ثمة فرق بين تَجرِبة رحيل تقرر القيام بها وأخرى تُجبر عليها، إلا أن النتيجة في نهاية المطاف هي الانتقال من نقطة لأخرى ومن مجتمع اعتدته إلى مجتمع جديد.

هذا ما كان من أمر السيدة نادية نور الدين علي، أمي التي انتقلت من الإسماعيلية، الواقعة شرق القاهرة، إلى مدينة المحلة، الواقعة شمال القاهرة. كان انتقالها قسرًا في أعقاب حرب تموز/ يونيو في العام 1967. كانت نادية لا تزال شابة في التاسعة عشرة من عمرها عند تهجيرها. وكان الابنة الثالثة بين ستة أشقاء. في وقت سابق على التهجير، كان اثنان من أشقائها قد تزوجا وانتقلا إلى المحلة.
لم تكن معركة العام 1967، هي أول تجربة لها مع الحرب. فقبل أن تكمل عامها التاسع، اختبرت معاناة القلق على ذويها في ظلام تزيده أصوات القصف والطلقات النارية رعبًا. كان منزلهم بمنطقة القنطرة، الواقعة شرق قناة السويس والتابعة لمحافظة الإسماعيلية. حين حل المساء في ليلة شتوية مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر في العام 1956، اتجهوا جميعًا إلى مخبأ ما بعدما تصاعدت أصوات القصف. لم يكن أخوها الأكبر عبد الله، 14 عاما، قد عاد بعد من الخارج، ما دفع الأب، جدي نور الدين، للخروج بحثًا عنه، فعلق الاثنان بالخارج لساعات لم تحسب عددها. لكنها تذكر حالة الوجوم القلق التي سادت بينهم داخل المخبأ وبالبيت لما هدأت الغارة العسكرية.
محاولات الأم طمأنتهم، الانتظار عند باب المنزل، مرور الساعات بطيئة، وعودة الأخ وحيدًا، دارت في الرؤوس كل الاحتمالات المتشائمة والمتفائلة لتفسير تأخر الأب.
عاد رب الأسرة سالمًا مع الفجر ولم يحك للأطفال أي تفاصيل، عكس خالي عبد الله الذي روى كيف استطاع الاختباء مع آخرين داخل محل تجاري أُغلق بابه من الداخل طوال فترة الغارة، وكيف خرج بين غارتين ليختبئ ثانية حتى نهاية الغارات والوصول للمنزل. كان خالي شقيًّا بحق. بعد 7 سنوات من هذه الحادثةـ ترك الأسرة وهاجر بعيدًا، لتصبح أمي أكبر الشابات المقيمات مع الأسرة.
مسؤولية مبكرة
حين اندلعت حرب حزيران/ يونيو 1967، غاب رب البيت، فُقد أثناء الحرب ولم تحصل الأسرة على معلومة حول مصيره. بدأت أعمال إجلاء السكان والتهجير بعد شهرين من اندلاع الحرب. تواصلت الغارات خلالهما، ومن استطاع إلى الانتقال سبيلًا اتخذه، دون التقيد بوجهة محددة، ومن لم يستطع فقد انتظر تدابير الجيش المصري لنقل الأسر. تولت الشابة الكبرى، نادية نور الدين، مسؤولية تدبير الانتقال من الإسماعيلية إلى المحلة. في البدء انتقلت العائلة المكونة من أربعة أفراد: زوجة وفتاة وطفل 13 عاما وطفلة 9  أعوام إلى القاهرة، عبر سيارات وفرها الجيش ضمن خطة التهجير الحكومية، ثم منها إلى المحلة حيث يستقر الشقيقان وأسرتاهما، وهناك استضافتهم عائلة صديقة لمدة شهر، قبل أن يستأجروا منزلًا لمدة ستة شهور لم ينشغلوا خلالها سوى بتأمين متطلبات الحياة واكتشاف طبيعة الحياة في المدينة الجديدة.
البحث عن فقيد وعن عمل وعن بيت
رغم توفر عناصر الأمان بالمحلة بعيدًا عن الحرب المشتعلة على ضفة قناة السويس، فإن متطلبات الحياة اليومية كانت عصية. هذه حال دولة ترزح تحت نير الحرب. ورغم الجهود الحكومية لتوفير السلع، فإن أسعارها ارتفعت لمستويات قياسية. ولم تستطع الأسرة حينها توفير احتياجاتها بشكل كاف، حتى مع الإعانة الشهرية، قدرها 9 جنيهات، التي التزمت الدولة حينها بصرفها لأسر المهجرين.
كانت النفقات الشهرية من إيجار منزل وشراء سلع أساسية تستهلك المعونة الحكومية الشهرية، فضلًا عن نفقات السفر والبحث عن الزوج المفقود بين المكاتب الحكومية، ولم يوجد حينها مصدر للرزق غير المعاش الحكومي.
