سعيت دائمًا لأن أقوم بشيء في هذا العالم، شيء ذي قيمة للبعض وبما يرضي نفسي، بغض النظر عن المكان أو حجم ما تمنيت. لقد كان دافعي للانخراط في مجال العمل الإنساني لأني تربيت على يدي سيدتين قويتين كان لهما الأثر الكبير على نظرتي لهذا العالم. أمي وجدتي هما من ألهمتاني للمضي قدمًا في مساعدة من بحاجة للمساعدة. 

وسواء كانت الأسباب في عمل جدتي في تنظيم سوق المزارعين المحليين أو دعم والدتي للمتقاعدين أو حتى قيادتهما لتأسيس دار للأيتام في سان جيل في كولومبيا، فقد كانت هاتان السيدتان مصدر إلهامي للإيمان بأهمية أن تكون فاعلًا في المجتمع. 

اسمي ماريا سوليداد رويدا، ولدت وترعرت في سان جيل في كولومبيا وأحمل درجة الماجستير في الدراسات التنموية، متخصصة في دراسات السلام والنزاع من المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف. عملت خلال الاثني عشر عامًا الماضية في بعض أصعب الأماكن في العالم، من بينها المنطقة الحدودية للصومال وجنوب السودان وإثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وميانمار وكذلك ليبيريا.

ماريا سوليداد رويدا- نائبة رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في قطاع غزة

أعيش حاليًّا في غزة، وفيها أعمل نائبة مدير البعثة الفرعية للجنة الدولية للصليب الأحمر. أنا الثانية من بين ثلاث شقيقات، تاريخ والدتي لا يختلف عن تاريخ العديد من النساء في كولومبيا [الدولة الواقعة في أميركا اللاتينية]، يعشن في منزل يهيمن عليه العنف، ويُحال بينهن وبين الدراسة أو العمل. بعد أن وصلت والدتي تقريبًا إلى القاع، تمكنت من الفرار من عنف هذه الهيمنة، استطاعت أن تخرج عن كونها مجرد رقم، فقررت أن تربي بناتها الثلاث وحدها، كأم عزباء. 

في الواقع بدأت العمل الطوعي في دار الأيتام عندما كنت في العاشرة من العمر، فقد وفرت لي هذه التجارب المبكرة دروسًا قيمة عن الحقائق الاجتماعية لكولومبيا. فالأطفال الذين نشأوا في الجبال النائية كان لديهم تنشئة أكثر صرامة. رأيت آثار النمو المحاط بالعنف والذي يمكن للأطفال أن يصبحوا ضحيته. 

لقد بقيت هذه التجارب عالقة معي حتى أثناء دراستي للعلاقات الدولية في جامعة إكستيرنادو في بوغوتا. وعندما كنت في الثانية والعشرين من عمري، تعلمت من مسيرتي في وقت مبكر، ومن تجربتي الميدانية الأولى في دارين في بنما. وأردت أن أركز حياتي المهنية على المساعدات الإنسانية والقتال من أجل احترام القانون الإنساني الدولي، الذي كنت أدرسه في ذلك الوقت.

بالنسبة لأطروحتي الجامعية، سافرت إلى دارين، تعاملت مع السكان الأصليين في أمبيرا – وونان، وهو مجتمع أمومي، كانوا يقاتلون للحفاظ على تقاليدهم وأرضهم. وبكل تواضع كان الوقت الذي أقضيه معهم صعبًا. لقد أعطتني هذه الفرصة القدرة على فهم العدسة التي نرى من خلالها مجتمعات ليست طبيعية. فالتنوع متأصل في النوع البشري، والمرأة هي المصدر الوحيد للحفاظ على هذا التنوع.

انضممت للجنة الدولية للصليب الأحمر، ذلك العمل الذي أخذني لأماكن مختلفة حول العالم من جمهورية أفريقيا الوسطى إلى ميانمار ومن ليبيريا إلى غزة. كنت مسؤولة في إحدى مهماتي عن استقبال خمسة عشر ألفًا من المهاجرين السودانيين، وأثناء عملي رأيت اليأس في شعب بانغي [عاصمة جمهورية افريقيا الوسطى] الذي كان يتحول للعنف للحصول على وجبة ثانية، وغيرها من التجارب الأخرى التي كانت مراحل مذهلة في حياتي. كل منها كان لها الأثر في اختباري جسديًّا ومعنويًّا بطريقة لم أتوقعها.

لقد برهنت لي كل هذه الفرص المتواضعة كيف يمكن أن يقودنا إلهامنا وبصيرتنا ونزاهتنا لخدمة الغير وهو كذلك ما قاد والدتي وجدتي.

