في أواخر سبعينيات القرن الماضي، قرر ناجي شفيق، وهو طبيب بشري متخصص في الصحة العامة، ترك بلاده مصر والهجرة للعمل في المجال الإنساني في دول عدة كالجزائر واليمن وكمبوديا وكوريا الشمالية والهند وإندونسيا. يسرد شفيق هنا بعض الملامح العامة لسيرته المهنية طيلة أكثر من ثلاثة عقود بعيدًا عن وطنه.
عندما أرجع بالذاكرة إلى الماضي أسأل نفسي: كيف ولماذا اتخذت قرار الرحيل من بلدي مصر للعمل في الخارج؟
على العكس من زملائي، لم يدر بذهني مطلقًا أن أغادر بلدي. كل أحلامي كانت هنا. ولقد بذلت قصارى جهدي للقيام بشيء مفيد للمحرومين من الخدمات الطبية الأساسية. لم تكن مجهوداتي كافية بسبب التغيُّر الذي طرأ على النظام الصحي في مصر. لم تعد الصحة العامة في صدارة الأولويات. فضل معظم الأطباء العمل الخاص على حساب العمل في المستشفيات العامة. لم أستطع أن أفعل إلا ما اعتقدت أنه الصواب. أي العمل من خلال المؤسسات الحكومية لخدمة أشدِّ الناس احتياجًا وعدم فتح عيادة خاصة، لأن ذلك يتناقض مع ما أومن به. وأخيرًا، قررت الرحيل عن مصر في العام 1979.

الدكتور ناجي شفيق في إندونسيا

أحلام جديدة
بدأت عملي في الخارج كطبيب متفرغ من خلال وزارة الصحة في الجزائر، حيث كان يوجد نقص في عدد الأطباء. كان المرتب وقتها معقولًا، واعتقدت عندئذٍ أن هذا هو المكان المثالي، وأنني سوف أمكث في هذا المكان لفترة طويلة. ولكن ما لم أكن أعلمه في ذلك الوقت، أننا مع مرور السنوات نتعلم أكثر ونكتسب مزيدًا من الخبرات، كما تُولد لدينا أحلام، ونصبح أكثر رغبة في استكشاف آفاقٍ جديدةٍ حتى لو كانت الضريبة هي المزيد من المعاناة. كان الدافع الثاني هو قبول التحدي؛ أي إدارة عيادة للخدمات الطبية للعاملين في منظمات الأمم المتحدة في العالم، الموجودين في واحدة من أكبر المهمات في العالم في ذلك الوقت وهي اليمن. بلد لا يتمتع بخدمات صحية جيدة.
كان عملي بالأساس عملًا إكلينيكيًّا، وبالإضافة إلى ذلك توليت عددًا من العمليات الخاصة باللاجئين، كما بدأت أتعرف على مشاريع التنمية، وأدركت أنني أفتقر إلى المنهجية العلمية. لهذا قررت دراسة «الصحة العامة» ولقد فعلت ذلك في مصر.
مع اكتساب أدوات جديدة، بدأ إغراء آخر في الظهور، كان يدفعني في اتجاه التصدي لتحديات أكبر في أماكن أكثر خطورة. وبناء على ذلك بدأت العمل مع منظمات غير حكومية ـمثل «هيلث نيت إنترناشيونال» الهولندية (Health Net) ومنظمة أطباء بلا حدود السويسرية (Doctors Without Borders) ومع منظمة الصحة العالمية في كمبوديا، التي كانت، في ذلك الوقت، مكانًا شديد الخطورة والصعوبة، يعمه الفقر المدقع، وابتُلِيَ بأمراض المناطق المدارية، هذا بالإضافة إلى الصراع المسلح والألغام الأرضية.
تمنحنا هذه الخبرات والتعايش معها، الإحساس بالإنجاز، ولكن في الوقت نفسه، توقظ شيطاننا الداخلي، الذي يطالب بتحديات أكبر وتجارب أكثر عمقًا. لذلك، كانت محطتي التالية هي كوريا الشمالية؛ بلد فُرضت عليه عقوبات دولية، معزول عن العالم، تسبقه صورة سلبية جدًّا رسمها الإعلام «الدولي». عانى هذا البلد مؤخرًا من كارثةٍ طبيعيةٍ ومرَّ بأوقاتٍ عصيبةٍ بسبب المجاعة التي حصدت كثيرًا من الأرواح، وتركت الكثير من النساء والأطفال يعانون من سوء التغذية. خدمت هناك أولًا مع «منظمة الأمم المتحدة للطفولة» (يونيسيف) ثم مع «منظمة الصحة العالمية».
في وقت لاحق، استُدعِيت إلى مكتب منظمة الصحة العالمية الإقليمي لجنوب شرق آسيا بالهند في تجربة كان من شأنها أن توفر خبرةً مختلفةً، لكنني سرعان ما افتقدت العمل الميداني والاتصال المباشر مع السكان المستهدفين. استغرق الأمر بضعة شهور، بعدها غادرت المكتب الإقليمي إلى إندونيسيا؛ بلد يتعامل يوميًّا مع كل الأنواع المعروفة من الكوارث الطبيعية: الزلازل والتسونامي والبراكين والفيضانات والانهيارات الأرضية…الخ. ومع وصولي لمستوى عالٍ من الخبرة في إدارة البرامج، أنهيت حياتي العملية بالخدمة في بلدين آخرين هما تيمور الشرقية وتايلاند لتطوير قدرات التأهب لحالات الطوارئ ولتحسين أداء برنامج سلامة الطرق.

