للربيع الذي يتفجر نذر، تمامًا مثل كارثة الربيع «تشيرنوبيل» التي يحركها النطق الروسي لتكون مبنى يدل على معنى، هكذا: “تشورني” ومعناها الأسود، و”بل” بضم الباء، وهي تعني الألم. فيكون المعنى: «الألم الأسود». ولقد كان الحادث أسودًا والألم أسود. وكانت النار كما وصفها أحد رجال الإطفاء الذين هبوا من نومهم على صراخ الإنذار المبكر (الإنذار من النوع الثالث) فوق محطة تشيرنوبيل الكهروذرية: “نارًا سوداء تتأجج فوق سطح الوحدة الرابعة من المفاعل”.

انطلقت النار السوداء في الساعة الواحدة وثلاث وعشرين دقيقة وثمان وأربعين ثانية في ليلة السادس والعشرين من أبريل/ نيسان 1986، عندما حدث انفجار هذه الوحدة. وكانت للانفجار (كما ثبت بالتحقيقات فيما بعد وتم نشره) نذر.. لكنها لم تكن كنذر الربيع، لأنها كانت خافية أو تستخفي أو يتم إخفاؤها عمدًا في واقع بهي الصوت مرعب الأحشاء. فقد كان أهل الثقة وأبناء الواصلين يحلون بالمحسوبية والرشوة حيث كان ينبغي أن يحل أهل الخبرة وتحل خبرة المجتهدين. ومن تزاوج الفساد وخبث النوايا كانت تتوالد شرار الصور. فبالمفاعل المنكوب كانوا يلعبون القمار والدومينو ويكتبون رسائلهم في وقت العمل. وكان كل شيء مع ذلك يبدو ناجزًا. والتستر كان يحجب نذر الكارثة. فمن أصل 71 حادث وقعت بالمفاعل، لم يتم التحقيق إلا في 27 منها. وهذا مجرد مثال.

بعد “عمرة إصلاح” في الوحدة الرابعة، راح واحد- لا بد أنه كان من أهل الثقة!- يجري بجهالة تجربة عظيمة الخطر، فقد رفع- دون أية احتياطات أمنية- من طاقة المفاعل، وارتفعت الحرارة لحد الرعب.. لحد الجحيم، ثم صب على هذا الجحيم مياه التبريد، فكان الحريق وكان الانفجار. إذ اشتعل الجرافيت المهدئ وتحول الماء بفعل الحرارة الجهنمية إلى عناصره الأولى: الأكسجين والهيدروجين الذي اشتعل وانفجر، ففجر بدوره الأغلفة المعدنية الثقيلة حول الوقود النووي وفجر سقف المفاعل، فصار الوقود النووي عاريًا ينفث إشعاعاته المميتة عبر فجوة السقف. واندلع بركان من نوع جديد أحرق أول ما أحرق من قام بتفجيره. فقد تبخر تمامًا حتى لم يعثر له على أثر ذلك المتعالم الطائش. وتوالى خروج جني الذرة من قمقمه الذي انفتح بقوة الترخص البشري في مواجهة التكنولوجيا العالية. وقفزت الحماقة مجتازة أكثر من مائة نظام للأمان يتلو بعضها بعضًا، حتى لقد اقترح أحد الصحفيين الذين كانوا يغطون الحادث بوجوب إنشاء نظام جديد للأمان يسمى: “الأمان ضد الحماقة”.

في ليلة التعتيم والتكتيم والارتباك لم يعرف الناس- حتى القريبين منهم- بفداحة الكارثة. كذب بريخانوف مدير المحطة النووية عامدًا ليقلل من شأن الخطر، وظل سكان مدينة “بربيات” التي تسكنها عوائل العالمين بالمحطة يغطون في النوم فاتحين نوافذهم لنسائم ليل الربيع. ليل الرعب الذري المخفي بعناية البيروقراطيين المحليين. فقد كانوا يأملون في إخماد النار دون أن تعلم بها العاصمة القريبة: “كييف”، عاصمة الدائرة التي تضم في شمالها “تشيرنوبيل”، على رأس بحر كييف، وعلى مقربة 85 كيلومترًا منها.

