لم تعد الفضاءات الملموسة في البر والبحر والجو كافية لاحتواء هذا المد السرطاني المُسمَّى بالعنف، فقد تزايد وتوسع ليخلق مفهومًا جديدًاً سُمي بـ «العنف الرقمي»، يتخذ من الإنترنت والشبكات الإلكترونية ساحة قتال، ليس فقط لبث روح التفرقة والتطرف ورفض الآخر، وإنما أيضًاً لشن هجمات من شأنها إضعاف قدرات هذا الآخر نفسيًّا أو ماديًّا أو كلاهما معًا.

ذهب البعض لوصف الحروب الإلكترونية بأنها حرب باردة جديدة، تخلق واقعًا عالميًّا جديدًا يتميز بكثير من التعقيد. وأصبحنا الآن أمام مصطلحات حربية تقليدية تضاف إليها الصفة الافتراضية أو الرقمية أو الإلكترونية، مثل: التسليح الإلكتروني، سباق التسلح الإلكتروني، ساحات الحرب الإلكترونية، الجهاد الإلكتروني، المحاربين أو المقاتلين الإلكترونيين، مناورات إلكترونية، وأخيرًا الإرهاب الإلكتروني.

حدا هذا الوضع الجديد مجموعة من الخبراء لأن يطالبوا بعقد اتفاقية دولية للحد من التسلح داخل الفضاء الإلكتروني، مثل تلك التي تمت في مجال الانتشار النووي والكيماوي، ويمكن لهذه الاتفاقيات أن تساهم – في حال تطبيقها – في وضع قيود على الحروب الإلكترونية؛ استخدامها وتوزيعها وانتشارها وتطويرها.

في عام 2013، ساهمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصفتها مراقبًا في نشر ما يُعرف بـ «دليل تالين للقانون الدولي المُطبَّق على الحرب الإلكترونية» (اختصارًا دليل تالين)** وهو وثيقة غير ملزمة شارك في صياغتها مجموعة من الخبراء القانونيين والعسكريين.

يتمسك الدليل بالثنائية التقليدية للنزاعات المسلحة الدولية والنزاعات المسلحة غير الدولية، ويقر بأن الحروب الإلكترونية أو بصورة أكثر عمومية العمليات الإلكترونية، قد تشكل نزاعات مسلحة تبعًا للظروف، لا سيما وأن هناك آثارًا مدمرة لتلك العمليات. في هذا السياق، يعرف الدليل «الحرب السيبرانية» بأنها «وسائل وأساليب القتال التي تتألف من عمليات في الفضاء الإلكتروني ترقى إلى مستوى النزاع المسلح أو تُجرى في سياقه»، ضمن المعنى المقصود في القانون الدولي الإنساني.

أما «الهجوم السيبراني» فيعرفه الدليل بالاستناد للقانون الدولي الإنساني، فهو «عملية إلكترونية سواء هجومية أو دفاعية يتوقع أن تتسبب في إصابة أو قتل أشخاص أو الإضرار بأعيان أو تدميرها».

أنشأت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكوريا الجنوبية وحدات خاصة بالقوات المسلحة مسؤولة عن الحرب الإلكترونية. تصوير: EPA/KIM LUDBROOK

مظاهر التدمير الرقمي

 نشطت العديد من دول العالم في السنوات الأخيرة إلى تطوير استخدام مهارات الإنترنت والحواسيب كأدوات هجوم ودفاع واستخبارات وحروب نفسية. فقد أنشأت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكوريا الجنوبية – حسب تقارير إعلامية – وحدات خاصة بالقوات المسلحة مسؤولة عن الحرب الإلكترونية أو حرب المعلومات.

وتجمع هذه الوحدات الخاصة ما بين العقل العسكري والمهارات التقنية التي تمكنها من إحداث خسائر أو الدفاع وصد الهجمات. من ناحية أخرى، يتزايد استخدام الإنترنت بشكل عام، ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص كأداة فعالة في الحرب التي تشنها التنظيمات المسلحة لا سيما في الشرق الأوسط. وجدت هذه المجموعات في الفضاء الإلكتروني وسيلة مفيدة في صراعها. فاستخدمت وسائل التواصل الاجتماعي في تجنيد المقاتلين عن طريق مقاطع ترويجية لما ينتظر الجنود الجدد من فرصة للقتال في سبيل الله – على حد قولهم. كما استفادت هذه التنظيمات من الفضاء الإلكتروني بوصفه منصة لإطلاق الحرب النفسية ضد الخصوم بتصوير مشاهد العنف ونشرها على نطاق واسع لبث الرعب والذعر.

علاوة على ذلك، يُستخدم الإنترنت في شن هجمات إلكترونية (Cyberattacks) من شأنها إلحاق خسائر بالخصم، غالبًا ما تكون مالية؛ فيجري استهداف البنوك أو المواقع الحكومية التي تحتوي على بيانات هامة، أو حتى استهداف منشآت صناعية، كما حدث لبرنامج إيران النووي، فوفقًا لتقرير شركة سيمانتك العاملة في مجال الأمن الإلكتروني، فإن نسخة من فيروس الكمبيوتر (ستكسنت) استُخدمت لمهاجمة منشأة نووية في إيران في عام 2007.

مواجهة للعنف أم حد من الخصوصية؟

يرى بعض المحللين أن التحدي الأكبر الذي يواجه الحرب الإلكترونية هو معارضة منظمات المجتمع المدني لبعض الإجراءات التي تتبعها بعض الدول والتي تفضي إلى تقليص حرية الأفراد من خلال مراقبة الإنترنت ووسائل التواصل والتراسل، مما يمثل تعديًا على حرية وخصوصية الأفراد وسرية معلوماتهم الشخصية.

تتطلب الطبيعة غير التقليدية لهذه الحروب حلولًا أو معايير غير تقليدية للتعاطي معها. يعني هذا أن الحلول التقليدية ممثلة في الرقابة الصارمة وغلق المواقع وحسابات التواصل الاجتماعي التابعة لتنظيمات وفصائل مسلحة، لن تحرزا نجاحًا كبيرًا في هذا السياق. وقد اعترف العديد من خبراء الأمن الإلكتروني (Cybersecurity) بصعوبة هذا الإجراء، لأن مقابل كل صفحة أو موقع أو حساب يُغلق، ستنطلق عشرات المواقع غيره.

وبالرغم من الطبيعة الافتراضية لهذا النوع من العمليات العسكرية، فإن الأضرار والمعاناة الناتجة عنها لا تقتصر على العالم الافتراضي. ففي عصر يجري فيه التحكم بكل شيء إلكترونيًّا، قد تستهدف بعض الهجمات الإلكترونية مؤسسات البنية التحتية لمنطقة ما، مما يسبب حرمان عدد كبير من المدنيين من الخدمات أو المواد الأساسية كالمياه أو الكهرباء أو الرعاية الطبية، وقد يترتب على ذلك معاناة كبيرة وربما فقدان البعض لحياتهم. لذا فمن المهم متابعة النقاشات الدائرة في هذا المجال، بالإضافة لمتابعة التطورات التقنية من أجل تقليل المعاناة الناجمة عن «العنف الرقمي».

**

نُشر هذا المقال في العدد 59 من مجلة الإنساني-صيف 2015