تناقش «الإنساني» مع المستشار والقاضي الدولي ذي الخبرة الكبيرة في القانون الجنائي الدولي الدكتور محمد أمين المهدي التحولات على صعيد القضاء الجنائي الدولي وتحديات التصدي للجرائم الأشد خطورة في النظام الدولي في ظل الموجة الجديدة من الحروب.

للمستشار محمد أمين المهدي رحلة قانونية حافلة في مصر، فقد ترقى في المناصب القضائية حتى وصل إلى رئاسة مجلس الدولة، واحدة من أكبر المؤسسات القضائية المصرية، خاصة في مجال إقرار الحقوق والحريات. وفي العام 2000، رشحته الحكومة المصرية كي يكون قاضيًا في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة. وخلال الفترة التي قضاها في منصبه في المحكمة الدولية (من تشرين الثاني/ نوفمبر 2001 إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 2005)، أصدر العديد من الأحكام المهمة.
توليت منصبًا قضائيًّا في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في أوائل الألفية الثانية. هل لك أن تعود بالذاكرة قليلًا وتصف لنا طبيعة المشهد القانوني الجنائي الدولي في تلك الفترة؟
أعتقد أن عقد التسعينيات كان فترة غلب فيها صوت القانون على صوت القوة. في ذلك الوقت، كانت الفرحة طاغية لاتفاق دول العالم، بخاصة الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن على إنشاء محاكم جنائية دولية. ليست محكمة واحدة وإنما اثنتان. واحدة في العام 1993 وهي المحكمة الخاصة بجرائم الحرب التي وقعت في يوغسلافيا السابقة، والثانية في العام 1994 وهي المحكمة الخاصة بجرائم الحرب التي وقعت في رواندا.
كان اتفاق الدول الخمس أساسيًّا لإنشاء هذه المحكمة، فمن دونه كان يستحيل إنشاء مثل هذه المحاكم. كانت هذه هي الفترة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وانتهاء انقسام العالم إلى معسكرين. تصورنا نحن كرجال قانون أن صوت القانون سيعلو على صوت القوة. أصبح المجتمع الدولي يتكلم، نوعًا ما، لغة واحدة تستطيع أن تحقق العدالة وتطبق مفاهيم القانون الدولي الإنساني. اعتقدنا أن هذه ستكون بداية لوضع المجتمع الدولي على الطريق الصحيح وهو سيادة القانون. وتُوجت هذه الأجواء بالاتفاق على «معاهدة روما» سنة 1998 [النظام التأسيسي للمحكمة الجنائية الدولية].
إذن كان عقد التسعينيات وفقًا لرؤيتك هو عقد التفاؤُل لتطبيق القانون؟ ولكن بعد ذلك كانت هناك سنة مفصلية على حد تعبير الكثيرين وهي العام 2003 الذي شهد غزو الولايات المتحدة للعراق؟
هذا صحيح. كان هناك تفاؤل في التسعينيات لكن السنة المفصلية كانت 2001 وليست 2003.  ففي العام 2001 ومع ابتداع نظرية «الحرب ضد الإرهاب»، وتقسيم الدول إلى «حلف الشيطان» في مقابل «حلف الخير» سببه المعلن هو الاعتداء على أبراج التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاجون [أحداث أيلول/ سبتمبر 2001]. وتلت ذلك مشاكل قانونية كثيرة مثل الوضع القانوني لمقاتلي تنظيمي «طالبان» و«القاعدة» [في أفغانستان] لأن الولايات المتحدة وصفتهم «بغير الخاضعين لأي قانون»، ومن ثم بموجب ذلك اعتبرت أنه يمكنها القبض عليهم ووضعهم في المعتقلات من دون محاكمة.

القاضي الدولي المستشار محمد أمين المهدي في القاهرة في آب/ أغسطس 2015. تصوير: أحمد عبد الفتاح

يرى البعض أن هناك فروقًا ما بين الحرب في أفغانستان والحرب في العراق من ناحية الأطراف المشتركة في النزاع. ففي العراق مثلًا تعدد الفاعلون المنخرطون في الحرب أو حاملو السلاح…
بعد غزو العراق تم حل الجيش العراقي، وهو كان قرارًا غريبًا، لأنه أصبح هناك سلاح من دون جيش، وبالتالي يمكن لأي شخص أن يحمل السلاح ويفعل به ما يشاء. وبدأت ظواهر طائفية غريبة تحدث من مهاجمة مساجد لطائفة ما أو حجاج خلال زيارة أماكن مقدسة، وكلها مشاهد حدثت تحت نظر القيادة الأميركية التي كانت مسؤولة عن الوضع. كانت مشاهد مقززة ومروعة، هدفها إشاعة جو من الرعب في المجتمع العراقي، وهو الرعب الذي يقابله التسلح.
