في تموز/ يوليو الماضي، صادق البرلمان التونسي على قانون مفصلي، يتصدى للعنف ضد النساء في هذا البلد الذي يُعد الأكثر تطورًا في العالم العربي في مجال حقوق المرأة. وإذ يمثل هذا التشريع واحدًا من أبرز مكاسب الثورة التونسية، فإن العديد من التحديات لا تزال تلقي بظلالها على أوضاع النساء في تونس.

خلال العام الماضي، خطت تونس خطوةً واسعة من أجل وضع حد لإفلات مرتكبي الجرائم ضد النساء من العقاب، إذ أقر مجلس نواب الشعب بالأغلبية المطلقة (في 26 تموز/ يوليو 2017) «قانون القضاء على العنف ضد المرأة»، وهو تشريع جاء في سياق ارتفاع وتيرة التحديات التي تواجه النساء التونسيات.

فوفقًا لمسح أجراه «الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري» في العام 2010 (أي قبل اندلاع الثورة التونسية)، فإن نصف النساء التونسيات تعرضن لشكل من أشكال العنف. وترتفع هذه النسب في المناطق الفقيرة والمهمشة. لذا كان من الطبيعي أن تشكل هذه الحقائق دافعًا للمجتمع المدني التونسي للضغط من أجل إقرار تشريع يتضمن جملة إجراءات من شأنها القضاء على ظاهرة العنف ضد النساء، وحماية الناجيات من أعمال العنف ومحاكمة مرتكبي جرائم العنف ضد النساء.

نضال نِسوي

تمكنت النساء التونسيات بعدما نالت البلاد استقلالها في آذار/ مارس من العام 1956، من نيل جملة من الحقوق والامتيازات المدنية. وكان للرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة (1903-2000) دور ملموس في الدفاع عن هذه الحقوق التي تضمنتها سلسلة من التشريعات القانونية الرامية إلى تحقيق المساواة بين النساء والرجال، وهي التشريعات التي تعرف بـ «مجلة الأحوال الشخصية» (صدرت في آب/ أغسطس 1956).

وبالرغم من احتوائها على العديد من النقائص، فإن حقوقًا أخرى عدة كمنع تعدد الزوجات، ومنح حق الطلاق، والحق في التعليم، والحق في العمل، كانت بمثابة تحولات ثورية في وضع النساء في ذلك الوقت في العالم العربي، ما جعل المرأة في تونس عنصرًا فاعلًا في المجتمع. ولكن هذا التحرر الأكثر إشعاعًا في العالم العربي والقارة الأفريقية لم يكن كافيًا لحماية المرأة التونسية من العنف سواء داخل محيط الأسرة أو خارجها. فقد ظلت النساء طيلة عقود تحت تأثير مفارقة جمعت بين التحرر من جهة والتمييز والعنف من جهة أخرى.

انطلاقة بعد الثورة

تعالت أصوات النسويات التونسيات اللاتي ساهمن بدور بارز في الثورة التونسية لعام 2011، مناديات بضرورة تدخل الدولة لوضع تشريعات للقضاء على العنف ضد المرأة. ولئن تعثر مشروع القانون في البداية بسبب عدم حصوله على تأييد ملموس من قبل حكومات الانتقال السياسي فإن ضغط المجتمع المدني وخاصة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات أدى إلى فرض القانون كأولوية حكومية ومن ثم برلمانية.

تمكنت النسويات التونسيات بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني من الضغط سياسيًّا عبر نشر العديد من الإحصائيات المفزعة حول العنف المسلط على المرأة. وقد وفرت الثورة – بما أتاحته من حرية تعبير – الفرصة للإدارة التونسية لإجراء دراسات تكشف حقيقة الأوضاع في البلاد. فنشر «الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري» نتائج دراسة واسعة أجراها على أوضاع النساء التونسيات، وكشفت الدراسة أن أكثر من نصف النساء (53.5 في المائة) تعرضن إلى أحد أشكال العنف بجميع أنواعه الجنسي والنفسي والجسدي في داخل الأسرة أو في الفضاء العام.

وذكرت أن قرابة نصف النساء (47 في المائة) ممن تتراوح أعمارهن بين 18 عامًا و64 عامًا تعرضن للعنف ولو مرة واحدة في حياتهن. وحسب الدراسة، فإن العنف الجسدي يُعد الأكثر شيوعًا بنسبة 31.7 في المائة، يليه العنف المعنوي بنسبة 28.9 في المائة، ثم العنف الجنسي بنسبة 15.7 في المائة.

تقول لينا بن مهني، وهي ناشطة نسوية تونسية بارزة، إن «التونسيات كن منذ بداية العشرينيات عنصرًا مؤثرًا في الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي وأنه بفضل المفكرين المؤسسين للفكر المتحرر في تونس كالطاهر الحداد (1899-1935) مؤلف الكتاب الرائد «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» (صدر العام 1930) نجحت المرأة في فرض حقوقها. اليوم ومهما كانت العوائق ستبقى التونسيات سباقات في العالم العربي، لأنهن دائمًا يطلبن حقوقًا أكثر ويطمحن إلى مزيد من المساواة والعدل، وما قانون القضاء على العنف المسلط ضد النساء إلا دليل جديد على انتصار نسويات تونس».

يحتوي «قانون القضاء على العنف ضد المرأة» على خمسين فصلًا موزعة على خمسة أبواب. وتقدم مواد القانون تعريفًا للعنف المسلط على النساء، وأنماط الحماية والوقاية من العنف، وتصنيف جرائم العنف ضد النساء، وأشكال العقوبات. ما يميز القانون هو أنه يعطي تعريفًا دقيقًا للعنف ضد النساء، فهو حسب القانون: «كلُّ اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي ضد المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس، والذي يتسبب بإيذاء أو ألم جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة.

