأطفال قد يشكل عبئًا نفسيًّا هائلًا. يتحدث أطباء الأطفال عن «النافذة العاطفية» (Emotional window): أي عندما يعالج اختصاصي طفلًا، ولسبب ما، ينشأ إحساس غريزي وعميق يربط بشكل مباشر بين الطفل المصاب وابنه. وهذا الرابط المفاجئ، الذي يخلط الجانب الوظيفي للطبيب بالجانب الشخصي كونه أبًا، يزيد التأثر العاطفي ويضاعف الإحساس بالتعاطف نحو المرضى وإصاباتهم. وقد يمثل هذا تحديًا يؤثر على الثقة، حتى لدى أكثر أطباء الأطفال تمرسًا. لذا، يُعد الاعتراف بهذا الأمر والمضي قدمًا إلى المرحلة التالية من مسار الرعاية جانبًا مهمًّا من النهج الواجب اتباعه من الجميع في هذا العمل.

يستعيد ذهني بقوة ذكرى معينة حول هذا الأمر، فقد كنت عائدًا إلى كامب باستيون خلال جولتي الميدانية الثالثة في أفغانستان وتوليت للتو المسؤولية عن قسم الطوارئ. تلقينا تنبيهًا مسبقًا بوجود طفلة مصابة بإصابات بالغة، وكنا على أهبة الاستعداد لاستقبال أول حالة إصابات رضحية في تلك الجولة. وصلت الطفلة، واتضح من الوهلة الأولى أنها تعاني إصابات مدمرة، فقد فقدت ثلاثة من أطرافها. وعندما كنا نفحصها، أدركت فجأة أنها في نفس حجم ابنتي، التي كانت تبلغ في ذلك الوقت تسع سنوات، ولها لون الشعر نفسه. تدفقت الذكريات العائلية إلى رأسي، واختلطت بغتة بما يغمرني من أصوات وروائح وانفعالات سببتها الإصابات الناجمة عن الانفجار. وكان من الممكن أن يسيطر عليَّ هذا الطوفان العاطفي. لكن تذكرت حينئذ أن هذه الطفلة ربما لو أصيبت خلال جولتي الأولى قبل بضع سنوات، فربما لم تكن لتنجو، بل ربما لم نكن لنحاول علاجها. لكن الخبرة العملية، التي اكتسبناها من خلال أنظمة علاج الإصابات الرضحية منذ ذلك الوقت، كان لها الفضل في نجاة هذه الطفلة وعودتها إلى أسرتها. كثيرًا ما أفكر في هذه الطفلة وكيف تعيش حياتها الآن. ربما نفترض بالبديهة أن أفغانستان ليست مكانًا مناسبًا ليحيا فيه شخص مبتور الطرف، ناهيك عن بتر ثلاثي، لكن وجود مثل هذه الحالات معتاد في البلاد، وآمل أن تكون قد مضت قدمًا في حياتها.

طفل أفغاني في مركز اللجنة الدولية لتقويم العظام في كابول. الصورة بتاريخ 6 نيسان/ أبريل 2016. تصوير: عمر شامشاد (SHAMSHAD, Omar).

ما الذي يحمله المستقبل لرعاية الأطفال المصابين في النزاعات؟

هذا سؤال صعب. عندما كنت أخدم في السلك العسكري، فعلت كل ما بوسعي لمساعدة الأطفال، وحققت نجاحًا بدرجات متفاوتة. لكن أطباء الأطفال لا يتلقون دعمًا لتخصصهم من وزارة الدفاع البريطانية. ورغم ذلك تتصاعد أصوات داخل الدوائر الطبية والعسكرية اعترافًا بالحاجة إلى تحسين درجة الاستعداد لعلاج الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة. ولا يستند هذا فقط إلى رغبة عميقة في مساعدة ضحايا الحروب هؤلاء، لكن أيضًا إلى الخبرة والدروس التي استفدناها من كل هؤلاء الأطفال المصابين الشجعان.

