نُشر هذا المقال في العدد الخامس من مجلة «الإنساني» الصادر في تموز/ يوليو 1999 (أي قبل دخول النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيز النفاذ).

العلاقة بين القاعدة القانونية ومخالفتها كالعلاقة بين الصحة والمرض، فكما تعتري الأسقام ظاهر الإنسان وباطنه، لا تسلم القوانين من الانتهاكات، وينسحب هذا القول على القانون سواء كان داخليًا أم دوليًا، مدنيًا أم عسكريًا.

وكما يحرص الإنسان على حماية الصحة من الأمراض والأوبئة، تحرص المجتمعات، مؤسسات وأفراد، على احترام القانون، إذ يمثل الإخلال به تهديدًا للعلاقات الاجتماعية واختلالًا للتوازن الذي يقوم عليه أي تنظيم اجتماعي، وهذا ما يدعو واضعي القانون إلى التفكير في ضمانات احترامه قبل كل شيء، ويبقى العبء الأكبر على كاهل من تُناط به مهمة تطبيق القانون وتنفيذه.

وإذا تأملنا استعارة النقيضين الصحة والمرض، فسنرى أن خطر المرض على الصحة يتفاوت من حالة إلى أخرى، فإذا كان بسيطًا فإن علاجه قد لا يقتضي اللجوء إلى طبيب، أما إذا استفحل الداء فإنه قد يودي بحياة الإنسان ولن ينفع المداوي ولا الدواء. وهكذا شأن القانون، فإن ظاهرة مخالفته، وإن كانت ملازمة له، لا يجب أن تبلغ حد القضاء عليه بأن تجعله مجرد أحكام جامدة عديمة الجدوى، وكلما كانت الحالات التي يعالجها القانون معقدة، كانت الحاجة إلى مراعاة أحكامه أكبر، فإذا “سبق السيف العذل” وأفضى خرق القانون إلى أضرار بالغة، فإن أرقى نظم العدالة لن تقدر على رد الأمور إلى نصابها، لكن هذا لا يبرر بأي وجه من الوجوه السكوت أو التغاضي عن الجرائم وإفلات مرتكبيها من العقاب. وقد يتراءى للبعض أن الحرب والقانون نقيضان لا يلتقيان وأن الحديث عن القانون والحرب قائمة ضرب من الخيال وأن إلحاق الضرر بالعدو لا حدود له.

أيًا كان الموقف من الحرب، وأيًا كانت دوافعها ومبرراتها، فما هي إلا ظاهرة اجتماعية تنشأ عنها علاقات غير التي نعرفها زمن السلم، ويمتد القانون إلى تلك العلاقات داخل أي من أطراف النزاع، من جهة، وبين مختلف الأطراف من جهة أخرى. وما من دولة تخوض حربًا داخلية أو تشتبك في نزاع دولي إلا وتتخذ سلطاتها إجراءات قانونية مختلفة لتنظيم الأوضاع الاستثنائية التي يفرزها النزاع وتطالب الخصم بالتقيد بالأحكام الدولية المتعلقة بالنزاعات المسلحة، وخاصة المحظورات الواردة في تلك الأحكام والتي يتيح خرقها للأطراف المتحاربة فرص تبادل الاتهامات وإلقاء المسؤولية على الخصم، ويندر أن يعترف طرف ما بالجرائم المنسوبة إلى جيوشه، بل تراه مدافعًا عنها، مستنكرًا التهم الموجهة إليها، ملتمسًا كل مسوغات سلوكها ومبرراته إلا أن إنكار حدوث الانتهاكات الذي تتمسك به أطراف النزاع لا يمكن أن ينفي الواقع أو يخفي الحقائق المؤلمة وإن كانت لا تكشف إلا بعد فوات الأوان وربما بعد سنوات أو عقود من ارتكاب الجرائم، فكيف يعالج “قانون الحرب” هذا الواقع؟

لا بد من أن نوضح للقارئ أننا بصدد الحديث هنا عن جزء من أحكام القانون الدولي تعرف اليوم بالقانون الدولي الإنساني، ونحن نفضل استعمال هذا المصطلح على ما سواه من عبارات مثل “قانون الحرب” أو “قانون النزاعات المسلحة”، لأن الهدف الأسمى الذي يقوم عليه القانون الدولي الإنساني يتمثل في حماية غير المقاتلين والممتلكات المدنية وحفظ كرامة الإنسان زمن الحرب، وهو مدون بالخصوص في اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977 إلى جانب مواثيق أخرى تتعلق بحظر استخدام بعض وسائل القتال وأساليبه أو تقييد استخدامها. وعندما نتحدث عن “قانون” فإننا نعني قواعد ملزمة للأطراف التي صادقت عليها، ومن الخطأ اعتبار القانون الدولي مجرد أحكام غير ملزمة تستعملها الدول حسب هواها، وقد يكون مرد هذا الخطأ عدم وجود “سلطة دولية عامة” تكفل احترام القانون كما هو الشأن داخل كل دولة على حدة، أضف إلى ذلك تفاوت علاقات القوة بين الدول؛ وهذه نظرة من اليسير الرد عليها لأنها تهمل الفروق الجوهرية بين المجتمع الداخلي والمجتمع الدولي ودور القانون الدولي في تنظيم العلاقات الدولية بشكل عام.

