الدكتور أحمد الداوودي هو أحد أبرز الباحثين المعاصرين في موضوع قانون الحرب في الإسلام، وخلال السنوات الماضية ذاعت شهرته بفضل عدد من الدراسات المرجعية التي نشرها بالعربية أو الإنجليزية في دوريات أكاديمية رصينة عن قواعد القتال في الخبرة والممارسة الإسلامية. هنا نص الحوار الذي أجريناه معه في شهر رمضان الماضي، حول مفهوم قانون الحرب في الإسلام وعن أبرز ملامح تجربة وخبرة وممارسة الحرب وقواعد القتال في الإسلام.

الإنساني: ما الذي نعنيه عندما نقول قانون الحرب في الإسلام؟ ما الجديد الذي أضافه هذا القانون للقواعد التي حكمت الحروب في السابق؟ وكيف يمكن القول إن هناك علاقة توافق وانسجام وملاءمة بين قواعد الحرب في الإسلام وقواعد القانون الدولي الإنساني المعاصر؟

دكتور داوودي: أولًا شكرًا على الدعوة وشكرًا على إثارة هذا الموضوع الهام جدًّا. في البداية لا بد أن نؤكد أن كل الأنظمة القانونية وكل الثقافات والحضارات على مدار التاريخ قامت بوضع ضوابط تنظم عملية أو إرساء عملية سير القتال، لأن الحروب طبعًا هي ظاهرة إنسانية عُرفت منذ قدم التاريخ.

بعد ظهور الإسلام بسنين، اندلعت  بعض الحروب بين المسلمين وأعدائهم، ومن ثم تم تداول هذه الأحداث في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية الشريفة، ومن ثم تم تطوير منظومة قانونية شاملة لتضبط سلوك المسلمين أثناء القتال، وبالبحث والدراسة كما استنتج الكثير من الباحثين، سواء من المسلمين أو من غير المسلمين، أن قانون الحرب في الإسلام أو قواعد الحرب في الإسلام تشمل جميع المبادئ الرئيسية التي يشتمل عليها القانون الدولي الإنساني حاليًّا. فنجد أن هناك تشابهًا كبيرًا جدًّا حول مبادئ النظامين القانونيين.

الإنساني: هل يمكن أن نذكر أمثلة لهذا التشابه؟

دكتور داوودي: بالطبع، سنجد أن أهم هذه المبادئ هو حماية المدنيين وغير المقاتلين أثناء الحرب، وهناك بعض الآيات القرآنية تشير إلى ذلك، بالإضافة إلى الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرت صراحةً وحددت أنواعًا لا يجب استهدافهم أثناء القتال، على سبيل المثال: النساء، الصبيان، الشيوخ، العسفاء وأصحاب الصوامع. ومعنى العسفاء طبقًا لكتب الفقه أو معاجم اللغة العربية هي جمع كلمة عسيف وهو الأجير أو العامل، أو بمعنى آخر في سياق القتال هو كل من يقوم بأعمال مساعدة للعدو أثناء الحرب أو في ساحة أو ميدان القتال، لكنه لا يشترك فعليًّا في القتال، فمن ثم لا يجوز استهدافه.



الإنساني: بمعنى أن هناك حظرًا شاملًا لاستهداف المدنيين أو غير المقاتلين في الخبرة الإسلامية

دكتور داوودي: نعم، ولذلك القتال فقط محصور ضد مَن يقاتل من الأعداء، فبالتالي فهم الفقهاء الحكمة من تحريم استهداف هؤلاء الخمسة تحديدًا وطوروا وذكروا في كتب الفقه الإسلامي كثيرًا من الأنواع الأخرى ممن لا يشتركون في الأعمال العدائية ومن ثم لا يجوز استهدافهم. إذن فالمحصلة هي أن هناك حماية للمدنيين وغير المقاتلين أثناء القتال. هذا هو مبدأ أولي وأساسي.