عندما يضعف أداء الدولة لمهمتها الأساسية وهي الحفاظ على الأمن، فإن أي شخص يمكنه أن يحتمي بسلاحه الخاص. وسبق لي أن قلت في ندوة عُقدت بمناسبة طرح النسخة العربية لكتاب أنطونيو كاسيزي [قاضٍ إيطالي بارز والرئيس السابق للمحكمة الخاصة بلبنان] عن القانون الجنائي الدولي، أن لدى الدول العربية وشمال أفريقيا ودول الشرق الأوسط بالذات مرارة من كيفية تطبيق المجتمع الدولي لأحكام القانون الدولي عمومًا في المنطقة وليس فقط الجنائي. فمثلًا لم تراع دول الانتداب ولم تحترم واجباتها وهي تنسحب من دول جرى انتدابها كما هي الحال في فلسطين. كما أن دولًا كبرى أعضاء في مجلس الأمن شاركت في الاعتداء على دولة عربية هي مصر في العام 1956.
يضاف إلى ذلك فرض عقوبات تحت غطاء مجلس الأمن والأمم المتحدة على دول عربية مثل العقوبات الاقتصادية على العراق التي شملت حظر توريد أمصال وألبان للأطفال، مما أدى إلى وفاة نحو 800 إلى 900 ألف طفل بحسب ما جرى توثيقه. وهذه في حد ذاتها جريمة، تصل لحد جريمة ضد الإنسانية، لأنه لا يمكن أن تكون الألبان أو الأمصال للأطفال أدوات حرب.
في عالم ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر وبعد غزو العراق وموجة الجرائم الجنائية الخطيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هل استمرت نظرتكم المتفائلة لتطبيق القانون على الأطراف التي ترتكب هذه الجرائم؟
أنا كرجل قانون لا بد أن أكون متفائلًا، كما أنني مؤمن بأن النصر سيكون للحق وللقانون في النهاية. ولكن هذا لا يمنع أن السياسة بدأت تتغلب.
ماذا عن العدالة الدولية حاليًّا في ظل موجة العنف التي أعقبت ما يُعرف بـ «الربيع العربي» واندلاع النزاعات والانتهاكات الخطيرة في دول عربية عدة؟
فيما يخص العدالة الدولية نبدأ أولًا باتفاقية روما [المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية] والتي دخلت حيز التنفيذ في 1 تموز/ يوليو 2002. لقد وُصفت هذه المحكمة بحق بأنها مارد ولكن بلا أذرع. فعند اختيارها لقاضٍ دولي، تختاره المحكمة بكل دقة وموضوعية وحياد. ولكن في الواقع عندما أرغب كقاضٍ بإصدار حكم، من أين لي أن أتحرى الحقيقة؟ عليَّ أن أستدعي الشهود وأستدعي المتهمين. كيف لي ذلك من دون مساعدة المجتمع الدولي؟  المحكمة ليست لها قوة تنفيذ على الأرض. وهي الحال بالنسبة للكثير من القضايا التي تنظر. إذ تنص القواعد المتبعة في المحكمة الجنائية في لاهاي على أن يكون المتهم حاضرًا وهو أمر لا يمكن حدوثه من دون تعاون الدول.
وقد جرى تعديل القواعد لتجيز استمرار المحاكمة في غياب المتهم إذا كان يتولى منصبًا تنفيذيًّا في حكومته يقتضي وجوده في بلده. أنا لا أقول إن هذا القرار سلبي أو إيجابي، ولكني أرصد ظاهرة تحلل القوانين فيما يخص التعامل مع الرؤساء. والمقصود بهذا القرار كان نائب رئيس كينيا وليام روتو المطلوب للمحاكمة بجرائم ضد الإنسانية. يدل هذا على مشكلة في تطبيق القانون ويدل أيضًا على واقعية. إذا قلنا إنه لا يمكن الاقتراب منهم لأنهم رؤساء ومسؤولون، فهذا معناه انتقائية في تطبيق القانون.
في عالم الصراعات حول العالم عشرات التنظيمات المسلحة التي يُحتمل تورط عناصرها في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فكيف يتعامل القانون الدولي الإنساني مع هذه الجماعات؟
حدث تغير في قانون الحرب؛ أي القانون الدولي الإنساني. تغيير في الأحكام وفي المفهوم. هناك شرط في التعامل مع فصيل أو تنظيم مسلح هو أن يكون له رئيس مسؤول بحيث يستطيع أن يفرض تطبيق القانون على أتباعه. إنما الوضع الآن ملتبس. هناك جماعات لا تعترف بأي قانون غير ما تضعه هي من قوانين. هذه الجماعات لا تعترف بالقانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني أو بالمحاكم الدولية. هناك جماعات تطبق أحكامها الخاصة على الأسرى وغيرهم.
