يواجه القانون الدولي الإنساني تحديات مستمرة جراء تطور النزاعات المسلحة المعاصرة. فهناك تحديات تتعلق بتصنيف النزاعات المسلحة ما بين نزاعات مسلحة دولية ونزاعات مسلحة غير دولية، وهناك تحديات تتعلق بماهية الأطراف التي تحمل السلاح، وهل لجميع المقاتلين الحقوق نفسها التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني.

«الحرب كالحرباء قادرة على تغيير لون جلدها بشكل دائم لتوفيق مظهرها مع الظروف السائدة التي تشن فيها»، هذه مقولة الجنرال كارل فون كلاوزفيتز في كتابه «عن الحرب» الذي وضعه منذ نحو قرنين، وما تزال المقولة صحيحة حتى الآن. فالمشاهد أنه كلما تغيرت الظروف الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو طرأ كشف علمي كبير، غيرت الحرب من أساليبها ووسائلها لتتواءم مع ما طرأ من ظروف لتحقيق أهدافها. فالحرب ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة يسعى بواسطتها كل طرف من أطرافها لكسر إرادة الطرف الآخر باستخدام القوة المسلحة لإجباره على التسليم بالمطالب التي يبتغيها. 

ولما كان القانون الدولي الإنساني هو القانون الذي يهتم بالحرب باعتبارها أمرًا واقعياًّ، وتهدف قواعده إلى تخفيف ويلاتها قدر الإمكان في محاولة لأنسنة الحرب بعد أن صارت مستنقعًا للإجرام العالمي، تتأذى البشرية كلها من الممارسات التي تقع فيها. ولا عجب في ذلك! فالإنسان الذي يشعل الحروب في وقت الطيش هو نفسه الذي يكتوي بنارها، وهو الذي يسعى وقت الصحوة إلى التخفيف من ويلاتها. فكما أنه أصل الداء فهو مبتدع الدواء، وهو الذي وضع في هذا القانون قواعد عرفية وأخرى اتفاقية تكفل الحماية لبعض الفئات والأعيان أثناء النزاعات المسلحة، وتضع بعض القيود على وسائل وأساليب القتل.

ولتحقيق غايات إنسانية تطبيقًا لقاعدة أصولية وضعها هذا القانون تقرر بأن «حق أطراف النزاع في اختيار وسائل وأساليب القتل ليس حقًّا مطلقًا.»فإذا كان هذا هو موضوع القانون الدولي الإنساني، فمن الطبيعي أن تتأثر قواعده بكل تغيير يطرأ على وسائل أو أساليب الحرب. وحقًّا أن هذا القانون يملك ترسانة كبيرة من القواعد القانونية العرفية والاتفاقية التي تنظم موضوعه حتى لتبدو كالصرح الكبير، لكنه صرح بُني على خبرات الحروب السابقة مما دفع البعض إلى القول بأن «قواعد هذا القانون تأتى متأخرة بمقدار حرب.»

ولكن هذا هو شأن القواعد القانونية كافة، فيقال دائمًا إن النصوص تتناهى والوقائع لا تتناهى. والوقائع المستجدة تحتاج أحكامًا جديدة، وليس هذا عيبًا في ذاته، إنما العيب هو التقصير في متابعة هذه المستجدات. وعلى ذلك فإذا دققنا النظر في الحروب الحالية سنجد مستجدات تستدعى إعادة النظر في بعض القواعد القانونية التقليدية المستقرة من قبل. وهذه المستجدات من الكثرة بحيث لا يمكن التعرض لها دفعة واحدة لضيق المقام ولسوف نعرض بإيجاز لشيء منها.

البعض يقول إن اتفاقيات جنيف لا تحل جميع المشكلات التي نواجهها في نزاعات اليوم. تصوير (NIC BOTHMA/Epa)

تحديات جديدة


طرأ على التصنيف التقليدي للفئات المشاركة في الحرب بين مقاتل وغير مقاتل ظهور فئة تتحدى هذا التصنيف بقوة نتيجة اعتماد أطراف النزاع اعتمادًا متزايدًا على مدنيين من جنسيات مختلفة، والتعاقد معهم على أداء مهام كانت تعد عسكرية بحتة مما يدخل في اختصاص القوات العسكرية والأمنية للدول بما في ذلك من أنشطة حماية الأفراد والمعدات والمنشآت العسكرية والعمل في كمائن التفتيش وتدريب القوات المسلحة وجمع المعلومات الاستخباراتية واستجواب الأسرى والمعتقلين بل وحتى الاشتراك في عمليات قتالية.


