جمع من الجنود يقفون بالقرب من البوابة الرئيسية للمخيم، نواصل الاقتراب منهم، كانوا يرتجفون، ألاحظ ذلك من اهتزاز الأسلحة في أيديهم، لا أدري إن كان هذا من شدة البرد، أم من الخوف مما يمكن أن يحدث داخل المخيم، يلمحنا قائدهم، يرى كاميرات التصوير التي معنا فيقول في حزم:
– لا داعي لدخول المخيم اليوم، بالتأكيد سوف تحدث متاعب.
أتساءل: أي نوع من المتاعب؟
يقول بنفاذ صبر:
– اسمع، يبدو أنك صحفي ومن بلاد غريبة، نحن لسنا في حاجة إلى الغرباء اليوم: عد في يوم آخر، سوف تجدهم على نفس الحالة ولكن بدون متاعب.
قلت: لقد قطعت كل هذه المسافة من أجل أن أدخل إلى هذا المخيم، ولن أعود قبل أن أفعل ذلك.
يتدخل «نور» مرافقي، كان ينتمي لإحدى الجمعيات الخيرية التي تعمل داخل أذربيجان منذ زمن، ويجيد الحديث بالروسية التي بدت في هذه اللحظة وسيلة التفاهم الوحيدة رغم أن الجميع يحاولون التخلص منها، لا أدري ماذا يقول له بالضبط، ولكنه يشير إلى الكاميرات التي نحملها، ويقرأ التصاريح والأوراق الثبوتية التي طلب منا إخراجها، يهز القائد رأسه بلا مبالاة ويقول أخيرًا:
– ادخلوا على مسؤوليتكم ولو أنهم مزقوكم إربًا فلن نتحرك لإنقاذكم.
يتنحى أحد الجنود ويسمح لنا بالدخول، في لحظة واحدة وجدت نفسي وسط حصار الخيام الممزقة والأكواخ المصنوعة من الخشب وصفائح القصدير؛ تمتد صفوفها المترامية حتى تحجب الأفق، لا تترك بينها إلا مساحات ضئيلة من الأرض التي يغطيها الحصى، يلفحنا هواء بارد مشبع برائحة نتنة وتبرق عيون الأطفال من خلف مزق القماش التي تغطي الأبواب، وتحدق فينا عجوز بعيون فارغة، حين ترى الكاميرات التي نحملها تلوح بيدها في يأس وقرف، نسير في ممر ضيق ملتو دون أن نصادف أحدًا، نخطو فوق خطوط من القنوات الصغيرة التي يجري فيها ماء وسخ محمل بالفضلات، نشم رائحة مطاط محترق، ولا توجد أي رائحة من روائح الطعام، يبدأ الأطفال في البروز من داخل الأكواخ والخيام، وجوههم متسخة وجلودهم مقشرة من شدة البرد، يلبسون أكداسًا من الثياب المتنافرة، معظمهم يمشي حافيًا، يخوضون في القنوات المتسخة، يوجهون سيرنا بعد ذلك، تبدأ أصوات الضجيج في التعالي، صيحات غاضبة وصرخات يتبعها أمواج من الهدير، نخرج جميعًا إلى ساحة متسعة، لا أتصور أن هناك شيء بهذا الاتساع بعد هذه المتاهة من الطرق الملتفة، الساحة مليئة بعدد لا يحصى من البشر، جالسين على الأرض، يتحدثون ويصرخون ويهدرون وهم جلوس، يصمتون حين يرونا ونحن نقترب، تلتفت إلينا مئات الوجوه، تتأمل أشكالنا والكاميرات التي في أيدينا، يتقدم واحد منهم وهو يلوح بقبضته في وجوهنا، أخذ يهدر بعدة كلمات غاضبة حتى أنني تراجعت من أمامه وأنا أشعر بالذنب قلت لرفيقي متوسلًا:
– ماذا يقول؟
قال: إنه يسألنا لماذا تأخرت عربة الطحين وعن «إسماعلوف».
قلت: أي طحين وأي «إسماعلوف»؟
قال: هذا هو سبب المشكلة، لقد أصبحنا بعد منتصف النهار ولم تأت العربة ولم يظهر سائقها.
بدأت أنتبه للحقيقة المروعة التي نقف أمامها، كانوا في وسط الساحة يجلسون في دائرة كاملة حول المبنى الوحيد المتماسك، الوحيد الذي له جدران ومدخنة طويلة مرتفعة، هذا هو المخبز الذي يستيقظون على صوت عجانته وهي تعمل كل صباح، ويبدؤون في التجمع حوله عندما ترتفع الأدخنة من مدخنته الطويلة، ثم ينتظرون بلهفة خروج أولى الأرغفة، المحور الذي تدور حوله حياتهم، رفعت بصري، أمام المخبز يجلس الخبازون الثلاثة فوق المنضدة العالية، أرجلهم مدلاة وثيابهم ملطخة من طحين الأمس، عدا هذا كان كل شيء يسوده البرد والانتظار، قلت له:
– قل له أننا معكم، سوف نصور ما نراه حتى يرى العالم ما هم فيه من جوع.