والمهم أن القانون الدولي الإنساني لم يغفل شأن المسؤولية المترتبة على خرق أحكامه وحدد فئتين من الانتهاكات هما “الانتهاكات الجسيمة”، ووردت على سبيل الحصر في الاتفاقيات الأربع والبروتوكول الإضافي الأول (وهي المواثيق المطبقة في النزاعات المسلحة الدولية) وبقية “الانتهاكات” التي لا حصر لها. وتعتبر الفئة الأولى جزءًا من جرائم الحرب، وأوكلت المعاهدات المذكورة إلى كل دولة متعاقدة مهمة ملاحقة مرتكبيها ومحاكمتهم من قبل محاكمها الوطنية أو تسليمهم إلى دولة متعاقدة أخرى معنية بمحاكمتهم، وأوجبت على الدول المتعاقدة اتخاذ التشريعات الوطنية لتحديد العقوبات الواجب تطبيقها على المجرمين ومن في حكمهم. أما عن بقية الانتهاكات فإن مواثيق القانون الإنساني ألزمت الدول بالمبادرة إلى وضع حد لها من خلال اتخاذ التدابير اللازمة.

وهكذا، فإن اتفاقيات جنيف كرست مبدأ الاختصاص الجزائي الشامل أو العالمي في ما يخص جرائم الحرب التي نصت عليها ولم تقفل باب البحث عن تشكيل محكمة جنائية دولية جرى الحديث عنها منذ أواخر القرن الماضي ولم ينته فصولًا حتى بعد إبرام معاهدة النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في أواخر هذا القرن (روما 17/7/1998)، وليس من المبالغة القول إن هذا الإنجاز القانوني الدولي إنما عجلت بتحقيقه النزاعات الحديثة وما تخللها من جرائم وفظائع مثلما حدث في حروب يوغوسلافيا السابقة ورواندا، ولا يعني هذا أن الحروب الأخرى دارت دون ارتكاب جرائم لا تقل فظاعة وشناعة وبشاعة.

وكما هو معلوم، فإن إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (وهي لم تشكل بعد) قد سبقته خطوات أخرى هامة أبرزها إنشاء محكمتي يوغوسلافيا السابقة ورواندا، بقرارين لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتمتد صلاحية الأولى إلى انتهاكات القانون الدولي الإنساني الجسيمة في يوغوسلافيا السابقة منذ مطلع العام 1991 حتى أجل غير مسمى، وهذا ما أفسح لها المجال للقيام بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في إقليم كوسوفو وتوجيه تهم محددة أبرزها تلك التي طالت رؤوس القادة اليوغوسلافية في 27 مايو الماضي. أما محكمة رواندا فإنها تنظر في الجرائم المرتكبة خلال النزاع المسلح الذي عصف بهذا البلد الأفريقي، وإطارها الزمني يقتصر على العام 1994. ومن الملفت للانتباه أن جرائم الحرب تقع الآن تحت طائلة العقاب بصرف النظر عن طبيعة النزاع المسلح، أي سواء كان دوليًا أم داخليًا.

ومن المبادئ المستقرة في القانون الجنائي الدولي أن جرائم الحرب لا تسقط بمرور الزمن أو التقادم وأن الصفة الرسمية لا يعتد بها للإعفاء من المسؤولية الجنائية، فإذا ثبت تورط رئيس دولة أو حكومة أو أي مسؤول آخر في ارتكاب جرائم حرب أو الأمر بارتكابها فإنه يلاحق قضائيًا، والمبدآن المذكوران يطبقان على سائر الجرائم الدولية (الجرائم ضد الإنسانية، جريمة الإبادة، جرائم الحرب، جريمة العدوان حسب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية).

وتظل أحكام اتفاقيات جنيف المتصلة بمعاقبة مجرمي الحرب سارية المفعول، حتى بعد إنشاء محكمة دولية جنائية دائمة أو خاصة، وكما ألمحنا إلى ذلك، فإن وضع تلك الأحكام موضع التنفيذ يقتضي تكاملًا بينها وبين التشريعات الوطنية، فتحديد العقوبة المناسبة لكل جريمة من الجرائم الواردة في مواثيق القانون الدولي الإنساني يعود أمره إلى المشرع الوطني سواء في إطار التشريعات القائمة كقانون العقوبات بشقيه العام والعسكري أو قانون مستقل.

والهدف من أحكام القانون الدولي الإنساني ذات الصلة ليس الانتقام وإذكاء نار الحقد وإنما توفير الحد الأدنى من العدالة استنادًا إلى الضوابط والحدود التي يجب على المتحاربين الوقوف عندها، ولا يخفى على كل ذي بصيرة الجانب الوقائي في معاقبة الجناة والمشاركين في ارتكاب جرائم الحرب، وقد يتساءل البعض عن جدوى هذا الكلام في وقت ترتكب فيه أبشع الجرائم في حرب كوسوفو وكأن مرتكبيها لا يعيرون اهتمامًا لأي محاكم جنائية دولية وخاصة محكمة يوغوسلافيا السابقة، لكن مثل هذا التساؤل لا يمكن أن يحول دون البحث عن اتخاذ أنجح السبل لوقف انتهاكات القارة أينما كانت ومهما تكن صفة مرتكبيها والدول التي ينتمون إليها، ومن حق ضحايا جرائم الحرب وذويهم الذود عن حفظ كرامتهم من خلال المطالبة بمعاقبة الجناة، ذلك أن المبادئ التي يقوم عليها القانون الإنساني لا يمكن أن تستبعد مقتضيات العدالة وهي لا تتحقق إلا بملاحقة مرتكبي الانتهاكات ومساءلتهم على ما اقترفوه.