لا أعرف من أين أبدأ. من يهتم بالبدايات أصلًا؟ وحدها النهايات هي التي تبقى. هكذا هي دمشق، عمرها لا يعرف البداية، حربها لا تذكر البداية، كما أن حبها لا يعترف ببداية.

سافرت إلى دمشق عبر الطريق البري من بيروت لزيارة أهلي. لا أعرف ما الصدفة التي جعلت سيارة الأجرة التي كانت تقلنا، زوجي وأنا، تقف لعطل في محركها بين الحدود اللبنانية والحدود السورية. أكثر من ساعة ونحن معلقون بين لبنان وسورية. لا أحب التشاؤم عادة، لذا لم أشأ أن أفكر في هذا العطل على أنه علامة شؤم للزيارة. بالعكس، هي مغامرة أن أمضي وقتًا مستمتعة فقط بحقيقة الجغرافيا والتاريخ، ومنكرة لوهم الحدود ولواقع الحروب.

رأيتها

وقت قليل، تابعنا بعده رحلتنا باتجاه دمشق التي لم تتضرر من الحرب كغيرها من المدن السورية. ولكن من قال إن الضرر هو دمار البيوت وحده؟ ماذا عن دمار البشر ودمار الأمل؟ دمشق حتمًا تضررت وتألمت وتعافت مئات المرات خلال السنوات الثماني الماضية. هي الحروب، تغير وجه المدن ووجوه أهلها، تصقل ابتساماتهم بالألم. لم أكن، ولن أدعي يومًا أنه بمقدوري أن أكون موضوعية في حديثي عن سورية.  لذا أستطيع أن أعترف أن دمشق بأهلها ووجهها الحزين وشتائها الجاف وقاسيونها الأجرد وزحمة طرقاتها ما زالت قادرة على بث البهجة، وما زلت أشعر أني صغيرتها المدللة.

كنت قد وضعت قائمة بأماكن أرغب بزيارتها، لكن الحرب جعلت الوصول إليها مستحيلًا. في قائمتي زيارة المدينة القديمة التي «زينت» شوارعها وبعض حيطانها شظايا الحرب. بادر شباب بتجميلها، فرسموا حولها بيوتًا وتركوا ندوب الحرب واضحة، كي لا ينسوا يوم تُطوى صفحة القتال كيف باغتت الحرب حياتهم. غريبة هي قدرة الإنسان على التأقلم مع الحرب والتماهي معها، لقد بت أتخيل أن الحرب كانت دومًا هنا، ولدنا وكبرنا على ضجيج أسلحتها، درسنا على الشمع، اصطففنا على أدوار الخبز والغاز والمازوت.

ترعبني فكرة أن أفقد ما تحمله ذاكرتي عن مدينتي قبل الحرب. بالعودة إلى القائمة التي وضعت، كان على رأسها زيارة ضريح أبي وزيارة منزلنا الذي يقع في منطقة قريبة من القتال. توفي أبي مع بداية العنف في سورية. لم يشهد منه إلا بضعة أشهر. أظنه اختار الرحيل طوعًا. أذكر أنه عقب وفاته، وفي زياراتنا الأولى لضريحه، كانت تواريخ القبور قديمة، وبدا لي المكان أرضًا مهجورة. أما اليوم، فيبدو المكان مختلفًا، أكثر ازدحامًا بشواهده البيضاء، مَلِيئًا بالقبور التي أُرخت بسنوات الحرب السبع، ومزدحمًا بالزوار الموتى منهم والأحياء.

كم تشبه حال هذا المكان حال المدينة؟ أكثر حداثة وازدحامًا ولكن كما كان شبح الموت مخيمًا على المكان، كان شبح الحرب يستوطن سماء مدينتي.

زرت منزل عائلتي، حيث غرفتي التي كبرت وبكيت وضحكت فيها، غرفتي التي ما أزال أحتفظ داخلها بلعب الطفولة وصور المراهقة وكتب الجامعة. غرفتي التي ما أزال أحتفظ بنفسي داخلها. لم يتضرر منزلنا فعليًّا، إلا أن بعض الشظايا مرت به، وخاصة بغرفتي. وقفت أمام المرآة التي هشمتها شظية. لم أعرف متى استقرت هنا؟ ولا من أين؟ ولا من أطلقها؟ ولكني أعرف جيدًا أن ما رأيته في المرآة هو وجهي الجديد.

هكذا هي الحروب تشوه وجوه المدن ووجوه أهلها.