وقد ظهرت هذه الفئة تحت عدة مسميات كشركات الأمن الخاصة أو شركات الأمن العسكرية وغيرها، وتنامى دورها لدرجة فرضت واقعًا لا يمكن تجاهله. فعلى سبيل المثال، تعمل في النزاع المسلح الذي وقع مؤخرًا في العراق 181 شركة تضم نحو 48 ألف شخص من عدة جنسيات ليست دولها من أطراف النزاع.

وسلكت الدول هذا الأسلوب في حروب اليوم نتيجة لعدة أسباب منها اتجاهها لتخفيض أعداد الجيوش خفضًا للتكاليف بعد انتهاء الحرب الباردة، والتقدم العلمي الذي زاد من القوة النيرانية للأسلحة التي يحملها الفرد المقاتل، واتجاه التخطيط العسكري إلى زيادة الحرص على أرواح الجنود حفاظًا على الروح المعنوية لشعوبها. وكان من جراء تطبيق هذا الاتجاه أن دخلت الحرب في كوسوفو التاريخ كأول حرب لا يفقد فيها الطرف المنتصر جنديًّا واحدًا.

وبظهور هذه الشركات عاد إلى الأذهان شبح القوات المرتزقة التي كانت تحارب في فترات قديمة من تاريخ أوروبا بكل ما تضمنته من سلبيات أقلها السعي لإشعال الحروب والعمل على إطالة أمدها باعتبارها مصدر رزقها، وتجارتها الرابحة. وتعالت الأصوات متسائلة عن الوضع القانوني لهذه الشركات وللعاملين فيها من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني. 

فهل هم من المقاتلين فيجوز استهدافهم في مقابل عدم مساءلتهم عن المشاركة في القتل ما لم يرتكبوا جرائم حرب؟ وهل يحق لهم التمتع بوضع أسير الحرب وفقًا لأحكام الاتفاقية الثالثة من اتفاقيات جنيف إذا وقعوا في قبضة الطرف الآخر؟ أم أنهم من غير المقاتلين الذين تشملهم الحماية المقررة لأمثالهم من المدنيين بموجب «اتفاقية جنيف الرابعة؟» أم هم من المرتزقة الذين نصت الفقرة الأولى من المادة 47، من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، على حرمانهم من التمتع بوضع المقاتل أو أسير الحرب؟ ثم عرفتهم الفقرة الثانية من نفس المادة على النحو التالي:
«المرتزق هو أي شخص: أ-يجرى تجنيده خصيصًا محليًّا أو في الخارج ليقاتل في نزاع مسلح. ب-يشارك فع ومباشرة في الأعمال العدائية. ج-يحفزه أساسًا إلى المشاركة في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويبذل له فع من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز بإفراط ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة أو ما يدفع لهم. د-وليس من رعايا طرف في النزاع ولا متوطنًا في إقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. ه-ليس عضوًا في القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. و-وليس موفدًا في مهمة رسمية من قبل دولة ليست طرفًا في النزاع بوصفه عضوًا في قواتها المسلحة.»

وقد زاد من تعقيد هذا التعريف الفضفاض استلزام توافر الشروط الستة المذكورة مجتمعة معًا بما يصعب تطبيقه عمليًا حتى إن أحد خبراء القانون سخر من هذا التعريف بقوله «إن أي مرتزق لا يستطيع أن يخرج نفسه من هذه الشروط الستة، يستحق أن تطلق عل

«وعلى ذلك فإذا دققنا النظر في الحروب الحالية سنجد مستجدات تستدعى إعادة النظر في بعض القواعد القانونية التقليدية المستقرة من قبل»- الصورة من بغداد في نيسان/ أبريل 2004. تصوير: (EPA/ALI HAIDER) على حيدر/ الوكالة الأوروبية للصور

يه النار هو ومحاميه.»

نحو تعريف منضبط


وقد أطلقت سويسرا واللجنة الدولية للصليب الأحمر مبادرة للإجابة على هذه التساؤلات في شأن استخدام الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في مجال النزاع المسلح، فاجتمع تلبية لهذه المبادرة خبراء حكوميون من 17 دولة في مدينة منترو [غرب سويسرا] في الفترة ما بين 2006 و2008 عدة مرات. وفي النهاية صدرت في ختام هذه الاجتماعات، وثيقة ليس لها أي طابع ملزم، تهدف «لتقنين استخدام تلك الشركات في أي ظرف خاص… وتبين الالتزامات القانونية الدولية والممارسات السليمة للدول ذات الصلة.» 


