نُشر المقال في العدد «59» من مجلة «الإنساني» الصادر في صيف 2015.

في عالمنا اليوم نرى حروبًا بين أفراد الشعب الواحد، ينتج عنها مئات الآلاف بل الملايين من الضحايا، كما أن المدنيين يشكلون في سياق هذه الحروب هدفًا مباشرًا للهجمات، لا سيما أن التزاوج بين التكنولوجيا الحديثة وعمليات القصف الاستراتيجي أفرزت قدرة غير مسبوقة على إسقاط الآلاف من القتلى، وكأن المنخرطين في هذه الحروب يقولون لنا: «عندما تقرع طبول الحرب فلتذهب الأخلاق إلى الجحيم».
الأطراف الرئيسية المشاركة في حروب اليوم ليست بالضرورة دولًا، إنما قد تكون بقايا دول فاشلة أو ميليشيات مسلحة غير تابعة لدولة أو تحالفًا من قوات دولية يجرى تجميعها لمواجهة دولة ما أو ميليشيا مسلحة. وتُعد ظاهرة ما يُسمى «الحرب على الإرهاب» من أكثر الظواهر شمولًا على صعيد المستجدات في ثقافات وأخلاقيات الحروب، وقد اقتحمت حياتنا السياسية والقانونية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة الأميركية.
وإذا كانت الانتهاكات الإنسانية التي تصاحب المستجدات في عالم الصراعات ليست بالجديدة، غير أن التطور الذي شهدته المجتمعات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يدفعنا للتساؤل عن معنى الغياب شبه التام للسؤال الأخلاقي لدى الأطراف المنخرطة في هذه الحروب؟ ولماذا تختفي أخلاقيات الحرب خلف ستار مسرح العمليات القتالية؟ أين ذهبت آراء وأفكار رواد المدرسة «الأخلاقية» سقراط وأفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني والكثير غيرهم ممن أجمعوا على ضرورة وجود أخلاق فاضلة في الحروب يلزم اتباعها لذاتها، مؤكدين أن الخلق الفاضل يشكل صالح الإنسان، وضروري لازدهارنا كبشر نعيش في مجتمع واحد.
فما قرره الفيلسوف جان جاك روسو في كتابه الشهير «العقد الاجتماعي» من أن الحرب علاقة بين الدول لا بين البشر، فالعداء للجنود لا للإنسان، وأنه بمجرد أن يلقي الجندي سلاحه ويستسلم يعود بشرًا لا يحق لأي كائن الاعتداء على حياته، كما أن الإمام محمد بن الحسن الشيباني ومن بعده الفيلسوف هوجو جروسيوس وضعا النواة الصلبة لما يُسمى الآن بالقانون الدولي الإنساني أو قانون الحرب، وإن كان فقهاء القانون الدولي يجمعون على أن مصدره الأساس هو أخلاقيات الحروب المنصوص عليها في الحضارات القديمة والشرائع الدينية المختلفة.
غير أن أفكار أنصار مدرسة «الواقعية» في السياسة أو «السياسة الواقعية» (Realpolitik) يبدو أنها اليوم تطغى على غيرها من المدارس كالمدرسة «المثالية» (Idealism) مثلًا التي رفض أتباعها مفاهيم توازن القوى وسباق التسلح واستخدام القوة، وأكدوا على التزامهم بالأخلاق العامة والمتعارف عليها في المواثيق الدولية المختلفة.
فالسياسة الواقعية تتمسك بأن الاعتبارات الأخلاقية لا علاقة لها بأي اعتبارات في الحرب، معتبرة عالم السياسة والعلاقات الدولية حقلًا للقوة وأن الأخلاقيات تمثل رفاهية لا يمكن لرجال السياسة الانغماس فيها، وهو الفكر الذي أسسه المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس في كتابه «تاريخ الحرب البلوبونيزية» ودعمه الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي في كتابه «الأمير» في بدايات القرن السادس عشر. ثم طور هذا الفكر هانز مورغتناو  (Hans Morgenthau) – أحد رواد القرن العشرين في مجال دراسة السياسة الدولية – والذي أكد أن رجال الدولة يفكرون ويعملون وفقًا لغاية تعرف بأنها القوة، الفكر الذي هذبه قليلًا البروفيسور كينث والتز (Kenneth Neal Waltz)  بتأسيسه للمدرسة «الواقعية الجديدة» Neorealism)) والتي نادى فيها بألا يُنظر إلى القوة كغاية في حد ذاتها، ولكن كوسيلة لبقاء الدولة.
وبالنظر إلى الواقع الذي نعيشه اليوم يتعين علينا أن نسأل أنفسنا: أيٌّ من المدرستين انتصر؟ المدرسة «الأخلاقية/ المثالية» أم مدرسة «السياسة الواقعية»؟ ولماذا؟ إن الإجابة عن هذين السؤالين يمكن أن نجدها في شريان المستجدات الكائنة على مسرح العمليات القتالية التي أجريت في السنوات القليلة الماضية، غير أن الشواهد التي نراها تشير إلى طغيان فكر مدرسة «السياسة الواقعية» وهو المرجع الأول الذي يلجأ إليه صانعو القرار في عالمنا اليوم – مهما اختلفت أيديولوجياتهم.
