أقر البرلمان الجزائري منذ العام 2014 جملة من التشريعات التي تستهدف توفير الحماية للنساء سواء داخل الأسرة أو في المجال العام ككل، فصدرت قوانين تجرم العنف الجنسي وتجرم كذلك العنف المنزلي. هذه الإصلاحات القانونية توجت سنوات من نضال النساء في الجزائر لنيل حقوقهن.
استقبلت نساء الجزائر اليوم العالمي للمرأة هذا العام (يوافق 8 آذار/ مارس) بشعور من الزهو بعد إقرار مجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان) جملة تعديلات قانونية تستهدف توفير الحماية للمرأة الجزائرية، فصدر أوَّل تشريع في تاريخ البلاد يجرِّم التحرُّش بالنساء، كما أُقرت تعديلات تجرم العنف المنزلي، وتجرم كذلك مختلف أشكال العنف ضد النساء في المجال العام.
هذا الذي يراه البعض إنجازًا، لا تعتبره نساء الجزائر والمدافعات عن حقوق المرأة إلا باكورة نتائج مسيرة نضال طويلة. فهذه الإصلاحات القانونية لم تكن لترى النور لولا نضال عشرات الناشطات الحقوقيات المدافعات عن حقوق المرأة كالناشطة سمية صالحي والناشطة نادية آيت زاي والناشطة مريم يعلى وغيرهن من الناشطات اللاتي يخضن منذ أكثر من عقدين معارك يومية ضد كل أشكال العنف ضد المرأة، المرأة التي كانت ولا تزال الحلقة الأضعف في كل المجتمعات، والمجتمعات العربية تحديدًا.
بداية النضال
تقول حقوقيات وناشطات نسويات إن قانون مكافحة العنف ضد المرأة هو ثمرة نضال يعود إلى بداية التسعينيات، الفترة التي عانت فيها الجزائريات الأمرين. فالآلاف منهن انتهكت أجسادهن وأرواحهن في الأزمة الأمنية التي ضربت البلاد لأكثر من عشر سنوات في تسعينيات القرن الماضي، فعانين الاختطاف والاغتصاب ومختلف أشكال العنف.
هذا الوضع البائس حرك بعض الحقوقيات لمطالبة السلطات بتأمين حماية النساء ضحايا العنف الجنسي، واللواتي كانت عائلاتهن ترفض عودتهن بعد أن «ينتهك شرفهن» على أيدي الإرهابيين، على حد تعبير نادية آيت زاي، المحامية والحقوقية ورئيسة مركز الإعلام والتوثيق لحقوق الطفل والمرأة «سيداف». وتضيف أن السلطات رفضت هذه المطالبات: «كنا نخوض معارك يومية للحديث عن هاته المغتصبات، غير أن السلطات كانت ترفض تمامًا الخوض في هذا الملف الشائك». وحسب الحقوقية الجزائرية: «الأمر لم يكن سهلًا في البداية من أجل إقرار قانون يجرم العنف ضد المرأة ويحميها من كل أشكال الاعتداءات النفسية والجسدية».
هذا الرأي هو نفس ما ذهبت إليه الناشطة مريم يعلى، رئيسة جمعية «نساء في شدة»، التي ترى في التعديلات القانونية الأخيرة ثمرة مسار طويل من نضال المجتمع المدني منذ سنوات الإرهاب. تقول يعلى: «معركتنا في عز الأزمة الأمنية لم تكن فقط ضد الإرهاب والممارسات التي كانت المرأة ضحيتها من طرف الجماعات المتطرفة كالاختطاف والاغتصاب، بل كانت أيضًا ضد العنف الممارس ضد المرأة في بيتها من طرف زوجها وشقيقها ووالدها وحتى من رب عملها، وهذا ما كان يعتبره البعض ضربًا من الجنون، بحجة أن الوضع الأمني لا يسمح بالحديث عن مشاكل بسيطة تحدث بين جدران المنازل وتكون المرأة ضحيتها».
ناقوس خطر
عانت الجمعيات النسوية في الجزائر من التضييق ومحاولات كتم الحديث عن العنف الممارس ضد المرأة، حتى العام 2006 تحديدًا، عندما قررت وزارة الصحة إعداد دراسة بالشراكة مع الجمعيات النسوية لبحث قضية العنف المنزلي ضد النساء. تقول آيت زاي: «رُفض طلبنا للخوض في ملف الاغتصاب، لكن اعتبرنا أن فتح باب الحديث عن شكل من أشكال العنف الممارس ضد المرأة بادرة جيدة».
