برز في السنوات الأخيرة اسم الكويت بوصفها واحدة من القوى الصاعدة في ميدان العمل الإنساني. فقد نشطت هذه الدولة الخليجية في استضافة مؤتمرات محورية لإغاثة الشعب السوري، علاوة على نشاطها في دعم الشعب اليمني.

توج هذا النشاط بحصول أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد من الأمم المتحدة على لقب قائد إنساني. ويستند دور الكويت الحالي إلى تاريخ عريض من العون الإنساني مارسته مؤسسات كجمعية الهلال الأحمر طيلة نصف قرن. في هذا الحوار تُحدثنا مها البرجس، الأمينة العامة للجمعية عن أهم ملامح الدور الإنساني الذي اضطلعت به هذه الجمعية العريقة

للهلال الأحمر الكويتي تاريخ رائد في العمل الإنساني خليجيًّا، إذ إن نشأة الجمعية جاءت قبل الحقبة النفطية، هل يمكن أن تحدثينا قليلًا عن ظروف نشأة الجمعية؟

كانت بدايات تأسيس جمعية الهلال الأحمر الكويتي حينما تعاهدت ثماني عشرة شخصية كويتية من رجالات الخير على مزاولة أول عمل إنساني تطوعي منظم تحت اسم «جمعية الهلال الأحمر الكويتي»، وعقد أول اجتماع لهم في كانون الأول/ ديسمبر من العام 1965 لوضع النظام الأساسي للجمعية. وتم انتخاب أول مجلس إدارة لها، وباشرت العمل في العام 1966، بعد أن نالت اعتراف الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في جنيف، بعد الانتهاء من خطوات التأسيس واستيفاء جميع شروط العضوية، أصبحت العضو رقم 110، وتتمتع بكافة الحقوق والالتزامات المترتبة على هذا الانضمام.

 ارتكز العمل الإنساني للجمعية منذ بداياته قبل نحو خمسين عامًا على مبادراتها الإنسانية الرائدة والقائمة على فكرة الخير والبذل والعطاء ومساعدة المتضررين والمحتاجين وتلبية حاجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وتعليم وخدمات صحية، وإعادة تأهيل من آثار الحروب والنزاعات المسلحة.

ويُعد العمل التطوعي من الأهداف الأولى للجمعية من خلال المساعدات الطارئة التي قدمتها للعديد من الأسر المحتاجة داخل الدولة وخارجها في كثير من البلدان جراء الكوارث الطبيعية. بعدها انطلقت الجمعية إلى ميدان آخر لا يقل أهمية، حيث ركزت في استراتيجيتها على الأسر التي تحتاج إلى الدعم داخل الكويت في مجالات الخدمات الصحية والتعليمية، في محاولة لتأمين الرعاية الصحية الأولية للمحتاجين المعوزين في هذه القطاعات.

مها البرجس، الأمينة العامة لجمعية الهلال الأحمر الكويتي. تصوير: أحمد عبد الفتاح/ اللجنة الدولية.

 كيف تُمول أنشطة جمعية الهلال الأحمر الكويتي؟

تُمول أنشطة الجمعية من خلال التبرعات الشعبية، ومن خلال المخصصات المالية من الحكومة الكويتية التي تعمل على توفير كل الدعم للجمعية في الأزمات الإنسانية، إيمانًا منها بأهمية ترسيخ دور الكويت في دعم العمل الإنساني الدولي لمد يد العون للمجتمعات المتضررة.

 نرى الهلال الأحمر الكويتي حاضرًا في مناطق عدة من العالم، فهناك أنشطة في الفلبين وإندونيسيا ونيجيريا وجيبوتي وصولًا إلى هايتي في أميركا اللاتينية. كيف ترين التحولات التي مرت بها الجمعية من منظمة تخدم المجتمع المحلي، إلى منظمة تقدم العون لمواطني دول تبعد آلاف الكيلومترات عن الكويت؟

التحديات التي يواجهها العمل الإنساني كبيرة للغاية، في ظل الأزمات المالية وارتفاع الأسعار وشح الموارد من جهة، وازدياد حدة الكوارث واتساع رقعتها وتضاعف أعداد المنكوبين من جهة أخرى.

