نُشر هذا المقال في العدد 60 من مجلة «الإنساني» الصادر في شتاء 2016
«الابن الأكبر لجأ إلى ألمانيا، أما الأوسط ففي النمسا، في حين ينتظر الأصغر في تركيا. وما بين الأوسط والأصغر خسرت اثنين في الحرب والثالث مفقود. أما البنات فقد استقررن مع أزواجهن في المخيمات المنتشرة على الحدود في لبنان والأردن»، كان هذا هو الجواب الذي سمعته من سيدة مسنَّة في العاصمة السورية دمشق، عندما سألتها لماذا لم يحضر أحد معها لمساعدتها في حمل صندوق مساعدات غذائية. انتظرت السيدة المسنَّة ساعات للحصول عليه وكانت عاجزةً عن تحريكه.
يختصر هذا الجواب مأساة المدنيين السوريين. فبعد خمس سنوات من الحرب التي تشهدها البلاد منذ العام 2011، تشتتت الأسر السورية وتوزعت في العديد من دول العالم بقاراته المختلفة. ويذوي شيئًا فشيئًا أمل لمِّ شمل عائلات لم يعد يجمعها إلا اتصالات هاتفية محدودة، وبضع ذكريات، وبقايا صور تحمل ابتسامات باتت من الماضي السوري.
تشير أرقام منظمة «الأمم المتحدة» إلى أن أكثر من نصف الشعب السوري أصبح لاجئًا في دول العالم المختلفة، أو نازحًا داخل بلده في حين أكد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون «أن نحو 12.2 مليون شخص في سورية يحتاجون لمساعدات بينهم أكثر من 5 ملايين طفل».
طبعًا ليس ثمة حاجة للسؤال عن أسباب اللجوء أو النزوح السوري، فنشرة أخبار واحدة تكفي لإدراك المأساة التي يعاني منها السوريون منذ خمس سنوات. وهي مأساة مستمرة، زاد من قسوتها أن الحرب التي تشهدها بلادهم هي حرب مدن، انعدم فيها التمييز بين المدنيين وسواهم، فلا فئات محمية تُصان، ولا شعارات أو قوانين إنسانية تحترم. وهو ما سرَّع من وتيرة اللجوء في الأشهر الماضية، خاصةً، بعد أن فقد السوريون الأمل بحل قريب أو سلام آتٍ.
المفارقة أن معاناة السوريين وإن بدأت بالحرب، إلا أنها لا تنتهي بالوصول إلى بلد اللجوء أو مكان النزوح، حيث تتواصل المتاعب والتحديات طوال رحلة الهروب وتكتمل وتستمر حتى عند الوصول إلى المكان المنشود.
في الداخل السوري تشير أرقام مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إلى وجود قرابة 7.6 مليون سوري باتوا نازحين داخل البلاد. علمًا أن رحلة النزوح لم تعد مجدية كثيرًا بسبب محدودية الأماكن الآمنة «نسبيًّا» التي يمكن النزوح لها، وهو ما جعل الكثيرين يعيشون تجربة النزوح أكثر من مرة بسبب تدهور الوضع الأمني في كل مكان نزحوا إليه. وهي معاناة تتكرر دوريًّا مع تضاؤل الموارد المالية، ومخاوف من النزوح إلى أماكن محددة قد يتعرضون فيها للأذى والاستهداف، فضلًا عن خطورة رحلة النزوح ذاتها أو وضع قيود عليها ومنعها في بعض الأحيان.
أمَّا بالنسبة لخيار اللجوء فهو لم يعد متاحًا بالنسبة للكثيرين بعد أن ضاقت دول الجوار بمن أتاها فعجزت عن تحمل تبعات اللجوء وتكلفته، خاصةً، أن معظم دول الجوار تعاني مسبقًا من أوضاع اقتصادية سيئة، وهو ما دفع بعضها لإغلاق حدودها في أوقات كثيرة أو التشدد في السماح بإدخال الهاربين من نيران الحرب في الداخل السوري، أو التضييق على من دخل فعلًا، لدفعهم إلى التماس اللجوء في مكان آخر وللحد من تدفق اللاجئين المستمر صوب بلادهم.
بهذا الصدد تشير أرقام مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إلى أنه وحتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين فعليًّا 4,290,332 لاجئًا سوريًّا. ويشمل هذا الرقم 2.1 مليون سوريٍّ مسجلين من قبل المفوضية في مصر والعراق والأردن ولبنان، و1.9 مليون سوريٍّ مسجلين من قبل حكومة تركيا، فضلًا عن أكثر من 26,700 لاجئ سوري مسجلين في دول شمال أفريقيا.
