لقرون ظل «الأفريقي» بمثابة النموذج الخام لبشاعة التهجير القسري، ينفصل عن سلالته المادية والمجازية في رحلة طويلة مضنية تحاول إجباره دومًا على قطع كل صلة له بموطنه. إلا أن ذلك «الأفريقي» جاهد وكافح كي يُبقي على ذاكرة قوية، تختزن تفاصيل رحلة التهجير القسري الحزينة.

 الأفريقي الأسود، ذلك الكائن المتصور على أنه «الضعيف والمستعبد»، والذي سار مع مراكب الغزو البرتغالي والإسباني والإنجليزي، ليصبح «سلعة» وتجارة هامة تعبر المحيط الهادئ، من أفريقيا للعالم الجديد في الأمريكتين، ولأجزاء أخرى من العالم وصل إليها هذا اللون الصريح غير المهجن. دائمًا ما كانت هناك رغبة في استعباده، فاللون الأسود هو لون القوة والتحمل والتفاني في العمل.

تشعَّب جهده في الغابات، يقطع الخشب، ويجفف المستنقعات، ويشارك في الحروب، التي لم يكن سببًا فيها، ولكن قوة جسده كانت أحد رؤوس أموالها واستثماراتها المضمونة. عبرَ المحيطات في باطن السفينة، كالنبي يونس، لا يخرج لسطحها إلا فيما ندر، ربما عندما يمرض، أو ليُلقى به في البحر لو مات أثناء رحلة الانتقال للمنفى الجديد. شهور والسفينة تبحر بعيدًا عن أية أرض. ربما رحلة السفينة هي بداية المنفى، تتغير جغرافية الوطن في عينيه، يتحول الكون لبساط مائي مترجرج، يغيب حس الأرض والأحراش ويرتفع قالب أقدامه وذاكرته عن أرضه الأولى.

يسافر كما هو باللباس الخفيف المرتجل الذي لا يستر جسمه، ويكشف مساحات كبيرة منه، أغلب الوقت يقضيه عاريًا، كأنه لم ينفصل عن الأصل المرتجل الذي عاش فيه في الغابات. ولكن الغابة لم تنتقل معه، انتقلت معه فقط آخر صورة له، وهو يتم قنصه هناك، بعد أن تحول إلى جزء من سجنها أو إحدى أشجارها الميتة. يسافر باللباس الخفيف المرتجل، والسلاسل تطوق عنقه وآثار الختم المعدني الساخن على جسده، كختم الأسرى، وبجواره شباك الصيد التي كانوا يقتنصونه بها من الغابات أو من جوار الأنهار.

تمثال يرمز لتجارة العبيد في جزيرة جوريي على ساحل العاصمة السنغالية داكار. تصوير: NIC BOTHMA/ EPA.

هذه هي الصورة الخالدة لهذا النموذج المعذب، الذي فرش لونه الأسود على كل البحار والقارات، كبقعة حبر نقية تمتزج بمياه هذه القارات عقابًا لها على الصمت، وأنها حملت على ظهرها هذا الكم من صراخ أحد ألوان الحياة الأساسية. الفريسة العاقلة التي غالبًا ما تسقط في الشباك، لأنها خائفة على الدوام، الخوف كان يشل قدرتها على الهرب، مع الوقت أصبح الخوف إيمانًا، فهناك سفن وتجار ينتظرون في أقرب ميناء، وهناك مزارع ومراكز ومستعمرات جوعانة لهذه السلعة الرخيصة، وقرون وسطى خرساء أمام هذا النوع من الاستعباد، وهناك أيضًا خيانات داخلية، ونيران تحوط بالقرى من كل جانب.

في رواية «جذور: ملحمة عائلة أميركية»، للروائي الأميركي أليكس هيلى (Alex Haley)، التي يروي فيها رحلة استعباد أحد أجداده «كونتا عمر كنتي»، من قرية «جفور» بغامبيا، ووصوله لأميركا ورحلته هناك حتى إلغاء العبودية. يحكي كيف كان يتم «اصطياد العبيد»، بمساعدة أناس من بني جلدتهم، بأن يشعلوا النيران في تلك القرى، ويبدأوا في حصد الناجين، أما الكبار والعجزة فكانوا يتخلصون منهم.

