على رصيف يحاذي بحرها، ازداد عدد الممارسات لرياضة المشي في غزة، لو مررت مع نفحات الفجر الأولى تراهن يمشين فرادى أو جماعات، بخطى حثيثة.

ما إن تشرق الشمس وترتفع رطوبة البحر، حتى يعدن ليبدأن يومهن بأعبائه المختلفة.

لا يخفى على من منَّت عليهم الحياة بقوة الملاحظة، أن يلتقطوا كل ما يدور حولهم وأن يقرؤوا في خطوط الوجوه عشرات القصص والحكايات. ثمة ألفة تتولد بينك وبين الوجوه العابرة للكورنيش، تبدأ بتبادل التحايا وتنتهي بتبادل أحاديث قصيرة، من دون معرفة الأسماء والعناوين بالضرورة. المشترك الوحيد بيننا أننا نمارس رياضة المشي ولكل منَّا أسبابه.

كانت طوال الوقت تشيح بوجهها عن البنايات ناظرة للبحر على يسارها. «منذ أن جاءتنا حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وكأنها الرخ حط على رؤوسنا فقط لتخطف ابني ذا التسع سنوات. لم أعد أطيق ساعة خروج أبناء القاطنين في البناية لمدارسهم وأتحاشى رؤية الأمهات يلوحن لأبنائهن من الشرفات، ويرسلن لهم القُبل عبر الهواء قبل أن يبدؤوا يومهم. لهذا قررت ممارسة رياضة المشي في هذه الساعة الباكرة من الصباح للسنة الخامسة»، هكذا قالت لي.

«اعتدت العمل في الأراضي الزراعية لأعيل عائلتي بعدما فقدت زوجي في أحداث عام 2007. يومًا ما ستتغير هذه الظروف الصعبة، أتعرفين ما تفعله النساء لإعداد المجدرة بعد إزالة الشوائب من العدس والأرز، أو القمح استعدادًا لشيه قبل أن تعد حساء الفريكة؟ لتسهيل مهمتها تحضر غربالًا تهزه وتقلِّبه، فيشكل كل ما علق فيه طبقة على السطح وبنفخة أو اثنتين تتخلص منه.

غزة تشبه ربة بيت محنكة تهز وتقلِّب، وكل ما يتجمع على السطح ستنفخه وتستقر. جاء وقت العودة للعمل، أدام الله عليَّ نعمة المشي. يساعدني على التخلص من آلام الرقبة واليدين»، هكذا قالت لي.

انقطعت عن المشي وحين عادت بدا عليها الإرهاق. «انتهت الأيام الثلاثة التي أُعلن عن فتح معبر رفح فيها، كنت أصاحب ابني للمعبر في محاولاته للسفر من أجل الالتحاق بجامعته. تفوق في الثانوية العامة وحصل على منحة تعليمية.

كانت فرحتنا عارمة حين حصل على تأشيرة سفر، ولكنه لم يستطع الخروج، قضينا ثلاثة أيام بلياليها أمام البوابة التي تحول بينه وبين المستقبل. ليس أمامه اليوم سوى الانتظار لموعد آخر. إن لم يحدث هذا خلال شهر سيفقد فرصته هذا العام ولا نعرف ما الذي تحمله الأيام. أعان الله شباب غزة على فرصهم التي تضيع أمام أعينهم. أعود اليوم للمشي وكلي قلق عليه». هكذا قالت لي.

بكل رونقها وإقبالها على الحياة كانت تبدأ يومها، بحضورها الطاغي وطاقتها الإيجابية التي تبثها لصديقاتها. كان يحلو المشي. «منذ أن تدخل مبضع الجراح واقتطع جزءًا مني، هجرني زوجي. ولأنها ليست نهاية العالم، ولست الوحيدة في قطاع غزة، فإنني أسمع كل يوم عن انضمام إحداهن فريسة لهجوم سرطان الثدي. قررت مواصلة حياتي. أعانني على هذا ممارسة رياضة المشي بمحاذاة البحر»، هكذا قالت لي.

«نصحني طبيبي بالمشي للحفاظ على مستوى متدنٍّ من السكر والكوليسترول في دمي. العين بصيرة واليد قصيرة. المشي أقل الرياضات كلفة. لا أستطيع دفع رسوم النوادي الرياضية. هي أيضًا أقل تكلفة من العلاج الذي يتأخر في الوصول أحيانًا، أو تفسده ساعات انقطاع الكهرباء إن توفرت. لهذا قررت ممارسة رياضة المشي»، هكذا قالت لي.

«ليس هكذا تقاس الأمور. انتظارها له حتى انتهائه من العمل. إعداد الطعام قبل وصوله، قهوته الجاهزة صباحًا. هذا ليس حبًّا ولا هو تفاهم بين الزوجين. هو الاعتياد على أعمال منزلية يا عزيزتي لا أقل ولا أكثر. لكسر هذا الاعتياد بدأت ممارسة رياضة المشي»، هكذا قالت لي.

«اعتدنا اللعب معًا، ومنذ ذهبت لأمي مذعورة، أخبرتني أن الطبيعة أعلنتني امرأة، ولم أكن قد تجاوزت الصف السادس الابتدائي. أصبح هو ودراجتي الهوائية خطرًا عليَّ. أنا الآن على عتبات التخرج في الجامعة. هنا قد يغفرون القتل ولا يغفرون الحب. هذه طريقتنا الوحيدة في التلاقي، أمشي ويمشي هو على الرصيف الموازي. لهذا قررت ممارسة رياضة المشي»، هكذا قالت لي.

«أقضي ساعات طويلة خلف جهاز الحاسوب، فعملي في منظمة دولية يتطلب هذا. وللحفاظ على لياقتي البدنية ولالتقاط هواء البحر النقي في وقت قررت أن أخصصه لنفسي، بدأت بممارسة رياضة المشي»، هكذا قالت لي.

يبقى الكورنيش زاخرًا بحكاوٍ نثرها أصحابها على جنباته ومضوا.