كنا في كييف نغط في النوم أيضًا وإن أغلقنا نوافذنا اتقاءً للمطر. ولعلي لاحظت أن أمطار الربيع التي لم ينقطع انهمارها في تلك الليلة كانت مصحوبة ببروق غريبة ورعود. وفي الصباح، عندما كنت أتجول في المدينة الحديقة تحت شمس ساطعة لم يكن هناك ما يريب. لم نسمع شيئًا. فلم تكن هناك كلمة تحذير واحدة قد صدرت عن خطر الإشعاع الذري الطليق. وإن قيل أن اتجاه الريح قد أنقذنا في كييف خلال هذه الأيام المرعبة الأولى، إذ كانت الريح تتجه شمالًا وغربًا- على العكس تمامًا من اتجاه كييف الواقعة جنوب شرق تشيرنوبيل.

لكن الخبر بدأ يتسرب. فبعد الخبر الهامشي الذي لم يلفت انتباه أحد بواحدة من نشرات التلفزيون، وبعد ازدياد قوة الإشعاعات في أعقاب انتهاء احتفالات الأول من مايو/ آيار، عدنا نتذكر أن المدينة كانت خالية بشكل غريب من (الأتوبيسات) في نهار السابع والعشرين من أبريل/ نيسان، ونتذكر الطوابير الطويلة لعربات الرش التي كانت تتوارى في الشوارع الجانبية من ميدان “البابيدا” في انتظار الانتهاء من احتفالات الأول من مايو/ آيار، لتنطلق في غسيل محموم للميدان والشوارع التي كان يزدحم بها الناس، وكان ذلك يؤكد أنباء الحريق النووي وأخبار التهجير الكبير. حيث غادر المنطقة البالغ نصف قطرها- من المحطة- ثلاثين كيلومترًا، نحو مائة ألف إنسان في رتل من الباصات والسيارات امتد زهاء عشرين كيلومترًا. لم يكن هناك شيء مجلجل، أو جلي، يبين في كييف في هذه الأيام الأولى رغم أن اسم المدينة راح يتردد بلا انقطاع كمعلم من معالم نشرات الأخبار والمواد الإعلامية في الجانب الآخر.

ففي أوروبا الغربية وأمريكا، كان هناك حريق إعلامي تبلغ مسامعنا لفحاته، ونحن نسبح في الإشاعات المتكاثرة وشبه الصمت السوفييتي، مؤرقين ما بين التصديق والإنكار.. نسمع ما يتردد عن: “أسوأ كارثة نووية في التاريخ البشري”، وعن “سحابة الإشعاعات المميتة التي تغطي دول إسكندنافيا وبولندا وألمانيا الغربية”.

ونستمع للشائعات عن تلوث مياه الشرب في كييف. وكيف أن خبيرًا غربيًا أعلن عن اعتقاده بأن “ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص سيلقون حتفهم في دائرة قطرها 500 كيلومترًا من تشيرنوبيل متأثرين بسرطان الرئة”.

بعد تسعة أيام كاملة، وفي مساء الخامس من مايو/ آيار أطل علينا وجه رومانينكو (وزير الصحة الأوكراييني) ليتكلم عن الحادث ويطمئن الناس، لكنه في نفس الوقت طالب بالاستمساك بالإجراءات الوقائية الواجب اتخاذها في هذا الشأن وكانت كلها تثير الفزع: فقد شدد على “إغلاق النوافذ دائمًا، وتغطية الأطعمة، حتى المعلب منها، وعدم شراء ألبان أو أسماك أو لحوم أو خضروات أو فاكهة إلا إذا كانت مراقبة إشعاعيًا، وضرورة ترك الأحذية خارج الأبواب، وتغيير الملابس والاستحمام بعد كل عودة من الشارع”. كما ألمح رومانينكو إلى الاستعداد لتهجير الأطفال من الصف الأول حتى السابع (أي من سن 6 إلى سن 14) في مدة أقصاها الخامس من مايو/ آيار (أي في غضون عشرة أيام). وأيضًا حذر من الصد في مياه الدنيير والاستحمام على شواطئه والتواجد في الحدائق والغابات. وبدأت دراما تشيرنوبيل في كييف.

