«يوم في حياة اللجنة الدولية للصليب الأحمر» هي سلسلة حوارات مع العاملين في بعثات اللجنة الدولية حول العالم. نتعرف فيها عن قرب على ظروف العمل الإنساني في أماكن مختلفة من العالم، والتحديات التي يواجهها العاملون في اللجنة الدولية.

نلتقي في هذا الحوار مع أرتين هايك كريكور، وهو سائق، ويُعد من أقدم الموظفين في بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق. فهو يعمل هناك منذ أكثر من 15 عامًا، شهد خلالها الكثير من الأحداث الفارقة في تاريخ بلده.

حدثنا عن نفسك قليلًا.

اسمي أرتين هايك كريكور، أبلغ من العمر 54 عامًا، أعمل سائقًا في اللجنة الدولية منذ 15 عامًا. أسكن في العاصمة بغداد، وأنا متزوج ولديَّ طفلان في مرحلة المراهقة. قبل أن ألتحق بعملي الحالي، عملت في شركة خاصة، وتركت العمل بها في العام 1983، لألتحق بالخدمة العسكرية في الحرب العراقية-الإيرانية. وبعد تسريحي من الخدمة العسكرية، عملت سائق شاحنات على طريق بغداد-العقبة.

انضممت للعمل في اللجنة الدولية عن طريق الصدفة، إذ إنني أتيت أطلب المساعدة من قسم البحث في اللجنة الدولية كي يساعدوني في التواصل مع أفراد عائلتي الذين رحلوا من العراق، عقب الاحتلال في العام 2003. بعد أن أنهيت المكالمة مع أخي وأختي الموجودين في لندن، لاحظت وجود أشخاص يقفون عند باب البعثة، ولما سألت: ماذا يفعلون؟ أخبروني أن بعثة اللجنة الدولية ترغب في توظيف سائقين. انتهزت الفرصة وقدمت على الوظيفة، وبعد عدة أيام اتصلوا بي وأصبحت منذ ذلك الحين سائقًا في اللجنة الدولية.

هل كنت تعرف طبيعة الأنشطة التي تضطلع بها اللجنة الدولية قبل التحاقك بها؟

نعم. تعرفت إلى اللجنة الدولية خلال الحرب العراقية-الإيرانية. كنت وقتها أسمع أخبارًا عن تبادل جرحى الحرب وتبادل الرسائل. كما عرفت عن أنشطة اللجنة الدولية في دعم مصابي الحرب بالأطراف الصناعية في بغداد بين عامي 1986 و1987. كانت هذه الأنشطة معروفة وسط المقاتلين. وبعد أن تركت الخدمة العسكرية، عرفت أن اللجنة الدولية وسَّعت من أنشطتها بعد حرب الخليج الثانية، ثم فترة الحصار التي تعرض لها العراق.

كيف ترى بغداد، وما شكل الحياة فيها؟

بالنسبة إليَّ، فبغداد أجمل مدن العالم. بغداد هي الحضارة، هي تراث الإنسانية الذي لا تجده في أي مدينة أخرى. في بغداد دجلة والفرات. في بغداد الشعراء والأدباء والفنانون. فيها مناطق جميلة كشارع الرشيد وأبو نواس وشارع المتنبي. في الماضي كانت بغداد مدينة السلام والأمان. أتذكَّر عندما كنت صغير السن، وكيف كانت عائلتي تصطحبني إلى السينما الصيفية في شارع ساحة النصر، وعندما نعود نشتري الهدايا. هناك الكثير من الذكريات الجميلة عن بغداد، لكن المدينة تغيرت بسبب النزاع والحروب.

احكِ لنا عن موقف إنساني أثر فيك في العراق؟

في العام 2009، وبينما أنا بصحبة ابني أشتري له هدايا عيد ميلاده، تعرضت للإصابة بطلق ناري. لحظتها وجدت الناس وهم يحيطون بي من كل جانب. أحدهم أخذ ابني بين ذراعيه، وآخر اتصل بعائلتي. ذهب معي كثيرون إلى المستشفى. لم أشعر للحظة أنني وحيد. أحسست بكرم العراقيين وطيبتهم. لم أشعر قط أنني وحيد في بلدي.  هذه مواقف تجعلك تتمسك بالعراق.

احكِ لنا عن تجربة لا تستطيع نسيانها خلال عملك مع اللجنة الدولية؟

هناك الكثير من التجارب التي لا أنساها. منها الحدث المروع في العام 2003، عندما وقع انفجار ضخم، في أول أيام شهر رمضان المبارك، استهدف مقر اللجنة الدولية في بغداد، مسفرًا عن مقتل وإصابة العشرات. فقدنا زملاء في هذا التفجير. كان ذلك حدثًا مؤلمًا للجميع، فاللجنة الدولية مهمتها إنسانية. عندما حدث التفجير كان بمثابة رسالة عنيفة استهدفت الإنسانية والعاملين في المجال الإنساني.

هناك تجربة أخرى لا أنساها حدثت في العام 2015، عندما ذهبنا إلى معبر جسر بزيبز لتقييم الحالة الإنسانية هناك ومعرفة احتياجات المدنيين، فوجئنا بأن المأساة فوق المتوقع. كانت هنالك حشود كبيرة من النازحين، أطفال ومرضى وكبار سن ونساء حوامل وأطفال رضَّع. وكانوا يعانون الجوع والعطش والحر والتعب، إذ إنهم ساروا لعدة أيام في الصحراء في ظل جو حار ومن دون ماء أو طعام، أو أي شيء يظلهم من حرارة الشمس. كان المشهد مروعًا، ولا أظن أنني يمكن أن أنسى يومًا هذا المشهد المؤلم.

ما أهم درس تعلمته بصفتك عاملًا في المجال الإنساني؟

خلال سنوات عملي العديدة مع اللجنة الدولية، أيقنت أن الأمل موجود دائمًا في انتهاء الصراعات والحروب التي تولِّد المأساة وتسبب الألم للناس.

ما أكثر شيء تستمتع به في عملك؟

عند رؤيتي للناس وهم يتسلمون المساعدات الإنسانية وفرحتهم لرؤيتنا. لحظتها تشعر أن وجودك يمنح الأمل لهؤلاء الناس، وأنهم يعرفون حق المعرفة طبيعة عمل منظمتنا، وأننا نفكر فيهم وفي معاناتهم، وأننا لن نتركهم وسنظل ندعمهم.