لم تستطع طبول الحرب التي تدق في سورية منع صوت الموسيقى من أن يرتفع عاليًا في سماء المدن السورية المثخنة بالجراح. فأي إطلالة سريعة للنشاط الموسيقي في البلاد تكشف عن حيوية مدهشة، تتحدى الحرب وتأمل في غدٍ مختلف.

قبل نحو عامين، اتخذت آرني بيوند، وهي موسيقية سورية، قرارًا مصيريًّا بالعودة إلى بلادها الواقعة تحت نير النزاع المسلح لسنوات. لم تكن عودة آرني، وهي عازفة فلوت شابة، عودة تقليدية، إذ إنها كانت أكثر حماسة لاستئناف نشاطها في تقديم حفلات موسيقية.  آرني ليست وحدها، فهناك كثيرون مثلها في الجماعة الموسيقية السورية، ممن عملوا جاهدين على أن يبقى للموسيقى صوت مسموع يتحدى أصوات القنابل والقذائف.

وخلال النزاع المسلح الذي يدخل عامه الثامن، خسرت سورية في الحرب الكثير من موسيقييها والعاملين في هذا الحقل. وتقول تقديرات إن تسعين في المائة من العاملين تركوا المجال الموسيقي داخل سورية بعد اندلاع الحرب، غالبًا بسبب الهجرة إلى الخارج. ومع ذلك، حاول كثيرون العمل على استمرار النشاط الموسيقي في البلاد سواء عبر إقامة الحفلات الموسيقية، أو المواظبة على تنظيم الدورات الموسيقية للأطفال والكبار في مناطق مختلفة في البلاد.

الفنانة آرني بيوند مثال على الموسيقيين الذين جاهدوا للإبقاء على الموسيقى حية في سورية. غادرت آرني بلادها ولم تعد إليها في السنوات الأولى من النزاع المسلح خاصة بعد سلسلة التفجيرات التي استهدفت المعهد العالي للموسيقى ومحيطه ودار الأوبرا في العام 2012.

في ذلك الوقت قرر والداها أن تبقى في أرمينيا، وهناك تخرجت في معهد يارافان في كوميداس الأرمينية وشاركت في مسابقات موسيقية عدة. وفي العام 2015، اتخذت قرارها بالعودة لسورية والعمل مع مجموعة موسيقيين مثل أحمد بدرا وسيمون مريش ويحيى بريشة. قدمت آرني حفلة موسيقية على خشبة مسرح الحمرا، عزفت فيها مقطوعات جديدة. ومنذ ذلك الحين وهي تنظم الحفلات مستقطبة جمهورًا غفيرًا.

لا تنفرد آرني بهذا النشاط، فهناك أيضًا آري جان سرحان، وهو عازف محترف على آلة البزق. لدى آري تجارب خاصَّة في الموسيقى التصويريَّة لأعمال دراميَّة وسينمائيَّة ومسرحيَّة. تخرج في المعهد العالي للموسيقى في دمشق، وهو عضو مؤسس لكثير من الفرق المحليَّة السوريَّة مثل حلم ونهاوند وألوان وقوس قزح. لم تمنع الحرب آري من الاستمرار في نشاطه الموسيقي. يقول في حوار أُجري معه في العام 2016: «البعض يقول إن العالم تموت وأنتم تعزفون الموسيقى. وردي أنني موسيقي وأرغب في عملي الموسيقي. أريد أن يسمع العالم موسيقاي». 

في سنوات الحرب برز آري موسيقيًّا على عدة أصعدة، فقد ألف الموسيقى التصويرية لعدد من المسلسلات السورية التي حظيت بشهرة واسعة، مثل الجزء الثاني من مسلسل «دنيا»، ومسلسل «شهر زمان»، وكذلك ألف الموسيقى التصويرية لأفلام حازت نجاحًا مثل فيلم «الرابعة بتوقيت الفردوس» (2015)، وهو فيلم نال جائزتين في مهرجان الإسكندرية السينمائي في العالم 2015، وأيضًا موسيقى فيلم «حرائق» (2016).

آري اسم مهم في سياق تأثير الحرب على الرؤى الموسيقية في سورية. فقد عمل هذا الموسيقي مع الفنان خالد رزق، العازف على آلة العود وصاحب رصيد مميز في التأليف الموسيقي.

أنتج الشابان آري وخالد معًا عدة مقطوعات موسيقيَّة من إبداعهما الخاصِّ تمتزج فيها آلتاهما البزق والعود، ليعبرا فيها عن علاقة الإنسان مع الحرب وهمومه في هذا الزمن، كمقطوعة «خفايا الروح». أُضيفت لهذه المقطوعة كلمات زهير قنوع وغنتها الفنانة الشابة رُبى الحلبي، وُوضعت كشارة ختام في مسلسل «شهر زمان». تقول كلمات الأغنية:

خفايا الروح..

ذكرانا..

وقصتنا..

على وشك الوداع..

ونحيا ..

في وضح الجنون

وسبق للمخرج يزيد السيد أن شارك كلًّا من خالد رزق وآري سرحان في تقديم فيديوهات مصوَّرة تخدم الموسيقى التي يقدِّمانها مثل «غرفة رمادية» التي تروي تطلعات الشاب السوري للحياة وأمله في انتهاء الحرب، كما قدموا فيديو «أبو شاكر» التوثيقي الذي يروي حكاية أشهر وأعرق محل تجاري في دمشق يقدم العصير وكوكتيلات الفواكه لمرتاديه منذ العام 1925 ليتحول لأحد معالم البيئة الدمشقية والمعالم السياحية المرتبطة باسم هذه المدينة.

