تظل الحرب دائمًا سببًا رئيسًا لهجرة السكان ونزوحهم بأعداد ضخمة. وقد أسهم التغير الجذري الذي طرأ على طبيعة النزاعات في توسيع نطاق الأضرار الناجمة عن الحروب في هذا الصدد ولا سيما انتشار الحروب الداخلية التي تندلع لأسباب عرقية أو دينية والتي تحول فيها ترحيل السكان من ديارهم إلى هدف من أهداف الحرب وليس مجرد نتيجة من نتائجها.

قبل أكثر من سبعين عامًا، قدمت «رينيه مارغريت كريمر» (Renee-Marguerie Frick-Cramer) وصفًا مؤثرًا لمشهد أزمة اللاجئين المرعبة في القارة الأوروبية بفعل الحرب العالمية الثانية. كتبت كريمر «يتفرق الآباء والأطفال والأزواج والزوجات والأشقاء والشقيقات عن بعضهم البعض، شأنهم شأن أوراق الأشجار قبل أن تعصف بها الرياح في فصل الخريف، وتسوقهم الأقدار إلى مشارق الأرض ومغاربها دون أن يحدوهم أدنى أمل في أن يجمعهم لقاءٌ جديد وسط هذه الفوضى العارمة». نشرت كريمر هذه الكلمات في العام 1944، وبعدها بفترة وجيزة وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

حينئذ، ذكرت إحصاءات أن قرابة ثلاثين مليون شخص فروا من ديارهم بسبب الحرب. وإذا أضفنا إلى هذا الرقم أسرى الحرب الذين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم لأسباب سياسية بالإضافة إلى المعتقلين المدنيين والمرحلين من بلدانهم وعمال السخرة ومن كتبت لهم النجاة من أهوال معسكرات الاعتقال النازية، سنجد أن العدد يفوق الخمسين مليون شخص، ما بين مشرد بسبب القتال الطاحن أو مكرهٍ على الفرار أو مدفوعٍ بالذعر أو واقعٍ في الأسْر. ولم يُكتب لحوالي نصف هذا العدد أن يرى موطنه مرة أخرى.

نستعيد هذه الأيام مشاهد مماثلة. فقد رأينا جميعًا الصور التي تُعتصر لها القلوب للاجئين سوريين معدمين لا يملكون من حطام الدنيا شيئًا، تتلاطمهم أمواج المجهول قبالة سواحل أوروبا. ولا ينبغي أن تبقى قلوبنا متحجرة ونحن ننظر إلى المعاناة التي يكابدونها، وليس لنا أن نغض الطرف عن العواقب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحدثها هذه التدفقات السكانية على البلدان المضيفة، التي بات عليها بين عشية وضحاها أن تتعامل مع هذه الموجات المتدفقة من السكان الذين يحتاجون إلى مساعدة.

اعتمد المجتمع الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية مجموعة من الصكوك التي تهدف إلى كفالة الحماية للاجئين، كان أهمها الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين والمؤرخة في 28 تموز/ يوليو 1951. يضاف إلى ذلك مجموعة من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان التي توفر حماية وأكثر تحديدًا وتفصيلًا للاجئين والنازحين.

ولكن لمَّا كان الهدف الأساسي من النزاعات المسلحة الحالية هو طرد السكان من أوطانهم، فإن هذا يدفعنا إلى التساؤل حول ما إذا كان القانون الدولي الإنساني يعالج هذه الظاهرة الشائكة؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فما هي الحماية التي يوفرها القانون الدولي الإنساني للاجئين والنازحين؟ وكيف يوفر الحماية لمجموعات السكان المدنيين التي تُضطر إلى الفرار؟ وما هي الحماية التي يوفرها لمن هجروا أوطانهم وما علاقة تلك الحماية بقانون اللاجئين وغيره من صكوك حقوق الإنسان؟

إشارات بسيطة

إذا نظرنا عن قرب إلى اتفاقيات جنيف وبروتوكوليها الإضافيين فسيتبين لنا أنها تتضمن إشارات بسيطة إلى اللاجئين والأشخاص غير المنتمين لأية دولة، دون أي إشارة محددة إلى النازحين. فهل يدفعنا هذا إلى استنتاج أن القانون الدولي الإنساني لا يوفر حماية للاجئين والنازحين الذين يشكلون الكتلة الأكبر من ضحايا الحرب وتكون معاناتهم هي المصدر الأكبر للألم؟ الإجابة قطعًا هي لا. فاللاجئون والنازحون هم من السكان المدنيين، وبالتالي فهم مشمولون بحماية جميع أحكام القانون الدولي الإنساني التي توفر الحماية للمدنيين في زمن الحرب.