الإنساني: هل هناك أي استثناءات طارئة؟ فيما يتعلق بالنساء مثلًا؟

دكتور داوودي: طبعًا، سؤال جيد لأنه أيضًا حدث نوع من المناقشات والمداولات الفقهية بين الفقهاء في بعض الأمثلة والحالات حول ما إذا اشتركت المرأة أو النساء أو هذه الأنواع المحظور استهدافها أثناء القتال، إذا اشتركوا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على سبيل المثال إذا حاربت أو حملت المرأة السلاح واشتركت في القتال مباشرةً، فالفقهاء يتفقون على أنها في هذه الحالة تفقد الحصانة الممنوحة لها. لكن في حالات أخرى خالفوا فيها.

على سبيل المثال إذا كانت المرأة تمد العدو بالسلاح، هي تشتري الأسلحة وتمد العدو بها للقتال، أو إذا كانت المرأة تحرس جنود العدو، أو كانت المرأة تقذف بالحجارة أي تحارب بطريقة ما لكن لا تؤدي إلى القتل المباشر، فبالتالي هنا اختلف الفقهاء بين من أجاز استهداف المرأة في هذه الحالة وبين من منع، لأن هناك أحاديث صريحة في ذلك، وهناك من يرى أنه إذا استطاع الجندي المسلم القبض عليها قبل أن يقتلها فهذا أفضل. وهذا يدل على أن هناك أيضًا مداولات فقهية حول ما يمثل المشاركة غير المباشرة في القتال في حالة المرأة أو أيضًا في حالات أخرى كحالة الصبيان أو الشيوخ وخلافه.

الآية 32 من سورة المائدة

الإنساني: في مساهمة أخيرة لكم نشرناها في مدونة مجلة الإنساني بعنوان حماية المدنيين في قلب قانون الحرب في الإسلام، تحدثتم عن حظر استخدام الأسلحة العشوائية، وقلتم إن الفقهاء المسلمين كانوا يوازنون ما بين المبدأ الإنساني والضرورة العسكرية. هل يمكن إلقاء الضوء أو تسليط الضوء أكثر على هذه القضية؟

دكتور داوودي: طبعًا، من المهم أيضًا عندما ندرس هذه الأحكام الفقهية أن ندرس سياق القتال آنذاك، كان سياق القتال آنذاك هو سياق بدائي، لم يكن هناك استخدام لمثل هذه الأسلحة الفتاكة أو أسلحة الدمار الشامل التي نراها الآن، وكان القتال عمومًا في هذا الوقت هو عبارة عن قتال بالسيوف، لكن أحيانًا كانت تستخدم بعض الأسلحة كالسهام والنبال وخلافه.

أحيانًا عندما لم يكن القتال وجهًا لوجه بين متقاتلين اثنين، كان أحيانًا العدو يتحصن أو يقاتل من خلف حصون أو قلاع، ويلقي بالسهام أو النبال أو غير ذلك على جنود المسلمين، فبالتالي لا بد أن يُستخدم نوع من الأسلحة التي يستطيع بها أن يستهدف العدو، من ضمن الأسلحة التي يمكن أن تُدرج تحت الأسلحة العشوائية سلاح المنجنيق، وهو سلاح كان يُستخدم في حروب الفرس والروم وقدمه سلمان الفارسي للرسول صلى الله عليه وسلم، وناقش الفقهاء حكم استخدام هذا السلاح لأنه عندما يقذف به لن تستطيع أن تفرق بين مدني أو مقاتل، أو بين أعيان مدنية وأعيان عسكرية، وبالتالي قد يصيب مدنيين وغير مقاتلين، أيضًا دار نقاش حول حكم استخدامه، والإجابة المختصرة أن الفقهاء يجيزون استخدامه للضرورة الحربية.

الإنساني: لدينا سؤال من المتابع الأستاذ رزق، يتحدث عن ما حقيقة أن القانون الدولي الإنساني بالفعل يعتمد على عدة مصادر ومنها ثقافتنا العربية الإسلامية؟ هذا سؤال بصياغة أخرى حول مدى إسهام الثقافة العربية الإسلامية في تطوير مبادئ القانون الدولي الإنساني.