كما أن هناك عشرات الفصائل المسلحة، وهذا يزيد الالتباس. هناك أيضًا موضوع حماية المدنيين وهو القاعدة المسلم بها والأساس للقانون. الاحتماء بالمدنيين كدروع بشرية من كبرى الجرائم في القانون الدولي. وعلى حد علمي أصبحت متكررة وعملة متداولة. لا أريد أن أقول إن هؤلاء فقط هم من اقترفوا هذه الانتهاكات، فهناك دلائل تفيد بأن قوات حكومية تستهدف أيضًا الصحافيين عمدًا. ونشاهد في أنحاء كثيرة من العالم كيف أصبح الصحفيون يتعقبون ويستهدفون بالرغم من أنهم يتمتعون بالحماية طبقًا للقانون الدولي الإنساني.
البعض يرى أن الإطار القانوني الذي يحمي عمل الصحفيين في النزاعات غير كاف؟
الصحفيون على الأقل مدنيون، وهذا هو شكل الحماية في حده الأدنى بوصفهم عناصر غير مقاتلة. لا يجوز استهداف الصحفيين لأنهم عناصر مدنية، وأساس القانون هو التفريق بين المدني والعسكري والأعيان المدنية والعسكرية. لكن هذا الحد الأدنى لا يمنع من استهدافهم. وجريمة استهداف الصحفي أو غيره واحدة، هي جريمة حرب. ومن ثم لا بد أن يكون للصحفيين في النزاعات حماية خاصة على غرار العاملين في الصليب الأحمر أو العاملين في الأمم المتحدة.
هل تشكل الجماعات المسلحة ضغطًا أو مأزقًا للقانون الدولي الإنساني؟
طبعًا من غير المتصور أن تنعقد المحاكمات في دول تسيطر على أجزاء منها هذه الجماعات. كما أن بعض الدول لا توجد بها حكومة، وبالتالي لا يوجد قضاء، ما يجعل الملجأ الأخير هو القضاء الدولي. عليك أن تجري تحقيقًا عن المسؤول عن الجرائم حتى تحضره وتحاكمه. مشكلة أخرى قد تظهر مع تدخل أطراف أجنبية في الصراع. وقد وضعت محكمة يوغوسلافيا معيارًا لتدويل الصراع، وهو أن يكفي أن يكون للدولة الأجنبية سيطرة عامة على العمليات حتى يأخذ الصراع صفة الدولية. هناك في بعض الدول شبه وجود لحكومة مركزية، ولكن هذه الحكومة لا تسيطر على كامل الوضع، وبالتالي ماذا ستفعل أي محكمة دولية إن كان المجتمع الدولي غير حاسم في إنهاء هذا الصراع؟
هل يمكن أن تشرح أكثر هذه النقطة؟
في يوغسلافيا مثلًا جرى إنهاء الصراع بالتدخل الدولي واستخدام القضاء كوسيلة لحسم النزاع على الأرض. الفكرة كلها هل هناك إرادة جادة دولية في تطبيق القانون؟ وقد استخدم المجتمع الدولي مثلًا ورقة المعونة مع صربيا لحثها على تسليم الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوسيفيتش، وكانت ورقة المعونة هي سبب تيسير وتسهيل القبض على ميلوسيفيتش ومحاكمته.
بناء على خبرة المحاكم الدولية في يوغسلافيا ورواندا، هل ترى أن هذه المحاكم حققت أهدافها الأساسية؟
لولا ما حكمت به المحكمتان لما كانت هناك اتفاقية مثل اتفاقية روما. التراث القضائي الدولي كان يقتصر قبل هاتين المحكمتين [يوغسلافيا ورواندا] على محاكمات نورنبيرغ وطوكيو إثر الحرب العالمية الثانية في عامي 1945 و1946. منذ ذلك الحين حدثت فجوة كبيرة جدًّا في الانتهاكات الدولية والقوانين. أسهمت محكمتا يوغسلافيا ورواندا في تطوير تطبيق القانون. وأرَّخت المحكمتان لجريمة الإبادة الجماعية، وتحديد المسؤولين عنها، وكذلك تطبيق معايير للتفرقة بين النزاعات الدولية وغير الدولية.
أثرت هذه الذخيرة القضائية الضمير الإنساني، وهو ما انعكس أيضًا على المحاكم الجنائية المختلطة مثل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.* هذه المحكمة الأخيرة استندت في ما استندت إليه من تعريف لجريمة الإرهاب إلى حكم صدر من محكمة يوغسلافيا وكنت عضوًا في الدائرة التي أصدرته. القضية كانت حول إشاعة الرعب في المدنيين. قال المحامي عن المتهم، وهو الجنرال «غاليك» Galic، «إن أقل شيء يثير الرعب خلال الحرب، فكيف يمكن التفريق بين الرعب المتعمد وغير المتعمد؟» كنت مكلفًا بكتابة هذا الشق من الحكم واقتنع به الجميع. وقلت إن الأساس هو وجود نية لإشاعة الرعب بين المدنيين.
هامش
**المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مقرها مدينة لاهاي في هولندا. شُكلت من قبل مجلس الأمن للنظر فيما توصلت إليه لجنة التحقيق الدولية الخاصة باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.

نُشر هذا الحوار في العدد 59 من مجلة الإنساني-صيف 2015