طوع الفلسطينيون الجبال وجعلوا من سفوحها مدرجات ينثرون عليها بيوتهم من الوديان وصولا لقممها. في طريقك من مدينة رام الله في الضفة الغربية وأنت تقطع الطريق الضيق الملتف بثلاثة كيلو مترات باتجاه الشرق تطل عليك بيوت قرية برقا الصغيرة التي يقطنها 2400 فلسطيني، وعلى مدرجات سفح الجبل تقابل الرعاة وقطعان الخراف وتستنشق هواء الحقول الزراعية ورائحة أشجار السرو المنتشرة في الأرجاء.

لا تحتاج أن تطيل النظر لتدرك وجود المستوطنات الإسرائيلية التي تحيطها من كل الجوانب وتجعل من هذه القرية الصغيرة الرعوية الهادئة بقعة معزولة تماما عن محيطها. أدى التوسع الاستيطاني في المناطق القريبة إلى عواقب إنسانية وخيمة على السكان الذين يعيشون في برقا والذين يواجهون قيودا مفروضة على حرية الحركة، ما صعب عليهم الوصول للأراضي الزراعية، هذا علاوة على تحديات عصيبة أخرى. كل ذلك قوض النسيج الاجتماعي والاقتصادي للتجمعات التي تعيش في الأراضي المحتلة.

نظام معطان، من سكان القرية، وأحد المتضررين بسبب الإغلاق المحكم للمدخل الرئيسي للبلدة وتضييق المراعي امام أصحاب المواشي وإلحاق الضرر بالمحاصيل. روى معطان العديد من المشاكل التي يواجها منذ العام 2001 عندما أغلقت السلطات الإسرائيلية المدخل الرئيس للقرية ما حرم المواطنين من التواصل الجغرافي مع المدينة بسهولة. أصبحت المدة الزمنية للوصول إلى رام الله وهي المدينة الأقرب للقرية 45 دقيقة بدلا من 10 دقائق.

ومع مرور الوقت واستمرار المضايقات اليومية المستمرة منذ نحو عقدين من الزمن، اضطر معطان لبيع بعض من أغنامه بسبب قلة المراعي وغلاء الأعلاف. أبقى بعض الأغنام لديه للحفاظ على مصدر الرزق الوحيد له ولعائلته. «لم نعد نحتمل المزيد، استمرار هذه الأوضاع أنهكنا. ليس أمامنا خيار سوى الصمود أمام هذا الواقع الأليم ولكن إلى متى؟، لا يلوح في الأفق ما يعطينا ولو بارقة أمل واحدة بأن تغييرا ما سيحدث». أطلق معطان صوتًا فعادت الخراف حوله بينما استمر في حديثه الشجي: «لا أحد يشعر بنا هنا، وكأن القوانين وضعت واستثنت برقا، حين يضطر أحدنا لبيع أغنامه يشعر وكأنه يتخلى عن أحد أبنائه، نحاول البحث عن مصدر رزق اخر ولكن العين بصيرة واليد قصيرة».

حين ينفد صبر مَن مهنته الصبر، ندرك أنه وصل لوضع لا رجعة فيه، صوت الناي الذي يرافق الرعاة وحده من لا يعرف الحواجز، يسمع جليا في المراعي ويتلاشى رويدا رويدا كلما اقتربت من صخب المدينة.