صارت المدينة تغتسل بلا انقطاع.. كانوا يغسلون الحيطان، والأرصفة، والعربات، والأسفلت، والشجر، والعشب، وكل شيء بخراطيم مياه الإطفاء وعربات الشوارع وبكل وسيلة متاحة. ولوحظ أن ثمة رغوة من مادة مثبتة للغبار كانت تظهر في الطرقات التي لم ينقطع ابتلالها. وارتبكت الأسواق، وازدحمت المحطات وظهرت سوق سوداء لتذاكر الطائرات التي ازدحم حول مكاتب شركاتها جمهور غفير عصبي المزاج. وكانت الروح السائدة للناس تحاول أن تتماسك في شكل الحفاظ على صرامة الطوابير واحترام قوانين المرور وعبور المشاة وأوقات العمل الرسمية.

لم يكن يظهر على السطح شيء واضح. لكن السكارى عاودوا الظهور مترنحين في الشوارع- بعد فترة انقطاع لتطبيق قوانين مكافحة السكر المشددة- بدعوى اضطرارهم لشرب قليل من “الفودكا” أو بعض “الڤينو الأحمر” اللذين شاع أنهما مضادين للإشعاع لاحتوائهما على عنصر الكوبالت، وبدأت لافتات من نوع جديد تظهر عند المداخل من نوع: “تذكروا أن مستوى الإشعاع في الغرف مقفلة النوافذ أقل بعشر مرات مما هو عليه في الشوارع”. و”ارتاحوا داخل البنايات”، ولأول مرة بدأت تظهر كلمة “التابوت” بوصفها تمثل أملًا!

كان التابوت المذكور مشروعًا ضخمًا لبناء من الخرسانة المسلحة يصب تحت وفوق وحول الوحدة الرابعة المنكوبة من مفاعل تشيرنوبيل. ولقد حفروا في الأيام الأولى نفقًا هائلًا تحت المفاعل، أدخلوا فيه الأزوت المسيل الذي تبلغ درجة حرارته بضع مئات من الدرجات المئوية تحت الصفر ليبرد قلب المفاعل المتأجج المنذر بالانفجار. وفي الزنزانة الهائلة التي حفرها رجال المناجم المرتدون ملابس بيضاء تحت المفاعل صبت آلاف الأمتار المكعبة من الخرسانة لتكون “بلاطة” تمنع وصول التلوث النووي إلى المياه الجوفية. وكانوا يصبون في جدران “التابوت” خمسة آلاف متر مكعب من الخرسانة المسلحة في اليوم الواحد. كانوا يبتغون محاصرة الجني المطل برأسه من القمقم بأقصى سرعة قبل أن يكتمل خروجه (…).

في السادس والعشرين من سبتمبر/ أيلول، الساعة الخامسة مساءً أعلن رسميًا عن غلق التابوت. وأعلن أنه ينفث إشعاعًا أقل بكثير من تلك التي تخرج من المحطات الكهروذرية العادية، وبدأت عودة الأطفال من معسكرات التهجير الكبير، وكانت نسائم الخريف الذهبي ترقّ، (…) ورحت أواصل طريقي باحثًا عن اللحظات الملونة التي لم يختف الحزن فيها (…) بينما شرعت الرياح- التي غيرت اتجاهها صوب الجنوب- تلفحنا في كييف بجرعات من الإشعاع مختلف عليها ولم تكن لتدركها الحواس.

محمد المخزنجي قاص مصري بارز، وهو أحد كتاب مجلة الإنساني منذ انطلاقها.  نشر في المجلة عددًا من النصوص التي سنوالي نشرها تباعا. وهذا النص نُشر في العدد الثامن من المجلة الذي صدر في كانون الثاني/ يناير، شباط/ فبراير 2000. والنص جزء من كتاب: «لحظات غرق جزيرة الحوت».