دكتور داوودي: كما ذكرت في البداية أن مبادئ القانون الدولي الإنساني هي مبادئ إنسانية عامة تدركها الفطرة الإنسانية، وكما ذكرت أيضًا معظم الحضارات الإنسانية أو الأديان والثقافات، حتى التقليدية عرفت ضوابط أو مبادئ مشابهة للقانون الدولي الإنساني، بالبحث والتحري مثلًا في الحضارة الصينية، الديانة اليهودية، الحضارة الهندية، بالإضافة طبعًا إلى تخصصي في الفقه الإسلامي، نجد أن هناك تفاصيل كثيرة جدًّا حول كل ما يتعلق بعملية القتال ونجد أن هناك أوجه تشابه كبيرة جدًّا، بالإضافة أيضًا إلى أن بعض المتخصصين يشيرون إلى أن هناك تأثيرًا من الفقه الإسلامي حتى على القانون الدولي العام عمومًا وأن مؤسس القانون الدولي وهو خريسيوس تأثر في بعض كتاباته بفقهاء المسلمين في الأندلس، تحديدًا من فقهاء المذهب المالكي، فهناك تأثير متبادل على مدار التاريخ الإنساني. وهذا السؤال أيضًا يحتاج إلى كثير من البحث والدراسة، وكثير حتى من القانونيين أشاروا إلى الحاجة الشديدة إلى بحث حول تأثير الحضارة الإسلامية في تطور القانون الدولي عمومًا والقانون الدولي الإنساني تحديدًا.

الإنساني: إذًن بجملة قصيرة ليس من الدقة أن نقول إن القانون الدولي الإنساني بصيغته المعاصرة هو صناعة غربية.

دكتور داوودي: هذه الحجة في حد ذاتها تقوض عالمية القانون الدولي الإنساني لأنه لا بد أن ندرك أن إسهام الفقهاء الغربيين أو الحضارة الغربية في الصيغة الحديثة له حاليًّا هو طبعًا إسهام أكبر من كثير من الحضارات الأخرى، لكن ليس معنى ذلك أن يُنسب إلى الحضارة الغربية لأنه ينكر إسهامات الحضارات الأخرى.

من خبرة السنوات الماضية في أعمال القتال خصوصًا في المنطقة العربية، عقب ما يُسمى بالربيع العربي وجدنا أن أنماط القتال والأعمال القتالية تنحصر في المدن ضد الأعيان المدنية، هل هناك تصور ما لقواعد قانون الحرب في الإسلام تنظم مسألة ميدان المعركة؟

شكرًا على هذا السؤال لأنه مهم جدًّا، كما ذكرت أن الإحصائيات تثبت أن حوالي 92% من ضحايا الحرب حاليًّا من المدنيين، وللإجابة على هذا السؤال أنه عندما ندرس الحروب التي قامت بين المسلمين وأعدائهم في صدر الإسلام، سنجد أن هذه الحروب كانت تقع خارج المدن، على سبيل المثال أول معركة كبيرة دارت بين المسلمين وأعدائهم كما يعرف الجميع هي معركة بدر، وثاني معركة كبيرة أيضًا هي معركة أُحد، وكلتاهما تم اختيار المكان بين المتحاربين خارج المدينة، معركة بدر كانت حول بئر اسمها بدر، وهو مكان معروف التقى فيه الطرفان، معركة أُحد كانت قريبة من جبل اسمه أُحد، وبالتالي كانت هاتان المعركتان خارج المدن، ومن ثم فالشاهد المهم هنا أن عدد الضحايا من الفريقين هو عدد صغير جدًّا، نجد أن في معركة بدر تقريبًا كان هناك 70 من أعداء المسلمين وحوالي 14 أو أقل من المسلمين، وعدد مشابه في معركة أُحد أيضًا، بالتالي هذا يقلل عدد الخسائر بين المدنيين عندما تقع الحروب خارج المدن.