والأهم من ذلك أننا أدركنا أن الأنظمة القائمة لعلاج الإصابات الرضحية والرعاية، يمكن تكييفها بسهولة لتحقيق نتائج مثمرة في علاج الأطفال، حتى في أصعب الظروف. فلا يلزم أن يتولى أطباء أطفال بالخصوص علاج الأطفال، لكن يلزم إعطاء إرشادات نوعية وعملية للأطباء غير المتخصصين في طب الأطفال، ممن يجدون أنفسهم في مواقف تستدعي علاج أطفال مصابين. فقد تعود أقل مساعدة في هذه الحالات بفائدة عظيمة، وأحيانًا ما تشكل فارقًا بين الحياة والموت.

شراكة جديدة في مجال إصابات الأطفال الناجمة عن انفجارات

لأنني أومن بقدرتنا على تقديم أفضل رعاية ممكنة للأطفال من ضحايا النزاعات، أشارك الآن في قيادة مبادرة الشراكة بشأن إصابات الأطفال الناجمة عن انفجارات (PBI) بين منظمة إنقاذ الطفولة ومركز دراسات إصابات الانفجارات التابع لكلية لندن الملكية. وتُعتبر المبادرة شراكة بين خبراء ومؤسسات تكرس جهودها لتحسين الاستجابة لحالات الأطفال المصابين بإصابات خطيرة ناجمة عن أسلحة متفجرة أينما كانوا، فنحن نرغب في سد الفجوات في الممارسة العملية وفي البحث الأكاديمي.  وكما أدركت خلال فترة خدمتي في أفغانستان، تتطلب رعاية هذه الحالات نوعًا من التواصل والتعاون بين جميع المتعاملين مع هذه الإصابات، التي تستمر مع المصاب أحيانًا طيلة حياته. وبالتالي يتمثل أحد الأهداف الرئيسية في زيادة الوعي بالطبيعة المعقدة لإصابات الأطفال الناجمة عن انفجارات، والآثار طويلة الأجل التي تخلفها. وهذه هي أول منظمة في العالم تركز تركيزًا خاصًّا على التحديات التي تفرضها إصابات الأطفال الرضحية الناجمة عن انفجارات. ولهذه الشراكة أهمية حيوية إذا كنا نطمح إلى تحسين النتائج العلاجية، وألا تذهب الخبرات التي اكتسبناها هباءً.

كتاب صغير: الدليل الميداني لمبادرة PBI

عندما تشكلت الشراكة، اجتمعت آراؤنا على حاجتنا إلى تحقيق تقدم وإحداث فارق في أسرع وقت. لذلك قررنا، بالإضافة إلى التفكير الاستراتيجي الجماعي في المشكلة، أن ننفذ مهمة عملية. وخلال حلقة العمل الافتتاحية في كانون الأول/ ديسمبر 2017، ألقى مالك نديم الدين من منظمة إغاثة سورية Syria Relief حديثًا مؤثرًا، ولكنه عملي في الوقت ذاته، عما احتاج إليه لتسهيل مهمة العاملين الطبيين أمثاله في علاج الأطفال ذوي الإصابات الناجمة عن انفجارات في شمالي سورية.  وعند نقطة معينة، قال: «احتجت فقط إلى كتاب صغير لأعطيه للأطباء حتى يتعلموا كيفية مواءمة ما تعلموا لعلاج البالغين، بحيث يناسب الأطفال، كتاب صغير فحسب».

لذلك قررنا في مشروعنا الأول ضمن إطار الشراكة أن نؤلف «كتابًا صغيرًا» – كدليل ميداني – لفائدة مالك وأي شخص آخر يعمل في مناطق النزاع والمناطق الخارجة من نزاعات، ليكون عونًا لهم في علاج الأطفال ذوي الإصابات الناجمة عن انفجار. سيكون هذا الدليل الميداني بمثابة إطار عملي لتمكين أطباء الأطفال ممن ليست لديهم خبرة في الإصابات الرضحية، أو أطباء الإصابات الرضحية ممن ليست لديهم خبرة في طب الأطفال، من تهيئة الرعاية المقدمة لتلائم الأطفال ذوي الإصابات الناجمة عن انفجار. سيحول هذا الدليل الأعمال الحدسية إلى مهارات قابلة للنقل بين شخص وآخر حين تمس الحاجة إليها، وسيتابع مسار الرعاية بدءًا من موقع الإصابة حتى إعادة التأهيل وما يليها. وسيمكِّن الأطباء من رعاية الأطفال ذوي الإصابات البالغة، حيث سيوفر لهم بعض الإرشادات ويمنحهم قدرًا من الثقة، فما يقدمونه هو أفضل مستوى ممكن من الرعاية. كما سيمكِّن من تحقيق التواصل والتعاون بين الأفراد، وسيتناول الاحتياجات البدنية والنفسية للطفل، ويشجع مقدمي الرعاية على الاهتمام بالطفل ككل وليس بإصابته فحسب.