فلنأخذ كمثال الحق في «حماية الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية»، فهو حق وخلق متفق عليه ومنصوص على حمايته والالتزام به – بلا استثناء – في كافة المواثيق الدولية والشرائع الدينية المنطبقة في زمني السلم والحرب على السواء.
فقد نصت المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية على عدم جواز تعرض أحد للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهو ما أكدته أيضًا اتفاقيات القانون الدولي الإنساني المعنية بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية في نصوص المادة 12 من اتفاقيتي جنيف الأولى والثانية المعنيتين بحماية الجرحى والمرضى والغرقى في الميدان والبحار، والمادتين 17 و89 من اتفاقية جنيف الثالثة المعنية بحماية أسرى الحرب، والمادة 32 من اتفاقية جنيف الرابعة المعنية بحماية المدنيين، والمادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول المطبق في حالات النزاعات المسلحة الدولية؛ والمادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع – السالف ذكرها – والمادة 4 من  البروتوكول الإضافي الثاني المطبق في حالات النزاعات المسلحة غير الدولية.
 ونخص بالذكر هنا تعريف جريمة «التعذيب» الذى أوردته اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة والتي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ودخلت حيز النفاذ في 26 حزيران/ يونيو 1987، والتي قررت فى مادتها الأولى أنه: «يقصد «بالتعذيب» أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديًّا كان أم عقليًّا، يلحق عمدًا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيًّا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية». والتي أضافت فى مادتها الثانية أنه «لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيًّا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدًا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب».
 وعلى الرغم من ذلك، فإننا فى حروب اليوم نرى أن بعض صانعي القرار يلجأون إلى فكر «السياسة الواقعية» من أجل إباحة جريمة التعذيب عن طريق التحايل على النص القانوني الأخلاقي، وتبني وسائل جديدة تؤدي إلى إلحاق ذات الضرر بالشخص محل التحقيقات، ولكن باستخدام ما يُسمى بـ«وسائل تقنية حديثة»، وذلك بوضعه في مواقف تسبب له ضغطًا عصبيًّا شديدًا لا يمكن لبشر تحمله، وذلك بحجة الوصول إلى معلومات ترشد عن الجاني في جريمة ما، من أجل تقديمه للعدالة أو حتى لإحباط محاولة ارتكاب جريمة أخرى في المستقبل.
ومن ناحية أخرى، فإن بعض أطراف النزاعات اليوم لا يعترفون أساسًا بالقانون الدولي باعتباره قانونًا صنعه الغرب لا سيما بعض المجموعات ذات الإيديولوجيا الدينية. فحماية الشريعة الإسلامية مثلًا للنفس الإنسانية، كانت وما زالت حماية عامة شاملة لكل ما يتصل بالإنسان من حقوق وحريات، ذلك أن الاعتداء على الحق وانتهاك الكرامة أو سلب الحرية «مخالف للتكليف ومعصية للخالق».
وقد أقر الإسلام عقوبة شرعية على من يعتدي على نفس الإنسان أوعلى أى جزء من بدنه، في النص القرآني: «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ» [المائدة: 45] ثم «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا» [الأحزاب: 58]. كما أثبت ذلك في الحديث النبوي: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» و«إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» [رواهما مسلم].
ولكن هناك من يرى أنه يمكنه الالتفاف على تلك الحماية المقدسة لحقوق الإنسان في الشرع أيضًا باستخدام منطق السياسة الواقعية في تعامله مع بعض القواعد الفقهية مثل قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» والتي تبيح للمسلم الإقدام على الممنوع شرعًا كارتكاب الفعل المجرم دفعًا للضرر عن نفسه، متناسين ما أجمع عليه الفقهاء بأن الاضطرار لا يمكن أن يكون سببًا في إسقاط حقوق الآدميين لأن «الضرر لا يُزال بمثله» إذ «الضرر يُزال بلا ضرر» و«لا يكون الاضطرار مبطلًا لحق الغير». حتى لو سلمنا أن هذه القاعدة تبيح محظورًا مثل تعذيب شخص للحصول على معلومات أو من أجل ردع الدولة التي يحمل جنسيتها، فهل تبيح اغتصاب النساء أيضًا للأسباب نفسها؟ ولم لا؟ وماذا تقول في قتل المدنيين؟
إذا كنا مضطرين جميعًا أن نشهد هذه الصراعات والحروب -وهي قطعًا سنة كونية فإن اهتمامنا الأول يجب أن يكون بالعمل على تخفيف المعاناة الناجمة عنها وذلك يحدث عند فهمنا لأهمية احترام أخلاقياتها المجسدة في اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، والاقتناع بأن ما قاله نيكولو مكيافيلي منذ خمسة قرون مضت بأن الغاية تبرر الوسيلة لم ولن يكون صحيحًا.