خلال أقل من ستة أشهر، وتحديدًا مطلع العام 1968، ولمواجهة الظروف الجديدة بمدينة صناعية لم تعرفها معرفة كافية، اضطرت نادية لاحتراف حياكة الملابس للأقارب والأصدقاء بعدما كانت تمارس الحياكة كهواية في الإسماعيلية. أصبحت الآن تدخر ما تكسبه منها، ومع ما استطاعت الأم تدبيره من بيع أغراض قديمة، ليجمعوا ما استطاعوا جمعه من مال لشراء قطعة أرض صغيرة كانت نواة البيت الجديد؛ أولى قواعد الاستقرار في المدينة. استغرق تأسيس البيت الجديد قرابة عام كامل. ساعدها في تأسيسه خبرة قديمة اكتسبتها من أبيها الذي عمل في البناء، حتى شُيد بيت من دور واحد. بدأ البيت بألواح من الخشب والصاج ثم ببعض من الادخار والتوفير استطاعوا تأسيسه بأعمدة خرسانية وفيه اضطلعت هذه الشابة العشرينية بكل المسؤولية.
نظرًا للمهارة التي أبدتها في حرفتها، تمكنت من تأسيس قاعدة زبائن عريضة. كانت تتابع الجديد وتسافر بين مدن المحلة والمنصورة والقاهرة لجلب احتياجات مهنتها ولمتابعة أخبار الأب المفقود. كانت نادية تتتبع، طيلة عامين، مع أمها أية أنباء عن الأب المفقود. لم تترك بابًا من أبواب المؤسسات الحكومية إلا وطرقته. استفسرت عند مديرية الشؤون الاجتماعية بمحافظة الغربية وبين إداراتها المركزية بالقاهرة، التي تولت شؤون المهجرين حينها، بالتنسيق مع الجيش، وسألت وزارة الصحة التي كانت تجمع بيانات المصابين الذين أنهكتهم رحلة التهجير.  بنهاية العام 1968 اعتبرت الحكومة نور الدين علي شهيدًا مدنيًّا بلا جثة، ضمن آخرين بالطبع.
ومنذ العام 1969 فقد الجميع الأمل واستودعوا الله الأب الفقيد.
استقرار نسبي
بنهاية العام 1969 تضاءل شبح الحزن على الأب، واستقرت الأحوال نسبيًّا بالمنزل الجديد، الشابة العشرينية تتابع مسؤولياتها، والمراهق صار شابًّا التحق بمدرسة للتعليم المهني. وباستقرار الأحوال الجديدة انقطعت آمال العودة إلى الإسماعيلية، فلا شيء يعودون لأجله، الأب مات والابن الأكبر مسافر يعمل بالخارج، ويملكون منزلًا وحياة. بالطبع افتقدوا الحياة بمدينتهم القديمة، وطقسها الألطف من طقس المدينة القابعة بقلب الدلتا. فترت حماسة الأسرة بالعودة عندما لاحت لها الفرصة بعد عبور الجيش المصري لقناة السويس في حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973. كانت الحياة قد طابت لهم في المدينة الجديدة. علاوة على أنهم لم يحوزوا أية أوراق تثبت ملكيتهم لمنزلهم القديم بالإسماعيلية. ولم يكن هناك قبر يضم رفات الأب يمكنهم زيارته، فاختاروا البقاء بالمحلة حيث البيت والحياة المستقرة.
العودة إلى مسقط رأسك.. كضيف
ربما استطابت الأسرة الحياة بالمحلة، إلا أنني على يقين من أن أمي كانت ترغب دومًا في العودة إلى هناك. يأتي هذا اليقين من زياراتي للمدينة بصحبتها فقد زرت معها الإسماعيلية ست مرات، كضيوف عليها بالطبع، وفي كل مرة كُنت أرى الفارق بين ثقل روحها في المحلة وخفتها في الإسماعيلية، وفي كل مرة لم تمل من حكي ذكراها الأثيرة عن أبيها، وكيف كان يرفعها بيديه في مواجهة نسيم قناة السويس، على غرار تمثال قديم أعلى مبنى مستشفى قناة السويس «نمرة 6» بالإسماعيلية، الذي يمثل قديسًا يرفع طفلًا في الهواء، ظل ذلك المشهد عالقًا في ذاكرتها رغم غربتها عن المدينة لأكثر من ثلثي عمرها، وكانت تذكره دومًا بابتسامة طفل يحمله قديس في الهواء.
****
اقرأ أيضا:
فيروز كراوية: «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي»…مدن القناة المصرية وتجربة مقاومة الحرب بالغناء