شكلت صور الأطفال اليمنيين الذين يعانون من مرض الكوليرا أيقونات معبرة عن المأساة التي يعيشها المدنيون في بلد تضربه الحروب المتقطعة منذ عقود. لكن أطفال اليمن وأهله بشكل عام، ليسوا وحدهم من تحملوا نتائج النزاعات أمراضًا وإصابات، بعضها فتاك وبعضها الآخر يترك ندوبًا على الجسد والنفس، بل وأحيانًا على الصحة الجسدية ولو بعد حين.

فتأثير النزاعات المسلحة المباشر على الصحة والنظام الصحي، مرتبط في أذهاننا بسوء التغذية أو انتشار أمراض، كان بعضها قد اختفى بفعل التلقيح ضدها، لكنه وجد طريقًا للعودة مع انهيار الأنظمة الصحية إبان الحروب، فيما يفكر البعض بالتأثيرات النفسية للحروب على البالغين والأطفال على حدٍّ سواء أو بافتقار المستشفيات للكوادر الطبية المتخصصة التي آثرت ترك البلاد بحثًا عن ملاذ آمن لها ولعائلاتها.    

فالأثر المباشر للنزاعات الطويلة على صحة السكان والنظام الصحي قد يكون مفهومًا بشكل جيد، ومع ذلك، فإنه ما تزال هناك حاجة لدراسة هذا التأثير وتكاليفه على المدى الطويل، حتى نصبح أكثر إلمامًا بها، وبما ينبغي أن نتوقعه في المستقبل.

ففي دراسة أجريت في جامعة دنفر بالولايات المتحدة، سعت للإجابة عن السؤال عما إذا كانت المؤشرات الصحية في سريلانكا ربما كانت لتبدو أفضل لو لم تقم حرب امتدت لـ26 سنة، تبين أن الحرب أدت إلى ارتفاع معدلات وفيات الأطفال الرضع ونسب وفيات الأمهات، أكثر مما كان متوقعًا فيما لو أن البلد لم يدخل حربًا. وهذه النتيجة لم تطل فقط المقاطعات التي كانت جزءًا من مناطق المعارك المباشرة بل طالت أيضًا تلك التي كانت بعيدة عن منطقة النزاع. وخلصت الدراسة إلى أن الحرب التي تضرب بلدًا ما ولو جزئيًّا، تؤدي إلى تدهور مسار الصحة العامة وإلحاق الضرر بصحة سكانه، حتى أولئك الذين يقطنون خارج منطقة المعارك المباشرة.

لكن يبدو أن تأثر الصحة الجسدية والنفسية بالحرب لا يقتصر فقط على من شهدوا تلك الحرب مباشرة بل قد ينتقل إلى الأجيال التالية. إذ تبين دراسات حديثة أن ما يعاني منه الأبوان، ولا سيما الأم، من جهد نفسي أو عدوى أو أعراض ما بعد الصدمة أو الضغط نتيجة العيش في بيئة اجتماعية مجهدة خلال الحرب، ينتقل إلى أطفالها حتى أولئك الذين لم يولدوا بعد. وهو اكتشاف خطير يعني أن تأثيرات الحرب تبقى لأجيال عدة قادمة ولا تقتصر على الأطفال الذين يشهدونها.

وعلى مستوى الصحة النفسية ترتبط تجارب الحرب وآثارها على الصحة النفسية بزيادة تكاليف الرعاية الصحية بعد سنوات عدة، خاصة بالنسبة لأولئك الذين بقوا في منطقة الصراع. إذ ترجح دراسة أجريت في معهد الصحة العالمي بجامعة لندن أن من يشهدون خلال حياتهم صدمة واحدة أو صدمات عدة تزداد فرص إصابتهم بأمراض معينة في المستقبل لا سيما التهابات المفاصل وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والربو وأمراض مزمنة في الجهاز التنفسي.  

في ملف هذا العدد من مجلة «الإنساني» نحاول أن نسلط الضوء على التأثيرات الصحية للنزاعات المسلحة، لا سيما تلك التي تشهدها منطقتنا اليوم. وإذ نعرج على اليمن وفلسطين والعراق ولبنان لنسمع قصص من طالتهم أمراض الحرب وويلاتها والأساليب المبتكرة للتخفيف من وطأتها، نطل كذلك على حال السجناء وما يعانونه من أمراض نتيجة انهيار المنظومات الصحية في دول النزاعات. كما يوضح لنا خبير الطب الشرعي روبيرتو بارا المفاهيم الخاطئة التي تنتشر حول دور الجثث في نقل الأمراض في أماكن النزاعات.

قد يكون الاهتمام منصبًّا اليوم على التخفيف مما يعانيه الأحياء من ويلات الحروب، لكن الأمر لا يبدو أنه سينتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل ينبغي الاستعداد لمواجهة ما سيأتي غدًا. فندوب الحرب الجسدية والنفسية والصحية ستطال المستقبل وأبناءه أيضًا.