ولأننا لا نريد أن يتحول الكتاب إلى مرجع يقبع في طي النسيان على الأرفف، أولينا اهتمامًا خاصًّا بأن يخرج الكتاب بصيغة واضحة، ويكون سهل الحمل ومتينًا وصالحًا للاستعمال في الأوضاع الميدانية. وقد وصف القائم على الطباعة الكتاب بإيجاز قائلًا: «سيكون متينًا وسهل الاستخدام». كما لم ننسَ أيضًا الاحتياجات العاطفية المطلوبة للأشخاص الذين سيستخدمون الكتاب. لذلك اعتزمنا أن يعطي الكتاب الثقة للعاملين في مجال الرعاية الصحية، ويساعدهم في التغلب على الجزع الشديد الذي قد يشل قدرتهم على اتخاذ القرارات عندما يتعاملون مع طفل مصاب على أرض الواقع.

ليست تلك مهمة سهلة، لكن تحضرني هنا ذكرى أخرى من أفغانستان، تعطي جرعة من الأمل. فقد استقبل قسم الطوارئ طفلًا مصابًا بسكتة قلبية نتجت عن إصابة في الصدر وفقدان للدم. ما زال بعض الأطباء يعتقدون أن مثل هذه الحالات غير مكتوب لها النجاة. لكن بعد مرور خمسة أيام، كان الطفل يركل كرة راكضًا بها في الجناح. علاج السكتة القلبية الرضحية هو أعلى ذرى النجاح بالنسبة إلى فريق الإصابات الرضحية. ويغمر هذا النوع من النجاح الفريق ويعطيه دفعة حماسية لأيام في ظل الأجواء القاتمة التي تسببها الحرب. ونحن مدينون لهذا الطفل ولغيره من الأطفال الرائعين الذين يناضلون للنجاة من أهوال الحرب اليوم وغدًا.

**

يعمل «بول ريفلي» الآن استشاريًّا بدوام كامل لدى هيئة الخدمات الصحية البريطانية في مستشفى بريستول الملكي ومستشفى بريستول الملكي للأطفال. وهو رئيس شعبة طب الطوارئ بالجمعية الملكية للطب واستشاري طب طوارئ الأطفال. كما خدم كضابط طبيب في الجيش البريطاني لمدة 18 عامًا. وهو من مؤسسي مبادرة الشراكة بشأن إصابات الأطفال الناجمة عن انفجارات، ومدير مشروع الدليل الميداني لإصابات الأطفال الناجمة عن انفجارات. يهوى «بول» في أوقات الفراغ صنع المخبوزات، وبخاصة الخبز المخمر، وهو درس آخر تعلمه في أفغانستان، فتحضير الخبز الطازج وتناوله مع الزملاء كان تجربة رائعة عمقت الروابط بين أفراد الفريق. وكما هي الحال مع رعاية الإصابات الرضحية، صنع خبز شهي إنجاز يولد لديه إحساسًا عميقًا بالرضا.

**

نُشر هذا المقال بالإنجليزية في مدونة «القانون الإنساني والسياسات»، وهي إصدار تابع لـ«المجلة الدولية للصليب الأحمر»، وقد نقل أحمد سمير النص إلى اللغة العربية.
ملحوظة: لا يجوز أن تُحمل المنشورات والنقاشات في مدونة «القانون الإنساني والسياسات» على أنها تعبر عن مواقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأيِّ حال، ولا يبلغ محتوى المدونة مستوى السياسات الرسمية أو المبدأ ما لم يشر إلى ذلك صراحةً على وجه الخصوص.