خلصت هذه الدراسة إلى أن 75 بالمائة من النساء تعرضن إلى عنف من قبل أزواجهن، كما أوضحت إحصائيات لـ وزارة العدل، في العام نفسه، أن المحاكم استقبلت 10 آلاف حادثة تتعلق بقضايا العنف الزوجي. وذكرت إحصائيات حكومية أخرى، من قبل وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، أن امرأة من كل 10 نساء تعرضت لعنف أسري. كانت هذه الأرقام بمثابة ناقوس الخطر للبدء في مناقشة وضع المرأة المعنفة، ليتم وضع استراتيجية حماية المرأة من العنف في العام 2008، وعنها تمخضت مطالب وضع قانون لحماية المرأة من جميع أشكال العنف.
وفي العام 2012، بدأت المناقشات الفعلية لوضع قانون يحمي المرأة من كل أشكال العنف والتحرش. لم تصل مسودة القانون إلى البرلمان إلا في العام 2015، في الوقت الذي سُجلت فيه قرابة سبعة آلاف حادثة عنف ضد المرأة (6984 حالة عنف) في المدن الجزائرية فقط خلال التسعة أشهر الأولى من العام 2014. وفي الفترة ذاتها، بلغت قضايا العنف الأسري أكثر من أربعة آلاف حادثة عنف. ويقول مراقبون إن هذه الأرقام لا تمثل حقيقة الأمور نظرًا لأن كثيرًا من النساء يحجمن عن الإبلاغ عن العنف الممارس ضدهن خشية التعرض لضغوط مجتمعية.
 عقبات وحملة رفض
التسريبات التي وصلت إلى الرأي العام عن مواد قانون يجرم أشكال العنف المنزلي، وكذلك جرائم العنف الجنسي ومنها التحرش، أحدثت جدلًا واسعًا وحملة رفض واسعة. نص مشروع القانون على عقوبات بسجن الرجل الذي يمارس العنف الجسدي والمعنوي ضد زوجته. اعتبرت قطاعات من الرأي العام أن القانون يظلم الرجل. ورأى البعض أن مواد القانون تتيح للمرأة هدم بيتها، وأن تزج بشريك حياتها في السجن. كما رفضت بعض أحزاب المعارضة مواد القانون بحجة أنها تتنافى مع ثقافة ومبادئ المجتمع الجزائري، هذا علاوة على أن مواد القانون تعد تدخلًا في شؤون الأسرة.
بعد أخذ ورد وجدل كبير، صادق أعضاء مجلس الأمة في الجزائر بتاريخ العاشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي على مشروع القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات المتضمن إجراءات جديدة لمكافحة كل أشكال العنف ضد المرأة، ومنها التحرش.
استحدث القانون تدابير لحماية الزوجة من العنف المنزلي، فأقر بعقوبات للزوج في حال تعرض الزوجة لاعتداءات تسبِّب لها جروحًا أو بتر أعضائها أو الوفاة. وقد تصل العقوبة إلى السجن 20 عامًا حسب درجة خطورة الإصابة، أو السجن المؤبد في حالة الوفاة. كما جرم القانون أشكال الاعتداء اللفظي أو النفسي أو المعاملة المهينة للزوجة. وفي سياق آخر، جرم القانون، مختلف أشكال العنف الممارس ضد المرأة في الأماكن العمومية، منها جرائم التحرش الجنسي، وحدد عقوبات السجن من شهرين إلى ستة أشهر أو الغرامة المادية لكل «من يضايق امرأة في مكان عمومي بفعل أو قول أو إشارة تخدش حياءها».
لكن وبعد أن دخل القانون حيز التنفيذ، ومع اعتراف الجمعيات النسوية بأهمية القانون الذي حصلن عليه بنضالهن، إلا أنهن اعتبرن أن المعركة لا تزال طويلة أمام النقائص التي تضمنها القانون، وأهمها إدراج مادة الصفح التي تُوقف أي متابعة قضائية ضد مرتكب العنف ضد المرأة. ونص القانون على إمكانية إيقاف التقاضي في حال ما إذا صفحت الزوجة عن زوجها. تقول الناشطة الحقوقية مريم يعلى: «الطريق لايزال طويلًا. نحن متأكدون أن المرأة ستعفو وتصفح لأنه لا بديل أمامها، فكيف تتابع زوجها قضائيًّا وهي معه في البيت نفسه، حيث لا مكان تذهب إليه، خاصة إذا لم تكن عاملة؟»

نُشر هذا الموضوع في العدد 61 من مجلة «الإنساني»