الإنساني: سؤال من زميلتنا مسعدة سيف تقول: أشد الحروب وأكثرها انتهاكًا للإنسانية تجري في المنطقة العربية والإسلامية، مع أننا نقول إن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة كانوا يتحدثون دائمًا عن الإنسانية والحرص الدائم على عدم مهاجمة غير المقاتلين. برأيك لماذا هذه الفجوة، هذا التناقض، ما بين الخبرة والحديث عن الفقه الإسلامي حول حظر استهداف مدنيين وبين هذا الواقع؟ لماذا هناك هذه الفجوة الكبيرة؟

دكتور داوودي: الحقائق كما ذكرت الزميلة أن حوالي 70% من النزاعات المسلحة حاليًّا تقع في العالم الإسلامي ومنها منطقة الشرق الأوسط، أيضًا من الحقائق أو كما ذكرت الزميلة أن أحكام الإسلام إذا طُبقت لمنعت وقوع هذه الحروب من البداية، ولحدَّت من الآثار التي تقع على ضحايا الحروب، لكن الشاهد أنه عندما نريد الإجابة على هذا السؤال لا بد أن نبحث حول أسباب هذه الحروب، لكن النقطة الأهم وفيها الإجابة المباشرة على هذا السؤال، نفس الموقف الذي يتعلق بأحكام الإسلام هو نفسه الذي يتعلق بالقانون الدولي الإنساني، فكما أن فرع القانون الدولي الإنساني هو علم وليد من رحم القانون الدولي العام وعلم حديث النشأة، وكثير من مناطق العالم لا يعرف الكثير عن أحكام القانون الدولي الإنساني، أيضًا ليس معنى أن هذه الحروب تقع في قلب العالم الإسلامي أن المسلمين يعرفون أحكام قانون الحرب في الإسلام، وبناءً عليه فكما نحن في حاجة إلى التوعية بأحكام القانون الدولي الإنساني، أيضًا نحن بحاجة إلى التوعية بأحكام قانون الحرب في الإسلام حتى يعرف المسلمون الضوابط التي أقرها الإسلام في هذا المجال، وبالتالي سيكون هذا أفضل وسيلة للامتثال لأحكام القانون الدولي الإنساني التي هي في نفس الوقت قواعد قانون الحرب في الإسلام.

الإنساني: هناك مداخلة أخرى للسيد إدريس حول نفس الموضوع، ما بين النظرية والتطبيق، هو يقول إنه ليس هناك اتفاق على قواعد الحرب في الإسلام، هذا ما يقوله، فبعض التنظيمات والجماعات المسلحة تستند إلى أحاديث وأحداث في تاريخ الدولة الإسلامية وآيات من القرآن تبيح قتل من لا يشارك في القتال، بما في ذلك الأطفال وسبي النساء. ما هي وجهة نظرك أو تعليقك على مثل هذه الآراء؟

دكتور داوودي: طبعًا هذا سؤال مهم جدًّا ونشكر السيد عليه. لأنه فعلًا كما أشرنا في السؤال السابق هناك فجوة بين النظرية والتطبيق، بين أحكام الإسلام وبين السلوك على الأرض، ونحن أشرنا إلى جزء منه، ولكن الجزء الآخر الذي أشار إليه الزميل أنه فعلًا هناك كثير من الأحكام المتعارضة، بعض الفقهاء يحرم أحيانًا استخدام سلاح معين أو استخدام أسلوب معين في القتال، وهناك بعض الفقهاء يبيحونه للضرورة الحربية، بمعنى آخر هناك تناقض في بعض الأحكام، وهذا يُتفهم في صيغة المداولات أو المناقشات أو الجدال بين الفقهاء ما بين أمرين، الأمر الأول هو ضبط سلوك القتال للدافع أو الوازع الإنساني وهو نفس الوازع للقانون الدولي الإنساني، الحد من آثار الحروب على الضحايا، لكن في نفس الوقت هناك أغراض أو أهداف براجماتية للفوز بالحرب، لأن عكس ذلك معناه هزيمة في الحرب ووقوع ضحايا في صفوف المسلمين، ومن ثم تجد أن هناك من يعطي بعض الأحكام التي قد تستخدم لتبرير أعمال معينة، لكن في نهاية الأمر ترى أن هناك رأيًا للجمهور ورأي غالبية المسلمين، هذه مشكلة سببها أيضًا أن أحكام الإسلام في هذا المجال على الأقل لم تُقنَّن، هي عملية تقنين وتكون ملزمة على مدار التاريخ الإنساني، لأن ذلك تم في اتفاقيات جنيف، ومن ثم تم وضع اتفاقيات تلتزم بها كل الدول، ومن ثم وقعت عليها كل الدول الإسلامية وبالتالي أصبح لها الطابع الإلزامي.