الدكتور ناجي شفيق يتفقد أدوية والتطعيمات في كوريا الشمالية

على أهبة الاستعداد
دائمًا ما يعد الإنسان نفسه قبل بداية أي مهمة. كنت دائمًا مستعدًّا لكل شيء تقريبًا: الطقس (حارًّا كان أو باردًا)، العزلة، الاستغناء عن التكنولوجيا الحديثة مثل الهواتف الذكية وعدم التواصل عن طريق الإنترنت، كيفية التعامل مع الأمراض المدارية والمتوطِّنة. شيء واحد كان دائمًا يؤرقني: البعد الإنساني. من حسن حظي أن هذا العامل كان إيجابيًّا معي.
أنا فخور أنه لا يزال لدي الكثير من الأصدقاء في كل مكان عملت فيه وما زلت على اتصال بهم. بذلت مجهودًا كبيرًا في فهم كل ما يتعلق بتخصصي. وقد ساعدني هؤلاء الأصدقاء في فهم معظم الأشياء الهامة التي بدونها لم أكن لأستطيع الوصول إلى الناس: اللغة والثقافة والتاريخ، وكل ما هو خارج مجال تخصصي. فكل الأمور في الحياة متصلة وعليك أن تتعرَّف على كل شيء بنفسك، ولا تركن لوسائل الإعلام، فكثيرًا ما تكون لها أجندتها السياسية الخاصة.
كنت دائمًا ما أعمل مع نظرائي لمعرفة ما هي الأشياء الجيدة التي ينبغي الحفاظ عليها وتدعيمها، وما هي الأشياء التي ينبغي تغييرها، والتعرف على المشاكل، مساعدتهم في التعرف على خبرات الدول الأخرى وكيفية حل المشاكل بعد التكيف مع الظروف المحلية. لم أخجل من أخطائي، بل واجهتها وتعلمت منها. لم أكن القاضي الذي يصدر أحكامًا وإنما حاولت أن أفهم. كان عقلي مفتوحًا، تعلمت من ثقافات وديانات وتقاليد الآخرين، وفوق كل شيء تعلمت احترامهم. لم يساعدني ذلك فحسب في التعامل مع المجتمعات، بل أيضًا أضاف إلى معرفتي وعلمي وصقل سلوكياتي.

 

أنقذ ذلك حياتي عندما تعاملت مع بقايا الخمير الحمر*، عندما وجدت نفسي عالقًا في حرب الشوارع في بنوم بنه عاصمة كمبوديا. هذه الخبرات علمتني كيفية تحديد طريقي والتعامل مع ضحايا الكوارث الطبيعية وكيفية إيجاد التوازن في القضايا السياسية وحقوق الإنسان مع البلد المضيف والدول المانحة. كانت بوصلتي دائمًا تركز على البحث عن طريق للوصول إلى المحتاجين. علاوة على ذلك، تعلمت كيفية التعامل مع بعض المسؤولين الحكوميين «الفاسدين» والمطالب غير المشروعة أحيانًا من قبل بعض ممثلي الدول المانحة.
هل شعرت بالخوف؟ نعم، مرات عدة كما يشعر أي إنسانٍ آخر. ولكن ربما كان هنالك شيء أكثر إلحاحًا من الخوف. الشعور أنك تصل إلى أناس في حالةٍ صعبةٍ، وتلبي احتياجاتهم، وترسم ابتسامةً على وجه طفلٍ.
إذا نظرتُ إلى الوراء، أتذكر لحظاتٍ كنت فيها قريبًا من الموت، وأتساءل: كيف؟ ولماذا نجوت؟ لكنني أدركت أن ذلك حدث لسبب وجيه!
* الحزب السياسي الحاكم في كمبوديا في الفترة من 1975 إلى 1979. كان عبارة عن تحالف لمجموعات شيوعية اندمجت وشكلت «الحزب الشيوعي» لكمبوتشيا.
*نُشر هذا الموضوع في العدد 60 من مجلة الإنساني. للاطلاع على محتويات العدد اضغط هنا