وفي غزة عندما عبرت إيرز لأول مرة، وهو المعبر الرسمي بين غزة وإسرائيل، كنت في سباق مع ذهني حول ما سأراه، وما زال هذا الشعور يراودني بعد المرات الكثيرة التي مررت فيها من هذا المعبر. ومن خلال موقعي كنائبة لمدير البعثة الفرعية لامست الحياة في بيئة تزداد تعقيدًا، رأيت تبعات النزاع المسلح المستمر والفقر وعدم المساواة وسوء الإدارة. وأدركت كيف تؤثر السياسات مباشرة على حياة الأفراد والأجيال بما هو جيد أو سيئ. إن الاحتياجات في غزة مضاعفة. فغزة هي من أكثر الأماكن المكتظة بالسكان، يقطنها مليونا شخص على مساحة 360 كم مربعًا والتي شهدت ثلاث حروب في عشر سنوات. 

فالعنف المنظم الذي يشير له الغزيون في بعض الأحيان بالسجن، يمكننا الإحساس به في كل زاوية من القطاع. وبكل تواضع وكما يمكن للحرية أن تكون، فغزة وأهلها من نساء ورجال يعلمونك الكثير في كل نفس يأخذونه.

خلال شهرين فقط في غزة: سقط أكثر من 13000 جريح فلسطيني، أصيب 3600 منهم بالذخيرة الحية. إجمالي الإصابات في الأطراف حوالي 5400 إصابة. الصور لجرحى موجة العنف الأخيرة. تصوير: اللجنة الدولية.

هناك ما هو أكثر من ذلك، فالتعليم جزء من الحمض النووي لأهل غزة؛ تربى الأمهات أطفالهن على إبقاء الأمل والحياة. كم يلهمنا أن نرى نساءنا يقدمون الرعاية لعائلاتهن بشجاعة وأن يكن قادرات على إعالة أسرهن! إن الوضع في غزة صعب للغاية مما أجبر المجتمع على وضع أنماط الحياة وتقاليدها على المحك. وفي ظل ارتفاع معدلات البطالة هنا، فأكثر من نصف السكان هم من النساء اللواتي يكملن دراستهن ولا يستطعن الحصول على عمل لجلب الطعام وطبخه لأسرهن.

«احلمي بالقصور لتحصلي على كوخ، حلقي بحلمك بعيدًا، وتجاهلي كل صوت يقول لك إنك لا تستطيعين القيام بذلك، هذه مقولة أمي التقليدية».

قابلت طالبة جامعية وعندما سألتني عن حلمي أخبرتها بابتسامة كبيرة: قبل عشرين عامًا كان حلمي أن أعمل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وصدقيني في ذلك الوقت كان هذا حلمًا بعيدًا لفتاة من كولومبيا من سان جيل المدينة الصغيرة في شمال شرقي البلاد. وبعيدًا عن كل الحدود، وكما كانت تقول لي أمي، عندما تضيئين الطريق لشخص في طريقك، تستطيعين إضاءة طريقك. 

رأيت بريقًا في عينيها، وأضفت، هدفي الآن الاستمرار في قيادة عمليات المساعدات الإنسانية في المناطق التي بحاجة ماسة إليها، وفي منصب قيادي أوسع كي يكون لي دور أكثر فاعلية في رسم السياسات التي تؤثر على من هم أكثر احتياجًا. أرى نفسي خلال العشرة أعوام القادمة مسؤولة عن إدارة عمليات إنسانية كبيرة في العالم، ولديَّ تأثير أكبر على السياسات والقرارات على المستوى الدولي. وأن أكون مصدر إلهام وأستمد القوة بمثابرة المرأة في المجتمع.
بعد عشرين عامًا ستصبح أمي في الخامسة والثمانين من عمرها وعندها لن تقوى عضلاتها على فعل ما تفعله الآن، وسيكون من واجبي أن أحافظ على العمل الاجتماعي الذي بدأت به جدتي في دار الأيتام في سان جيل عندما فكرت أن تجعل أطفالنا في كولومبيا مصدرًا للأمل والإنسانية في المجتمع.

للقراءة:

قدمنا في الشهور الماضية عددنا من المساهمات التي تمس الوضع الإنساني في قطاع غزة. انظر مثلا:

نبيل سنونو، مرضى «الكُلى» في غزة ينشدون الحياة

سهير زقوت، غزة عندما يسير الموت والحياة في خطين متوازيين

إيكو باوتيستا جارسيا، البسمة عندما تجعل غزة وطني الثاني

دكتور عصام السيد، غزة.. رحلة شفاء الجرحى محفوفة بالمخاطر

واقرا أيضا: 

نحن النساء الفلسطينيات في ميدان العمل الإنساني