كان أحد قوانين «الرجل الأبيض» ألا تقام «للعبد» جنازة حتى لا تتحول لمظاهرة حزن ضده، وأن يُجلد لو نظر للأبيض في عينيه. هذا القانون، خلق لهذا «العبد/ الإنسان» مجالًا أرضيًّا منخفضًا تتحرك فيه نظراته، أو ربما جعله ينظر داخل قلبه أكثر، ويرى هناك ما يقع وراء هذه المستعمرات. وربما شرَّع «الأبيض» هذا القانون ضمن ما شرَّع من قوانين في عصور صماء، ربما شرَّع هذا خوفًا من أن ينظر في عين ضحيته كما يتلافى الصياد أن ينظر في عين الغزالة الدامعة فيتراجع عن قتلها، ويتراجع «الأبيض» عن جريمته، ويمنحه حريته. كان «الرجل الأبيض» يحصن نفسه من أية رحمة قد تطوف بخياله.

كانت هناك مراكز وموانئ لتجمع العبيد الأفارقة ثم إعادة توزيعهم على خريطة العالم. أهم هذه المراكز كانت في جزيرة زنجبار التي تقع على المحيط الهندي وبها قلعة سوق العبيد. داخل هذه القلعة هناك أربع غرف بحجم عشرين مترًا للواحدة، في كل منها كان يُكدس نحو مائة وخمسة وسبعين «عبدًا»، أو إنسانًا على وشك أن يبدأ رحلة الاستعباد إلى أوروبا والأميركتين. تحولت هذه القلعة إلى متحف عام 1996. هذا المتحف هو صدى صوت هذا الأفريقي، الذي أينما حل وضع نقطة سوداء على خريطة الاضطهاد في العالم، لنسير وراءه، وراء ذكرى عذاباته في رحلة العبودية. وهناك أيضًا المتحف المفتوح الذي يبدأ من نقطة الأصل حتى الأمريكتين، شاملًا كل بلاد العالم الحديث.

البرتغاليون كانوا أسياد العالم في القرن الخامس عشر، في جوب البحار والسيطرة على الثغور واحتلالها، وبالمرة في صيد وتجارة العبيد على الساحل الغربي لأفريقيا. جعلوا هذا القرن «قرنًا أسود» من هذه التجارة. ثم توالت الدول في هذا السباق الاستعبادي فدخلت إسبانيا في القرن السادس عشر، ومن بعدها إنجلترا وفرنسا وهولندا والدنمارك وأمريكا. حملوهم للخدمة في المزارع والمستعمرات بالسخرة أو بأود حياتهم بدون أى وفرة قد تشعره بإنسانيته. لم ير نفسه في مرآة أي وفرة، حتى في اللون. لا نقود، لا حُبَّ، لا جنس، لا نساء، باستثناء وفرة الغناء الحزين، الذي حفظ بداخله حزن حياته أثناء الرحلة.

نحت للفنان السنغالي لامين بارو (Lamine Barro) لتجارة العبيد. تصوير: PIERRE HOLTZ/ EPA.

أحيانًا كان الاستعمار يقودهم لبلاد محتلة ليعملوا في مستعمراتها. وبالفعل كان الاستعباد أحد متطلبات سوق العمل الاستعماري. خلط الاستعمار أقوامًا مُستعبدة بأقوام محتلة، ضاعف من نقص أساسي: الحرية خارج وداخل البلاد، كأنه يجري تجربة في أحد المعامل، وينتظر ميلاد المزيج الجديد. وربما لم يكن يهمه هذا، يهمه فقط من يزرع ويفلح ويحصد. بينما هو يقف هناك على رأس المستعمرة أو المزرعة من مكان عالٍ يراقب بطاقم من الحراسة مُدَجج بالأسلحة سير العمل في هذا السجن الحديث.