هز الرجل كتفه كأنما يئس من كل الوعود، عاد إليهم، أشار نحوي في احتقار واضح وهو يتحدث إليهم، مجرد حامل آخر للكلام والوعود الكاذبة، بدأت أصواتهم تعلو بالصياح، همست لمرافقي:
– ولكن كيف استطاعت السلطات أن ترسل الجنود ولم تستطع أن ترسل عربة الطحين؟
قال: هكذا الحال دائمًا.
كان اليأس قد بلغ بهم مداه، وبدا وجودي كشاهد على جوعهم أمرًا لا يمكن احتماله، أخذوا يصيحون باسم «إسماعلوف» وبدا أنه الكلمة الأكثر إثارة للغضب وللجوع. قال مرافقي:
– المشكلة أنهم لا يعرفون عنه شيئًا، لقد ذهب بالسيارة إلى مدينة «بردا» القريبة ولم يعد، وهم يعتقدون أن الجنود قد قبضوا عليه، أنت تعرف لقد تعودوا أن يقبض عليهم دون سبب، لمجرد أنهم لاجئين.
ينهضون واقفين، تتحول أجسادهم إلى كتلة واحدة متهيئة للانقضاض، يبدؤون في التمحور على شكل سهم، في مقدمته الرجال القادرين على السير باندفاع، وعلى جانبيه بقية الشيوخ وفي المؤخرة النساء والأطفال، التشكيل الطبيعي الذي تأخذه أي جماعة بشرية في لحظة الخطر، لم يعد الجوع يسمح لهم بالانتظار، يتجهون إلى باب المعسكر حيث يقف الجنود، يهتفون باسم الطحين وإسماعلوف، كأنهما وجهين لنفس الرغيف، اقتربوا من البوابة وبدا الجنود واقفين في العراء وهم يرفعون السلاح، أسأل نفسي دون جدوى، أين كان هؤلاء الجنود المسلحين عندما ضاع إقليم «قراباخ» بأكمله، بكل ما فيه من جبال وأنهار ووديان ومناجم للذهب؟ عن أي شيء يدافعون ضد حفنة من الجياع بلا منازل ولا طعام ولا موطئ قدم؟ أتأمل وجوههم، جمع من العجائز والأطفال وكبار السن، ما يتبقى دومًا من ركام الحروب، الشبان يغادرون المخيم يومًا بعد يوم، يعملون في المدينة وينسون أو يتناسون هؤلاء الذين يجلسون في الانتظار بلا أمل، ولا تحل أبدًا مشاكل المهجرين، كأن الأرض التي غادروها قد تبددت ولم تعد على سطح الكون.
اقترب الجمع من البوابة وضاقت المسافة بينهم وبين الجنود، أصبحوا في مجال إطلاق النار، ولكنهم بدوا غير مبالين، ساد صمت متوتر، ذلك الهدوء الذي يسبق المذبحة، قلت لرفيقي:
– ولكن لماذا يتصدى لهم الجنود، إنهم آذريون مثلهم، ألا يكفي ما فعل بهم الأرمن؟
ثم فجأة توقف الجميع، من خلف الأفق علت ضجة إحدى الشاحنات استدارت كل الرؤوس تراقب ظهورها، شاحنة سوداء ضخمة، تسير في بطء، تصعد وتهبط مع تعرجات الطريق، تتضح معالمها، يصيحون في فرح، إنها الشاحنة التي ينتظرونها والسائق الذين يهتفون باسمه «إسماعلوف»، تتجه الشاحنة إلى باب المعسكر، يفسح لها الجنود الطريق حتى تدخل دون مشاكل، تتجه لتقف تمامًا وسط الجموع، يجرون نحوها متصايحين، ثم ما يلبثون أن يقفوا في ذهول، العربة فارغة، فارغة تمامًا، يفتح «إسماعلوف» باب الشاحنة يقف أمامهم وهو مكفهر الوجه، تتجه الأبصار إليه باحثة عن تفسير، يتحدث إليهم في صوت معتب ومنهك، يقول الدليل المرافق لي:
– يقول لهم أن هناك لاجئون جدد في المعسكر الآخر لم يتناولوا الطعام منذ عدة أيام وقد اضطر إلى ترك الطحين لهم.
يخفضون رؤوسهم، تبدو على وجوههم ملامح من الكمد، لا يقولون شيئًا، لم يعد هناك ما يقال، يبدؤون في الانسحاب، وقد تبدد الغضب ولم يبق إلا الجوع والانتظار الطويل.
محمد المنسي قنديل، قاص وروائي مصري، وقد نشر هذا النص في العدد الخامس من مجلة «الإنساني» الذي صدر في تموز/يوليو-آب/أغسطس من العام 1999.

اقرأ أيضا:

طريق القناصة… قصة قصيرة لمحمد المخزنجي