اليوم يسعى آري سرحان لإطلاق ألبومه الموسيقي الجديد، وهو ألبوم يحتوي على مجموعة من المعزوفات الموسيقية التي تعتمد بصورة أساسية على آلة البزق مع مجموعة من الأغاني المؤداة بأصوات شباب من سورية. أما خالد رزق فقد كانت له تجربة إطلاق ألبوم «متل المنام – موسيقى من أجل سورية» الذي أنتجته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في خمس مقطوعات مغناة بصوت الفنانة تانيا ماريا صقَّال. حققت هذه المقطوعات رواجًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ذلك لأنها كانت قريبة من الناس تلامس همومهم كأغنية «مين اللي قال» وهي من تأليف الشاعر عدنان الأزروني:

مين اللي قال تقاتلوا

مش هم يلي صار

يمكن ما عادوا تحملوا

عم يلعبوا الكبار

الموسيقى للأطفال


16.0pt; font-family: ‘Simplified Arabic’,serif; font-weight: normal;”>نشط في السنوات الأخيرة مشروع طموح يعتمد تقريب الموسيقى للأطفال. مؤسس هذا المشروع هو الفنان حسام الدين بريمو، وهو مدرس موسيقى وعازف ومؤسس لعدة فرق فنية. أسس بريمو فرقة لونا للغناء الجماعي، التي تفرع منها سبع فرق وليدة. ولعل أبرز ما أنتجته هذه الفرقة أغنية «يا سامعين الصوت» التي أداها الطفل عبد الرحيم الحلبي. كانت كلمات الأغنية وأداء الطفل عبد الرحيم عنصرين ناجحين فيها. تقول كلمات الأغنية:

أنا الطفل اللي عم بينادي وناطر يجيني الردّ

على جمر الدني الماطر ودربها اللي سيفه حدّ

بالأمل صابر وناطر وغدّ يطوي غدّ

بكاني صوتي وردّ معقولة ما حدا سامع

إحياء التراث

واحدة من التجارب الملهمة في الموسيقى السورية زمن الحرب هي تجربة فرقة «سفر الموسيقية». تعود بداية هذه الفرقة إلى العام 1999، وكانت رسالتها هي إحياء التراث الموسيقي السوري من خلال إعادة توزيع الكثير من مقطوعات التراث المُغنى في المناطق السورية على اختلافها. عانت هذه الفرقة من الحرب التي شتتت شمل أفرادها، فمنهم من هاجر إلى خارج سورية، ومنهم من انقطعت أخباره ولم يعد للفرقة. لكن في العام 2013 عمل مدير الفرقة وافي العبَّاس على بث روح النشاط فيها مجددًا مع ثلاثة موسيقيين آخرين بدافع مقاومة لغة الدمار التي خرَّبت الكثير من طموحات الناس، وعلى الوجع اجتمع هؤلاء الفنانون ليقدموا أعمالًا موسيقية وأغاني تخاطب الشباب العربي. من هذه الأعمال: «يا بورديَّن»، و«يا ليل» و«حنَّة».

وعلى المنوال نفسه نجد الفرقة الوطنيَّة السوريَّة للموسيقى العربيَّة. تُعدُّ هذه الفرقة من أكثر الفرق الموسيقيَّة ذات النشاط المستمر بالرغم من كلِّ الظروف التي أصابت سورية. فقائد الفرقة المايسترو عدنان فتح الله يسعى إلى الجمهور الشاب من خلال إعادة إنتاج التراث المغنى وجذب الشباب إلى معرفة تراث بلادهم الموسيقي. لذلك أسس مشروع المكتبة الموسيقيَّة التي تُعنى بتسجيل كل الأغاني القديمة التي قدمها الموسيقيون السوريون على مدى التاريخ، وإعادة إحيائها وإنتاجها من جديد، وتسجيلها ووضعها في مكتبة خاصَّة بها. وحفلات هذه الفرقة لا تقتصر على دمشق، فهي على صلة بكلِّ المدن السوريَّة، وكلُّ حفلة تحمل برنامجها الخاص في مزج الموسيقى مع صوت أحد مطربي الجيل الشاب، وتعريف الجمهور المتلقي بكلِّ مقطوعة ضمن البرنامج.

ومن أجمل الحفلات التي قدَّمتها هذه الفرقة كانت حفلة مخصصة للقصائد المغناة للشاعر نزار قباني، فجمعت أصوات شباب من سورية وقدمت قصائد قديمة وحديثة من كلمات الشاعر الكبير مثل: قارئة الفنجان، وكلمات، وأيظن، وأصبح عندي الآن بندقية، وموال دمشقي. أُعيدت هذه الحفلة مرَّتين على مسرح أوبرا دمشق، ومن المقرر أن تُعرض مرات أخرى لكثافة الحضور وجاذبية الأغاني.

**

اقرأ أيضا:

فراس محمد، أزمات شحنت العين والعاطفة… الحرب والصراع كما تعكسهما مرآة السينما السورية