وفي ظل عدم وجود قوانين وطنية تنظم حالة اللجوء في أغلبية دول الجوار باتت تلك الدول، بالنسبة للكثيرين من اللاجئين السوريين، محطة لجوء أولى، تمهيدًا للوصول إلى الهدف النهائي المنشود وهي دول القارة الأوروبية. فبحسب أرقام مفوضية اللاجئين، تقدم 679.140 لاجئًا سوريًّا بطلبات لجوء إلى أوروبا بين نيسان/ أبريل 2011 وتشرين الأول/ أكتوبر 2015. ولا تتحدث هذه الأرقام عمن غرق في رحلة كان يأمل منها النجاة لكنها تُوِّجَت بالموت.
يمر اللاجئون السوريون قبل الوصول إلى بر الأمان الأوروبي برحلة مخاض صعبة وخطيرة، تبدأ بتحدي تأمين نفقات السفر، حيث تبلغ تكلفة وصول اللاجئ الواحد ما بين ثلاثة آلاف إلى تسعة آلاف دولار بحسب «رفاهية» الرحلة وأمانها. وهو مبلغ ينبغي تسليمه للمهربين المنتشرين علانيةً في تركيا وبعض دول الشمال الأفريقي التي تنطلق منها رحلات منظمة صوب دول اللجوء الأوروبية.
وفي هذه الرحلة، وقع الكثير من اللاجئين في براثن عصابات منظمة للاتجار بالبشر، امتهنت النصب على اللاجئين واستغلال معاناتهم بغية الحصول على أموالهم دون تسفيرهم، أو إرسالهم في ظل ظروف بالغة الخطورة. وهو ما تكشفه الأنباء الواردة دوريًّا عن غرق المئات من اللاجئين السوريين في مياه البحر الأبيض المتوسط.
تستمر معاناة اللاجئين بعد تجاوز البحر حيث يتعين عليهم عبور عدَّة دول أوروبية في رحلة مخاطر إضافية تزداد قسوتها مع قسوة المناخ، ووجود أطفال ونساء في قوافل اللاجئين. وهي معاناة تضاعفت أيضًا مع تكدس الآلاف على حدود الدول الأوروبية التي لجأ بعضها إلى إغلاق حدودها للتضييق على اللاجئين والحد من استخدامهم أراضيها كدول عبور وصولًا إلى الدولة المستهدفة، وهي غالبًا ألمانيا أو بعض الدول الإسكندرانية التي تحظى بسمعة جيدة في استقبال اللاجئين وتوفير متطلبات الحياة الكريمة لهم.
وتكشف روايات اللاجئين السوريين طوال السنوات الماضية عن الكثير من الوقائع التي تختصر محنة الحرب ومآسيها، فكثيرون منهم غادروا منازلهم دون اصطحاب أي وثيقة تثبت شخصيتهم، وبعضهم تزوج أو ولد دون أن يتمكن من توثيق حالته الجديدة. ولتأمين نفقات رحلة اللجوء الباهظة باع معظمهم كل ما يملكه في وطنه ليشتري بالثمن «صفة لاجئ» في بلد آخر. بعض اللاجئين ماتوا في المخيمات بدول الجوار إما بفعل البرد في موجات الثلج القاسية، أو حرق عندما حاولوا أن يشعلوا في خيامهم ما يقيهم قسوة الشتاء. وهناك من ماتوا غرقًا في البحر دون أن يسمع أو يعرف بهم أحد، ودون حتى أن تنتشل جثثهم لدفنها بما يليق بها. بعضهم مات خنقًا بحافلات غير معدة أساسًا لتكديس البشر بها بتلك الطرق اللا إنسانية.
تؤكد كل هذه الوقائع عجز المنظمات الدولية المعنية التي تعاني من نقص الموارد المتاحة لمواجهة الواقع الإنساني المستجد والمتدهور، فضلاً عن فرض الكثير من القيود على عملها. كما تبرز بوضوح إشكالية مدى فاعلية واحترام قوانين الحرب واللجوء. علمًا أن ثمة تحديات إضافية بات يتعين على اللاجئين السوريين أن يواجهوها بعد أن استقروا في دول اللجوء الجديدة كتعلم اللغة، والاندماج الاجتماعي، ومعادلة شهاداتهم العلمية، والحصول على فرصة عمل مناسبة لبدء حياة جديدة. وهي تحديات جعلت الكثير من اللاجئين السوريين يدركون أن معاناتهم لم تنته بالوصول إلى «الحلم الأوروبي» بل ربما تكون قد ابتدأت بالفعل.
تكشف مأساة اللاجئين السوريين بوضوح أن الحرب قد تدمِّر تاريخ البلاد وحاضرها، إلا أن حجم أزمة اللاجئين هذه، سيجعل مستقبل البلاد أيضًا في حالة خطر. وهنا يكمن التحدي الأكبر.