وهناك ضرورة لمضاعفة الجهود من قبل المجتمع الدولي ومنظماته الإنسانية لمواجهة هذه التحديات وحماية الحياة والكرامة الإنسانية، خاصة بالنسبة للنساء والأطفال وكبار السن الذين يعدون من أكثر الفئات المتضررة والمهمشة. لذا فإن الهلال الأحمر الكويتي سيستمر في دعم المتعففين داخل الدولة وإغاثة المنكوبين خارجها. وتُعد الكويت في طليعة الدول الداعمة للعمل الخيري والإنساني بدون أي تمييز، منطلقة من مبدأ الالتزام الأدبي تجاه الإنسانية الذي تنتهجه الجمعيات.

تعاملت جمعية الهلال الأحمر الكويتي مع كثير من الأزمات سواء كوارث طبيعية أو نزاعات مسلحة في مناطق مختلفة من العالم. الصورة من حساب الجمعية على «انستجرام».

 المساعدات التي يقدمها الهلال الأحمر الكويتي تذهب إلى بلاد ذات خلفيات ثقافية ودينية مختلفة. هل تواجهون تحديات تتعلق بتطبيق المبادئ الأساسية للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في تلك الدول؟

الهلال الأحمر الكويتي عضو في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وتلتزم في عملها باتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها بالإضافة إلى المبادئ السبعة للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، ألا وهي: الإنسانية، وعدم التحيز، والحياد، والاستقلالية، والخدمة التطوعية، والوحدة، والعالمية.

لذا يعمل الهلال الأحمر الكويتي على مواجهة أخطار الكوارث والنكبات العامة بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية والجمعيات الوطنية المثيلة لها، وتقديم العون والمساعدات للمتضررين دون النظر إلى عقيدتهم أو نوعهم أو لونهم، إيمانًا منها بمبادئ الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.

وقد تعاملت جمعية الهلال الأحمر الكويتي مع كثير من الأزمات سواء كوارث طبيعية أو نزاعات مسلحة. ودائمًا ما يكون تطبيق مبادئ الحركة الدولية من الأولويات عند تقديم العون والمساعدة. ولم تواجه الجمعية أية تحديات تتعلق بتطبيق المبادئ الأساسية للحركة، ومثال ذلك اليمن والعراق وسورية وغيرها من الدول. وما يميز الهلال الأحمر الكويتي سرعة الاستجابة والذهاب إلى قلب الحدث مهما كانت الظروف والمخاطر.

 في السنوات الأخيرة، برزت الكويت بوصفها واحدة من الدول الرئيسة في مجال العمل الإنساني. وظهر هذا الدور جليًّا في الدعم المقدم من الكويت لضحايا الكوارث الطبيعية في بقاع مختلفة من العالم، كيف ترون هذا الدور الكويتي؟ وما مستقبل دور الكويت على صعيد العمل الإنساني في العالم؟

تمضي الكويت قدمًا في تعزيز دبلوماسيتها الناجحة المرتكزة على دعم العمل الإنساني العالمي لما يمثله من قيم إنسانية عليا، وقد نجحت عبر مساعداتها الإنسانية التي قدمتها وما زالت تقدمها في مختلف أنحاء العالم، في إضفاء بعد ملموس لواقعية العمل الإنساني العالمي، حتى أضحت مبادراتها الإنسانية معلمًا مميزًا من معالم السياسة الخارجية للبلاد، ما يمكن تسميته الدبلوماسية الإنسانية. هذا الأمر لفت اهتمام دول العالم والمنظمات العالمية إلى الدور القوي للدبلوماسية الإنسانية.

وقد كللت تلك الجهود في العام 2014 عندما كرمت الأمم المتحدة سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وأطلقت عليه «قائد العمل الإنساني» تقديرًا لجهود الكويت في مجال العمل الإنساني.