الإنساني: ذكرت في مقال أحد المبادئ الخاصة بقواعد الحرب في الإسلام، حظر التمثيل بالجثث، وذكرت أن فقهاء المسلمين ألزموا المقاتلين المسلمين بدفن حتى جثث العدو. هل يمكن أن تلقي مزيدًا من الضوء حول هذه القضية، التمثيل بجثث العدو؟

دكتور داوودي: في بداية حوارنا عندما سألتني عن بعض المبادئ ذكرنا مبدأ أو اثنين منها، لكن من المبادئ الهامة جدًّا هو تحريم المُثلة أو تحريم التمثيل بجسد العدو، وهناك أحاديث صريحة من الرسول صلى الله عليه وسلم تحرم التمثيل بجسد العدو: «إياكم والمُثلة»، وفي حديث أيضًا يحرم التمثيل حتى ولو بالكلب العقور، بالتالي تحريم التمثيل بجسد العدو هو مبدأ صريح في الإسلام ولا خلاف عليه، ومن ثم حتى الفقهاء على مدار التاريخ كانوا يلتزمون بذلك، لكن كأي سلوك إنساني هناك انتهاكات، ومن ثم ليس معنى أن هناك انتهاكات أن هناك نقصًا أو فجوة في القانون، هذا في كل الأنظمة القانونية، ففيما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني هناك انتهاكات جسيمة، لكن ليس معنى ذلك أن العيب في النظام القانوني بل المشكلة في عدم الامتثال أو الانصياع لأحكام القانون، وهذا دور العلماء والمتخصصين أن يقوموا بالتوعية وتنبيه المتحاربين إلى الانصياع لضوابط القتال.

لقطة من داخل الجامع الأزهر في القاهرة-مصر.

دكتور داوودي، سؤال آخر له علاقة بالمفاهيم، هل يوجد فرق بين تعريف القتال في القانون الدولي الإنساني وتعريف الجهاد في الفقه الإسلامي؟ نحن نتحدث عن أعمال القتال، ولكن واحدة تأخذ شكل القتال والثانية تأخذ شكل الجهاد، هل هناك فرق بين المفهومين؟

دكتور داوودي: النظام القانوني الوحيد على مستوى العالم الذي أطلق على نظرية الحرب العادلة نظرية الجهاد هو الإسلام، لأن الجهاد أو قانون الجهاد في الإسلام هو النظام القانوني الذي يضع ضوابط للحرب العادلة في الإسلام، ومن ثم أُطلق عليها لفظ الجهاد بمعنى بذل الجهد في فعل شيء خيري، كثير من غير المسلمين يندهش عنما يعرف أن كلمة الجهاد هي اسم مشهور سواء بين الرجال أو النساء في الدول العربية ، فالشاهد منه أن القتال في الإسلام يُبذل فيه الجهد لهدف أو لغرض نبيل، ألا وهو أسمى غرض لأي مواطن أو لأي دولة وهو الدفاع عن الوطن، ولذلك الجندية هي شرف لأي مواطن أن يدافع عن بلده.

الإنساني: السؤال التالي له علاقة بمعاملة أسرى الحروب، ما هو شكل القواعد أو رأي الفقهاء المسلمين فيما يتعلق بهذه المسألة، الضوابط التي حددوها لمعاملة الأسرى.