يهدف القانون الدولي الإنساني في المقام الأول إلى الحيلولة دون اقتلاع المدنيين من أوطانهم. وتنص كثير من أحكام القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، على توفير الحماية للمدنيين من أضرار العمليات العدائية وبشكل خاص مخاطر النزوح والهجرة من بلدانهم. وبالتالي تُحظر الهجمات العشوائية والهجمات الموجهة ضد المدنيين وكذلك أيضًا الأعمال الانتقامية ضد السكان المدنيين وارتكاب أعمال العنف أو التهديد بارتكابها بغرض بث الذعر بين السكان المدنيين. ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تصبح الأعيان المدنية هدفًا للهجمات أو الأعمال الانتقامية، فالهجمات يجب أن تقتصر على الأهداف العسكرية فقط.

ويُحظر أيضًا اللجوء إلى تجويع السكان المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب أو تدمير المحاصيل الزراعية والأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة. ويكفل القانون الدولي الإنساني الحماية للمدنيين الذين يقعون في قبضة العدو، سواء بسبب وجودهم على أراضي العدو وقت اندلاع الأعمال العدائية أو بسبب إقامتهم في الأراضي المحتلة. ومن حق أي شخص يرغب في مغادرة أراضي العدو وقت اندلاع الأعمال العدائية، مغادرتها، ما لم تكن مغادرته تتعارض مع المصالح الوطنية للدولة المعنية. ويجب أن تتم المغادرة أو الانتقال في ظروف مرضية من جهة السلامة والشروط الصحية والأمن والتغذية.

يحظر القانون الدولي الإنساني في حالة الاحتلال النقل القسري للسكان المدنيين من أراضيهم أيًّا كانت دواعيه. وإذا لم يكن هناك بدٌ من إجلاء السكان لأسباب تتعلق بأمنهم أو لأسباب عسكرية قهرية، فلا يجوز أن يترتب على عمليات الإخلاء نزوح الأشخاص المحميين إلا في إطار حدود الأراضي المحتلة، ما لم يتعذر ذلك من الناحية المادية. ويجب إعادة السكان المنقولين على هذا النحو إلى مواطنهم بمجرد توقف الأعمال العدائية في هذا القطاع. وأيضًا «لا يجوز نقل أي شخص محمي في أي حال إلى بلد يخشى فيه الاضطهاد بسبب آرائه السياسية أو عقائده الدينية». وبالتالي يجب الإشارة إلى أن اتفاقيات جنيف لعام 1949 اعترفت بمبدأ عدم الإعادة القسرية قبل أن يُسطَّر هذا المبدأ في اتفاقية اللاجئين لعام 1951.

أحكام مهمة

ومن نافلة القول إن أحكام الاتفاقيات المعمول بها في النزاعات المسلحة غير الدولية أقل تفصيلًا وتقنينًا من الأحكام التي تسري في النزاعات الدولية، إذ إن الدول تعزف عن تحمل الالتزامات ذاتها في حالات النزاع الداخلي كما هو الحال في النزاع الدولي.

ومع ذلك تحظر المادة الثالثة المشتركة «الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب، وأخذ الرهائن، والاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، وإصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلًا قانونيًّا، وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة».

كما تنص المادة (17) من البروتوكول الإضافي الثاني (المنطبق في النزاعات المسلحة غير الدولية) على أنه: «لا يجوز الأمر بترحيل السكان المدنيين، لأسباب تتصل بالنزاع، ما لم يتطلب ذلك أمن الأشخاص المدنيين المعنيين أو أسباب عسكرية ملحة. وإذا ما اقتضت الظروف إجراء مثل هذا الترحيل، يجب اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لاستقبال السكان المدنيين في ظروف مُرضية من حيث المأوى والأوضاع الصحية الوقائية والعلاجية والسلامة والتغذية».