 واستنادًا إلى تلك الرؤية الإنسانية عملت الكويت على التخفيف من معاناة الشعوب التي تشهد أزمات كبيرة من خلال تقديم المساعدات في أكثر من بلد لا سيما الدول العربية مثل سورية والعراق وفلسطين واليمن وغيرها، وكذلك رفع حجم التبرعات في البلدان التي تصيبها كوارث طبيعية.

وشكلت استضافة الكويت للمؤتمرات الثلاثة الأولى للمانحين لدعم الوضع الإنساني في سورية تأكيدًا على دور السياسة الخارجية الكويتية الإنساني، إذ أعلن سمو أمير الكويت في المؤتمر الأول (كانون الثاني/ يناير 2013) تبرع الكويت بمبلغ 300 مليون دولار أمريكي بينما ارتفعت قيمة التبرعات الكويتية في المؤتمر الثاني (كانون الثاني/ يناير 2014) إلى 500 مليون دولار وتبرعت الكويت في المؤتمر الثالث (آذار/ مارس 2015) بمبلغ 500 مليون دولار.

العمل التطوعي من الأهداف الأولى لجمعية الهلال الأحمر الكويتي من خلال المساعدات الطارئة التي للأسر المحتاجة داخل الكويت وخارجها. الصورة من حساب الجمعية على «انستجرام».

 ترون الأزمات الإنسانية الضخمة التي تضرب عددًا من الدول العربية، ما الجهود والأنشطة التي يضطلع بها الهلال الأحمر الكويتي لدعم مواطني هذه الدول؟

تسعى الجمعية منذ نشأتها في العام 1966 إلى أن تكون ركنًا من أركان العمل الإنساني في الكويت والعالم العربي، وقد أعدت المتطوعين والمتطوعات، ونهضت بالشباب، ووثقت الروابط بينها وبين مؤسسات الدولة المختلفة، كما حافظت على مكانتها العربية الأولى بما تملكه من لجان إغاثة متخصصة، لمساعدة المنكوبين في دول العالم.

ومنذ انطلاق الأزمة السورية في العام 2011، ساهم الهلال الأحمر الكويتي بشكل فعَّال في مساعدة النازحين السوريين، وتخفيف المعاناة عنهم عبر مشاريع متنوعة كمشروع الخبز اليومي، ومشروع غسل الكلى، والتكفل بإجراء بعض العمليات الجراحية لمصابين إلى جانب المساعدات العينية، والمواد الغذائية، والألبسة، ووسائل التدفئة، وغيرها من المساعدات الإنسانية في كل من دول الجوار لسورية في الاْردن ولبنان.

وتعتبر الكويت واحدًا من أكبر المانحين لدعم اللاجئين السوريين، فيما تعتبر جمعية الهلال الأحمر الكويتي من أبرز الجهات الناشطة في لبنان بمجال الإغاثة وتقديم المساعدات للاجئين السوريين المتضررين من الأزمة السورية. ويعادل ما قدمته الجمعية منذ بداية الأزمة السورية ٣٠ مليون دولار، شملت المواد الإغاثية والطبية والتعليمية والإيواء، وساهمت بالتخفيف عن الأشقاء السوريين في دول جوار سورية.

 أما في اليمن، فقد كان للكويت السبق والريادة في إغاثة ودعم الشعب اليمني، وقدمت 100 مليون دولار مساعدات إنسانية، ساهمت بشكل فعَّال في تخفيف معاناتهم. فمنذ اندلاع أزمة اليمن، تلمست جمعية الهلال الأحمر الكويتي الاحتياجات والخدمات الضرورية للنازحين والمشردين والمعوزين والأيتام، وقدمت مساعدات عاجلة، وفرت خلالها الغذاء والدواء والكساء والإيواء والمياه، إلى جانب المساعدات الضرورية للضعفاء والمرضى.

 

**أحمد وميادة موظفان في اللجنة الدولية للصليب الأحمر – البعثة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي ومقرها دولة الكويت