دكتور داوودي: باب معاملة الأسرى من الأبواب المهمة جدًّا في كل كتب الفقه المتعلقة بقانون الحرب في الإسلام أو الجهاد في الإسلام، هنا نفرق بين قضيتين، القضية الأولى هي معاملة الأسرى أثناء الأسر أو طالما هم في حالة الأسر، والقضية الثانية هي حول عملية إنهاء حالة الأسر، فيما يتعلق بالقضية الأولى نجد أن أحكام الإسلام فيها الكثير من التفصيل الذي يضمن المعاملة الإنسانية للأسرى، فأحكام الإسلام تضمن حق المأكل والمأوى والملبس للأسير والمعاملة الإنسانية، بالإضافة لذلك نجد أيضًا أن أحكام الأسرى في الإسلام تضمن عدم تشتيت أبناء الأسرة الواحدة، فبإيجاز أو باختصار سنجد أن أحكام الإسلام المتعلقة بالأسرى تضمن المعاملة الإنسانية طالما هم في فترة الأسر.

حتى إن هناك بعض الآيات القرآنية التي أشارت إلى كيف كان يعامَل الأسرى في معركة بدر، وكيف كانوا يعامَلون معاملة إنسانية بناءً على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما وزع بعض الأسرى على بيوت الصحابة وقال لهم: «استوصوا بالأسارى خيرًا»، لكن النقطة الشائكة هنا أن هناك بعض الحالات التي عومل فيها الأسرى معاملة مختلفة، ويعتمد الفقهاء في ذلك على بعض الآيات القرآنية أو بعض الأحاديث واختلفوا على مذاهب مختلفة، فمن الفقهاء من يرى أن حكم الأسرى هو أحد أمرين، إما المنُّ وإما الفداء، يعني إطلاق سراح الأسرى بدون أي مقابل أو استبدال أسرى العدو بأسرى مسلمين، لكن هناك بعض الفقهاء يرى أن حكم الأسرى يحدده الحاكم وتحدده الدولة بناءً على أحد اختيارات يرى الحاكم أن فيها مصلحة للمسلمين، منها جواز قتل الأسير أو بعض الأسرى إذا رأى الحاكم في ذلك مصلحة، أو إطلاق سراحهم بدون فداء أو إطلاق سراحهم بفداء، أو خلافه.

لكن بالبحث والتحري في هذه الأحكام نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم بقتل أسرى لمجرد أنهم أسارى فقط، تذكر كتب الفقه أو كتب السيرة أن هناك ثلاثة فقط يقال إنهم قتلوا، لكن بالبحث تجد أن هؤلاء الثلاثة تحديدًا بخلاف باقي الأسرى، لماذا يُقتل هؤلاء كما تقول بعض المصادر، لأنهم قد ارتكبوا جرائم قبل وقوع الحرب أو قبل وقوع المعركة، ومن ثم فمعنى ذلك أن الأسر في حد ذاته ليس مبررًا للقتل. هذا كان في سياق العصور الأولى للإسلام، لكن هناك حاليًّا اتفاقيات دولية وقعت عليها كل دول العالم الإسلامي ومن ثم أصبح لها طابع الإلزام.

الإنساني: سؤالي الأخير حول الحقل العلمي الخاص بقواعد الحرب في الإسلام، ما مدى رضائك عن هذا الحقل العلمي؟ هل أنت راضٍ عن المتابعة؟ هل ترى أن هناك اجتهادات وكتابات كثيرة أم ترى أن الكتابات في هذا الموضوع هي أقل من المأمول خصوصًا في الظرف الحالي؟

دكتور داوودي: سؤال أيضًا مهم، الإجابة بالنفي، طبعًا ليست هذه الكتابات بالدرجة الكافية، طبعًا على مدار التاريخ هناك إسهامات كثيرة من الباحثين والعلماء، لكن ما نحتاجه حاليًّا ليس في الأساس بالكمِّ لكن بالكيف، بمعنى أنه ينبغي تركيز الباحثين حاليًّا على معالجة قضايا انتهاكات قواعد وقوانين الحرب في الوقت الحالي، ومن ثم معالجتها سواء من وجهة نظر القانون الإسلامي أو القانون الدولي الإنساني حتى نصل إلى الهدف الملموس، وهو التخفيف والحد من آثار الحروب التي تقع في الوقت الراهن.