ويشمل أيضًا التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان من الحقوق والحريات، سواء في الحياة العامة أو الخاصة». وللقانون أيضًا مزية هي تشديده العقوبات في قضايا الاغتصاب (تصل العقوبة إلى السجن عشرين عامًا). كما أنه ألغى نصًّا قانونيًّا يتيح للمغتصب تفادي العقاب القانوني إذا تزوج من ضحيته.

وبالنسبة لجرائم التحرش الجنسي في الفضاء العام، فرض القانون غرامة على مرتكبي هذه الجريمة تعادل 500 دولار أميركي. ونص على عقوبة السجن لمن يستغل الأطفال في الأعمال المنزلية أو غيرها من الأنشطة لغاية الربح المادي. وفرض غرامة مالية على المشغلين الذين يميزون في الأجور بين النساء والرجال. وشدد القانون، لأول مرة في تونس والعالم العربي، العقوبات على المعتدين والمغتصبين الذين لهم صلة قرابة بالضحية، أو لهم سلطة معنوية عليها كالمدرسين والأطباء وأرباب العمل وغيرهم.

على أرض الواقع

منذ أن سُن القانون رسميًّا، يتساءل العديد من نشطاء المجتمع المدني عن إمكانيات تطبيقه على أرض الواقع. فهذا القانون لا يتعلق فقط بالزجر والعقاب لمرتكبي الجرائم الجنسية، إنما ينص كذلك على ضرورة التوعية والوقاية من العنف في الفضاء العام وداخل الأسرة، ما يتطلب إمكانيات بشرية ومادية ضخمة قد لا تقدر عليها الدولة التونسية. ومثل الكثير من الخطط والأفكار والهيئات الجديدة التي أرستها قوانين ما بعد الثورة لدعم الحقوق والحريات، فإن هذا القانون مهدد بأن يصبح مجرد حبر على ورق.

وتفسر لينا بن مهني، مشاكل تطبيق القانون: «الحل الحقيقي ﻵفة التمييز والعنف هو تغيير العقليات. وأكبر دليل على ذلك هو مشكلة تطبيق قانون يخول للمتهمين طلب محامٍ خلال التحقيق. فبالرغم من سن هذا القانون منذ أكثر من سنة، فإن تطبيقه لم يُعمم بالطريقة المرجوة.

ويعاني العديد من المتهمين والموقوفين من حرمانهم من هذا الحق من قبل السلطة التنفيذية. وإذا نقلنا هذا المثال على واقع المرأة في تونس، فمن الواضح أن الأمر لن يكون هينًا بالمرة وسيتطلب، حسب اعتقادي، الكثير من الوقت والإرادة السياسية للحصول على نتائج مرضية».

ويخشى نشطاء حقوقيون من احتمال إخفاق الدولة في تطبيق نصوص القانون خصوصًا في المناطق البعيدة عن العاصمة. وتحذر مريم بريبري، وهي ناشطة في المجتمع المدني تقيم في صفاقس الواقعة جنوبي تونس، من مخاطر غياب الدولة في المناطق البعيدة والنائية، الأمر الذي قد يؤدي إلى استحالة تطبيق القانون الجديد واحترام حقوق المرأة.

تقول بريبري: «لا يوجد في المناطق البعيدة ممثل رسمي للدولة بخلاف قوات الأمن، وهذا في حد ذاته مشكل. رأينا في العديد من المناسبات اعتداءات قوات الأمن على النساء والفتيات. وعاينا رفض الشرطة لتسجيل شكاوى نساء من جرائم عنف حدثت ضدهن، خاصة عندما يكون الاعتداء صادرًا عن أحد أفراد الأسرة».

تعاني النساء في المناطق البعيدة عن العاصمة من التهميش والعنف أكثر من غيرها. وخلال العام 2017، برزت حركات احتجاجية نسائية في مناطق تونسية عدة، من أهمها محافظة سيدي بوزيد، التي انطلقت منها الشرارة الأولى للثورة في تونس. ويرفع لواء القيادة في هذه الحركات الاجتماعية نساء عاطلات عن العمل، بينهن حاملات لشهادات جامعية. وسبق لهؤلاء النسوة الدخول في تنظيم تجمعات احتجاجية واعتصامات من دون الرجال.

وتفسر آمال ظفولي، وهي ناشطة حقوقية من سيدي بوزيد، استبعاد الرجال من هذه الاحتجاجات: «تعاني المرأة العاطلة عن العمل في المناطق الداخلية الأمرين. فإلى جانب الفقر والتهميش، يعمد الرجال المشاركون في التحركات الاجتماعية إلى إسكات صوت المرأة المحتجة وإبعادها عن أي محاولات للتفاوض مع الدولة».

وبالرغم من وجود قوانين تحمي المرأة الريفية من التمييز في الأجور، فإن المئات من النساء يتعرضن إلى سوء المعاملة إلى جانب التخفيض المستمر لأجورهن خلافًا للقانون الذي يضبط الأجر الذي يتلقاه الفلاحون. كما تعاني النساء العاملات في الفلاحة من أخطار صحية نتيجة ظروف العمل القاسية أو خطورة وسائل المواصلات التي تنقلهن إلى المزارع. وقد سجل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عشرات من الحوادث التي طالت العاملات في الزراعة خلال السنوات الأخيرة.