جدير بالذكر أن هناك اتفاقيتين تجرمان الارتزاق كسلوك في ذاته يتكسب به المرتزق قوته من دماء البشر، كما تدعو الاتفاقيتان إلى تجريم هذا الفعل في قوانينها الوطنية. كما أنهما لا يفرقان بين أن يقع هذا السلوك في نزاع مسلح دولي أو غير دولي. هاتان الاتفاقيتان هما: «اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية» للعام 1977 بشأن القضاء على ظاهرة المرتزقة في أفريقيا، وكذلك اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1989 ل «مناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم.»


أما البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف السابق الإشارة إليه وكذا باقي نصوص القانون الدولي الإنساني فليس فيها ما يؤكد أن سلوك الارتزاق في حد ذاته مخالفة أو انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني أثناء النزاع المسلح ما دام المرتزق لم يرتكب جريمة حرب. وكل ما رتبه هذا البروتوكول في حق المرتزقة إذا ما وقعوا في قبضة العدو عدم تمتعهم بوضع المقاتل أو أسير الحرب.


فإذا لاحظنا أن هذا البروتوكول الأول خاص بالنزاعات المسلحة الدولية، وأنه لا وجود لوضع أسير الحرب أصلًا في النزاعات المسلحة غير الدولية، ظهر لنا مدى الحاجة إلى إعادة النظر في تعريف المرتزق ليكون تعريفًا جامعًا مانعًا قاب للتطبيق ويرفع الشكوك المثارة حول عمل الشركات المشار إليها أو يؤكدها. والحاجة ملحة أيضًا لإضافة نص جديد يسوى بين وضع المرتزق في نزاع دولي والمرتزق في نزاع غير دولي مع اعتبار هذا السلوك في ذاته انتهاكًا جسيمًا أي بمثابة جريمة حرب.


وتبرز أهمية هذا المقترح الذي نقترحه إذا لاحظنا التحول الكبير الآخر الذي طرأ على شكل الحروب اليوم. فبعد انتهاء الحرب الباردة، والتطور العلمي الهائل الذي طرأ على الأسلحة على نحو تصاعدت فيه المخاوف من نتائج استخدامها إذ قد لا يمكن حصر آثارها المدمرة، فض عن تكاليفها الباهظة، انحسرت الحروب الدولية التقليدية وحل محلها الحروب الداخلية في النزاعات المسلحة غير الدولية لتحقيق نفس الأهداف بأقل التكاليف وبدون استخدام القوات المسلحة لدول خارجية. فيكفي إشعال فتن داخلية تستند إلى تناقضات موجودة أو مفتعلة سواء طائفية أو عرقية أو تاريخية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو غيرها.


وسواء أدت هذه النزاعات المسلحة غير الدولية إلى هدم كيان الدولة أو إلى تدخل دولة أو دول خارجية لها مصالح من وراء هذا التدخل، فقد تحققت للعدو الخارجي أهدافه بدون القتل في نزاع مسلح دولي وبدون استخدام قواته المسلحة وبتكاليف أقل لا تزيد عادة على تحريض طرف أو أكثر من أطراف النزاع غير الدولي وتقديم الدعم بالمال وبالدبلوماسية الدولية وبالسلاح لطرف ما وأحيانًا لجميع الأطراف. وبذلك فقد أصبح الحد الفاصل بين النزاع الدولي وغير الدولي ضبابيًّا مثيرًا للخلافات القانونية.

نُشر المقال في العدد «59» من مجلة «الإنساني» الصادر في صيف 2015.
يمكنكم أيضًا قراءة مساهمات معمقة حول التحديات المعاصرة للقانون الدولي الإنساني:
المستشار أمين المهدي: الحروب الجديدة تفرض تحديات عسيرة على القضاء الدولي
أحمد الداوودي، حماية المدنيين في قلب قانون الحرب في الإسلام
عمر مكي، في حروب اليوم، الأخلاق أيضًا تتصارع
جيليان جارسيا رافيل وفينسنت برنارد، تغيير النظرة النمطية للقانون الدولي الإنساني
تعزيز قواعد الحرب في زمن الاضطرابات…ماذا أضاف البروتوكولان الإضافيان لعام 1977 للقانون الدولي الإنساني؟