كلَّت قدما الرجل الضئيل جيئة وذهابًا وهو يحمل قدرًا كبيرة فارغة. كان ينقرها بين حين وآخر تعبيرًا عن قلقه، ثم يشب على قدميه محاولًا أن يستطلع الشارع فيما وراء باب المخيم. كانت زوجته ترقد داخل خيمة قريبة تحتضن وليدهما الثالث الذي وضعته ليلة البارحة، وقد دخل عليها قبل قليل فوجدها محمومة، لكنه خشي أن يفارق مكانه لإحضار طبيب المخيم لئلا تفوته سيارة الوكالة التي تأخرت عن موعدها شهرًا كاملًا، واكتفى بأن دلق شيئًا من الماء على وجه زوجته وربت على كتفها وخرج يتخذ مكانه خارج الخيمة. ومن حيث يقف كان يرى نساء وأطفال ورجال المخيم يحملون قدورًا وأكياسًا من القماش وهم يدورون حول أنفسهم وحول بعضهم متحفزين للانقضاض. 

التقت عيناه بعيني جارته وكانت تربض على حجر قرب باب خيمتها فرفعت يدها تحييه ثم وقفت وبدا عليها التردد، لكنها حسمت أمرها وتقدمت منه وهي تضع قدرًا مقلوبة على رأسها وبادرته:

– كيف حال زوجتك؟

وأشار إلى الخيمة وقال:

– مريضة والله.

تركت المرأة القدر على الأرض وأحنت رأسها وهي تدخل.. ثم خرجت بعد لحظات قائلة:

– لا بد أن يراها الطبيب

– ولكني كما ترين مشغول

– ابعث أحد ولديك

وتلفت الرجل حوله وقال يائسًا:

– لا أجد أحدًا منهما

قالت المرأة وهي تلتقط قدرها:

– لا بد أنهما انضما إلى الأولاد الآخرين الذين ينتظرون السيارة على باب المخيم

– لقد تأخرت كثيرًا. أتظنين أنها لن تأتي هذه المرة أيضًا؟

ووضعت المرأة القدر على رأسها وتخصرت وهي تقول:

– هذه المرة أيضًا؟ وهل يتركوننا جوعى؟ على أية حال سمعت أن القتال توقف والطريق مفتوح

ثم أردفت وهي تمضي:

– لا تحمل همًا.. سوف آتي لأجلس مع زوجتك بعد أن نأخذ الحصة إن شاء الله.

وقبل أن تصل إلى خيمتها التقطت أذناها ضجيجًا وهتافًا عند باب المخيم، فالتفتت إلى الرجل وصاحت وهي تجري (جاء الفرج).

وانطلق الرجل في إثرها، واختلط بجموع الراكضين الذين أحاطوا سيارة نقل مغطاة أخذت تشق طريقها بصعوبة وسط الناس في حين تسلق مؤخرتها عشرات الأولاد.

داخل السيارة تكومت تلال بيضاء من أكياس الدقيق مطبوع عليها باللون الأزرق حروف اسم وكالة الغوث.. تلال امتطاها الصبيان وأخذ بعضهم يعالج الأكياس بأسنانه عله يفتح فيها ثغرة.. وفيما هم يكافحون لحفظ توازنهم فوق أكوام الدقيق أحسوا بلسع عصي صغيرة يحملها رجال الوكالة وقد تمكنوا من صعود مؤخرة السيارة.. وسرعان ما كان الأولاد يتساقطون خارجها مثل الذباب بين سيقان الجمع الغفير الذي ترتفع منه غابات من أياد نافذة الصبر تلوح بقدور مسودة الحواف وأكياس من ورق وقماش.

وتدحرج أحد الصبية على الرجل الصغير فزحزحه من مكانه، فما كان من الرجل إلا أن أمسك به من كتفه وركله بكل قوته، فانحنى الولد صارخًا ثم التفت إلى الرجل وهجم عليه بيدين مضمومتين يضربه في بطنه وفخذيه والرجل يصفعه على وجهه وصدغيه حتى سمع شهقة من الصبي وهو يهتف:

– هذا أنا يا أبي
وتوقف الرجل ونظر بحدة في وجه الولد وقد بيضه الدقيق الذي تمرغ فيه منذ قليل.. وصاح الرجل في غضب:
– اذهب إلى الخيمة.. لعنة الله عليك
قال الولد وهو يضع يده في جيبه ويخرجها بحفنة دقيق يضعها بسرعة في القدر التي يحملها أبوه ثم يرشق يده مرة أخرى في جيب آخر ويغرف حفنة ثانية.. ولكن قبل أن يرميها في القدر اهتزت يده بضربة مفاجئة فتناثر الدقيق على الأرض.. وكانت جارتهم تقف متحفزة بعد أن لطت يده وقالت بتشف للرجل:
– هذا فعلك إذن لتحصل على أكثر من حصتك؟
نقل الرجل عينيه مبهوتًا بين الدقيق المختلط بالتراب ووجه المرأة فغلى دمه.. رمى القدر على الأرض ودفع المرأة بكل قوته وفيما هي تتهاوى على الجمع المتدافع خلفها أمسك بها الرجل فأطاح بغطاء رأسها فصرخت المرأة وأشرعت يديها لتمسك بتلابيبه ولكنها في تلك اللحظة سمعت انطلاق صفارة قصيرة وصوتًا حادًا يقول بحزم (صف)، وأشار رجال الوكالة بعصيهم القصيرة (قفوا صفًا منتظمًا). فأحكمت المرأة غطاء رأسها.. والتقط الرجل الضئيل قدره من الأرض وأسرع يتخذ مكانه في الصف وراءها.
واحد وراء واحد.. تعثر الرجال خلف بعضهم..
نقلت النساء ثقل أجسادهن من قدم لأخرى..
التمعت الشمس على وجه الصغار وهم يقفون بصبر اعتادوا عليه.
تصبب العرق من الأصداغ وسال حتى الآباط والظهور. واحد وراء واحد.
صف طويل حلزوني.. يتحرك ببطء.. يقف هنيهة.. ترتفع القدور وتهبط.. ينتظر.. يتحرك.. يقف.. ترتفع القدور وتهبط.. صف طويل حلزوني..
تتوسط الشمس السماء.. يتحرك الصف ببطء.. يقف.. ينتظر.. ترتفع القدور وتهبط.. تغرب الشمس على صف طويل حلزوني من بشر يزحف.. يقف.. ينتظر.

بثينة الناصري أدبية عراقية أصدرت باكورة أعمالها القصصية في بغداد العام 1974. وقد نُشر هذا النص في العدد الثالث عشر من مجلة «الإنساني» الصادر في تِـشْرِين الثاني/ نوفمبر- كانون الأول/ يناير 2000.