كان العبد يتم قنصه من وسط سلالته المادية والمجازية، ينفصل عنهم، قسرًا، هذه الرحلة الفردية بامتياز بعيدًا عن أي ادعاءات جماعية أو حنين أو روابط جمعية، الرحلة الأسمى الإجبارية لتقشف العاطفة. وأي شيء ستقع عليه عينه في هذا الوطن قبل مغادرته، هو نهائي. وأي وداع بينه وبين آخر سواء في موطنه قبل أن يغادره أو في بلد الاستعباد؛ أيضًا هو وداع نهائي لا رجعة فيه. حتى أولادهم الذين ولدوا هناك ينفصلون عنهم ويتم بيعهم كإحدى الثمار المفصولة عن الشجرة الأم. لا يريدون لهم تكوين عائلة وإعادة نموذج الروابط للمكان الأصلي داخل المنفى الجديد. لم يكونوا يريدون لهم الالتفاف حول أي رمز أو مصطلح يجددون عبره رباطهم بمكانهم وبإنسانيتهم. يريدونهم دائمًا فرادى، خيوطًا مهترئة باستمرار.

ولكن بالرغم من هذه لم ينس «الأفريقي» عاطفته في رحلته، لم ينس حزنه، صحبه معه، صحب معه رحلة انسلاخه عن هذا الجسد الجمعي، وحيثما استقر غنى غناءً حزينًا سجل فيه كل شيء، حتى لا ينسى، أو لا ينسى أحفادُه، فهو لن يعيش ليرى دورة استعباده تعاد من البداية وتتحول لذكرى. لقد ربطت هذه الرحلة، بدون أن يقصد، بين لون وحزن وبراءة موطنه الأصلي، وبين الأطراف الجديدة التي وصل إليها بلونه سريع الانتشار، وبحزنه الأزرق المتفرد.

كان خروجه من موطنه الأصلي يعني أنه لن يعود مرة أخرى، الانفصال المادي عن أي معنى مركزى كالوطن، وداخل هذه الرحلة كان هو المادة الأولية التي يجرب فيها العالم الجديد طريقته الجديدة في الحياة، يجرب فيها قسوته على نفسه، وابتعاده وانفصاله عن أي سجن حميم كالوطن أو الأمومة أو الأبوة. ولكن «الأفريقي» لم يكن منتبهًا للتحولات التي تحدث داخله، فقد كان عنده ما يشغله، لم يكن عنده الوقت ليفكر في التكوين الجديد الذي أصبح يحوزه. كان يقف وما زال على مقربة من حضن العائلة، وسلالتها.

حدث شيء لم يكن في الحسبان أثناء رحلة الاستعباد، أن هذا «الكيان الهش والضعيف» واللون المستعبد، تسرب كثقافة إلى كل الجهات التي وصل إليها، وأصبح اللون أساسيًّا عند كل شعوب الأرض، بعد أن كان محددًا برقعة جغرافية. لقد حمل معه لونه وثقافته أينما ذهب، وانتشرت أغانيه وأطعمته، وطريقته في الحياة وأيضًا حزن رحلة استعباده. لقد تجاوز بضعفه وهشاشته حدود لونه ومكانه، أصبح هناك وطن عالمي لهذا الأفريقى الأسود هو وطن العالم. هو الجدير بلقب مواطن العالم، أكثر من أي جنسية أخرى.

لقد فرض نفسه عن طريق الاستعباد، لأنه يملك اللون الصريح الذي لا يقبل القسمة، كالمعدن النقي الذي تبنى عليه الحضارات. أصبح الاستعباد جزءًا من حركة انتقال الثقافة، فالثقافة رحلة استغلال من مكان لآخر، تجارة غير مرئية.

شعوب كثيرة استعبدت ولكنها ظلت في مكانها، كثقافة وكطموح، ولم تنتشر في العالم رغم أهميتها. أما الأفريقي ولأنه تحمل الجزء الأكبر من العذاب، ولأنه استُعبد وهو مسافر، استُعبد وهو سائر، استُعبد وهو هارب، وهو مذعور، وهو خائف؛ فحمل معه لونه وثقافته أينما ذهب، وأينما وصلت به مراكب الغزو.

نُشر هذا النص في العدد 60 من مجلة الإنساني الصادر في شتاء 2016 وموضوعه الهجرة