وكذلك يتضمن القانون الدولي الإنساني أيضًا أحكامًا مهمة تهدف بشكل خاص إلى حماية اللاجئين والأشخاص غير المنتمين لأية دولة. فإن الفقرة (2) من المادة (70) من اتفاقية جنيف الرابعة والتي قُننت بشكل أوسع في المادة (73) من البروتوكول الإضافي الأول «تُكفل الحماية وفقًا لمدلول البابين الأول والثالث من الاتفاقية الرابعة وذلك في جميع الظروف ودونما أي تمييز مجحف للأشخاص الذين يعتبرون –قبل بدء العمليات العدائية– ممن لا ينتمون إلى أية دولة، أو من اللاجئين بمفهوم المواثيق الدولية المتعلقة بالموضوع والتي قبلتها الأطراف المعنية أو بمفهوم التشريع الوطني للدولة المضيفة أو لدولة الإقامة».

إشكاليات قانونية

ويمكن القول إن الانطباق المتزامن للأنظمة الثلاثة في زمن النزاع المسلح يمثل الحل والمشكلة على حد سواء. فمما لا شك فيه أنه ليس ثمة فرع واحد يقدم حلًّا قاطعًا للتحديات المعاصرة التي تفرضها النزاعات المسلحة. ولا يمكن الوصول إلى الحماية الدولية إلا من خلال نهج متكامل يضم فروع القانون الدولي المنطبق على النزاعات المسلحة. وبالرغم من أنه يُفترض في القانون الدولي الإنساني أنه النظام المصمم خصيصًا للعمل في زمن النزاع المسلح، إلا أنه لا يتبنى أقصى قواعد الحماية. فهو ينص على معيار الحد الأدنى في إطار الحدود الصارمة لنطاقه (أي معاملة غير المواطنين الذين يقعون في قبضة أحد أطراف النزاع (.

ويتطور الحد الأدنى من الحماية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني عن طريق التطبيق التراكمي لفروع القانون الدولي الأخرى المعمول بها (على غرار نصوص القانون الدولي الخاصة باللاجئين). ومع ذلك لا توفر هذه النصوص الحماية الكاملة للأشخاص الفارين من النزاعات المسلحة. والأسوأ من ذلك، أن القانون الدولي الإنساني وقانون اللاجئين، على حد سواء، يبدوان وكأنهما لا يراعيان ولو نسبيًّا الاحتياجات الخاصة للاجئين أثناء الحرب، أو ظروفهم بعد انتهاء الحرب.

وقد أشار الفقيه القانوني والتر كالين (Walter Kalin) إلى أن الفهم التقليدي للعلاقة بين القانون الدولي الإنساني ونصوص القانون الدولي الخاصة باللاجئين، يذهب إلى أن هذا الأخير لم يُوضع بالأساس لمعالجة معاناة من اضطروا إلى الفرار من أخطار الحرب ويسعون إلى اللجوء في الخارج. والقانون الدولي الإنساني في الوقت ذاته لا يوفر أي حماية لهذا القطاع الكبير من الأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية دولية. وعليه يمكن القول إن القانون الدولي الإنساني يتضمن العديد من الأحكام التي توفر الحماية للاجئين والنازحين. إلا أن هذه الأحكام لا يمكن النظر إليها بأي حال من الأحوال بمعزل عن اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وغيرها من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان التي توفر حماية أكثر تحديدًا وتفصيلًا للاجئين والنازحين.

وبالتالي يمكن القول إن القوانين الثلاثة تدعم وتؤازر بعضها بعضًا فيما يعرف بمبدأ التكاملية، تحقيقًا لهدف تنفيذ القواعد التي توفر أقصى حماية للضحايا وهي الغاية النهائية من اعتماد القوانين.

نُشر المقال في العدد «60» من مجلة «الإنساني» الصادر في شتاء 2016.
يمكنكم أيضًا قراءة مساهمات معمقة حول التحديات المعاصرة للقانون الدولي الإنساني:
المستشار أمين المهدي: الحروب الجديدة تفرض تحديات عسيرة على القضاء الدولي
أحمد الداوودي، حماية المدنيين في قلب قانون الحرب في الإسلام
عمر مكي، في حروب اليوم، الأخلاق أيضًا تتصارع
جيليان جارسيا رافيل وفينسنت برنارد، تغيير النظرة النمطية للقانون الدولي الإنساني
تعزيز قواعد الحرب في زمن الاضطرابات…ماذا أضاف البروتوكولان الإضافيان لعام 1977 للقانون الدولي الإنساني؟