هيمن القلق من خطر أن تتحول المواجهات السياسية والاقتصادية بين قوى كبرى إلى نزاعات عسكرية مباشرة، على أجواء المنتدى الاقتصادي العالمي في دورته الأخيرة. رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير شارك في هذا التجمع السنوي الكبير، وطرح رؤية المنظمة الإنسانية الأطول عمرًا لأبرز التحديات الإنسانية التي سيواجهها العالم في العام 2018.
في 2018، تدخل الحرب الأهلية في سورية عامها السابع. وسيلقي الجوع والمرض بظلال وخيمة على ملايين السكان في الصومال وجنوب السودان واليمن. وفي مناطق عدة حول العالم، يفر السكان من النزاعات ليحاصرهم البؤس، كما هي الحال في ليبيا. وتتواصل معاناة الناس من الآثار المباشرة وبعيدة المدى التي تخلفها النزاعات والعنف، كما شهدت بنفسي في جمهورية أفريقيا الوسطى هذا الشهر[كانون الأول/ ديسمبر]. وأنتهز فرصة حضوري للاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، لتذكير قادة العالم بالحاجة إلى تقديم المساعدة والحماية للمدنيين المحاصرين في مناطق الحروب. فالتقاعس عن ذلك سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار العالمي، وتصدعات كبرى في النظم الاجتماعية والاقتصادية، وفشل في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وفي ظل التطورات التكنولوجية والمالية التي تحدث تحولات في المشهد الذي تباشر فيه اللجنة الدولية للصليب الأحمر أعمالها، نعتقد أن هذه القضايا الرئيسية السبع ستوجه دفة البرامج الإنسانية في 2018.
أولًا: أداء المجتمع الدولي في التصدي للنزاعات
ستلعب جهود المجتمع الدولي ونجاحاته في التصدي للنزاعات دورًا مهمًّا في تشكيل الأجندة السياسية والاستجابة للأزمات الإنسانية في 2018. وستصبح هذه النجاحات نموذجًا يُحتذى به في الأعمال المستقبلية، بينما ستفرض الإخفاقات اللجوء إلى حلول بديلة. هل سينجح اتفاق المناطق الآمنة في سورية؟ هل سيُستأنف إرسال المساعدات الطبية إلى اليمن؟ هل سيتمكن المدنيون من العودة إلى إقليم راخين؟ هل سيستمر تجاهل النزاعات منخفضة الحدة وطويلة الأمد حتى تنفجر وتفضي إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وتفشي الأوبئة؟
يتعين على المجتمع الدولي تقديم تصور جديد لإحلال السلام، سواء في النزاعات البارزة أو النزاعات المنسية. فبالرغم من أن اللجنة الدولية تواصل توفير الخدمات الأساسية التي يحتاج السكان إليها للبقاء، إلا أننا نحتاج في العام 2018 وما بعده إلى بذل المزيد من الجهود الحثيثة للتوصل إلى تسوية سلمية للنزاعات.
ثانيًا: إعادة إعمار المدن التي دمرتها الحروب
يرزح خمسون مليون شخص تحت وطأة الحروب المشتعلة في المدن حول العالم. وتمثل إعادة إعمارها تحديًا ضخمًا في الأماكن المأهولة بالسكان، لكن يجب أن تبدأ هذه العملية في أقرب وقت ممكن، حتى وإن كان القتال لا يزال دائرًا. ولا تقف إعادة الإعمار عند تشييد الطرق والمنازل، لكنها تشمل مرافق المياه والصرف الصحي وشبكات الكهرباء.
ويمكن أن يساعد النشاط الاقتصادي في رأب صدع المجتمعات التي مزقتها الحروب، لكن إذا لم يتسم هذا النشاط بالمسؤولية، فقد يتسبب أيضًا في اندلاع أعمال عنف أو إطالة أمدها. وهنا يجب أن تمد الشركات والمنظمات الدولية يد العون لتعزيز قدرة المجتمعات المحلية، وللتغلب على الصدمات التي يخلفها العنف.
ثالثًا: تحوُّل طبيعة تمويل العمل الإنساني
نتعامل في المنظمة مع النزاعات طويلة الأمد في ضوء مخطط زمني مزدوج، إذ نقدم الإغاثة الطارئة، فيما نتطلع إلى تطبيق الإطار التنموي أفق العام 2030 ** الذي يركز على الاحتياجات طويلة الأجل، لكن للأسف فالنموذج الحالي لتمويل العمل الإنساني لا يدعم هذا التوجه الحيوي.
ليست النزاعات مجرد اضطرابات عابرة، ولكنها كوارث هيكلية تمزق النسيج الاجتماعي والاقتصادي، وعلى ذلك يتحتم تخصيص التمويل اللازم للتصدي لها. وجنبًا إلى جنب مع الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، يمكن أن تعمل موجة جديدة من المستثمرين الاجتماعيين كمحفز للاقتصادات الهشة أو المتضررة من النزاعات.
وقد طرحت اللجنة الدولية، العام الماضي، أول «سندات الأثر الإنساني» (Humanitarian Impact Bond) على مستوى العالم، وجمعت 26 مليون دولار أمريكي لمراكز إعادة التأهيل البدني الجديدة في نيجيريا ومالي وجمهورية الكونغو الديموقراطية، وتستعد اللجنة الدولية للتوسع في هذه الشراكات في 2018.
رابعًا: القانون الدولي الإنساني
تطالعنا الأخبار بانتهاكات يومية تقع بحق القانون الدولي الإنساني. لكن التغييرات التي أحدثها القانون الدولي الإنساني في سلوك الأطراف المتحاربة، على مدار عقود، لا تحظى بتغطية كافية على الإطلاق. فقد شجع القانون الدولي الإنساني الأطراف المنخرطة في النزاعات على عدم إساءة معاملة المحتجزين، والامتناع عن استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، وعدم اللجوء إلى زرع الألغام الأرضية ومهاجمة المدنيين.
ويشهد القانون الدولي الإنساني تطورات تواكب التطورات الحادثة في النزاعات، لكن مبدأه الأساسي ثابت لا يتغير: حماية الإنسانية من خلال تطبيق القانون. وفي ظل بيئات نزاع يسودها الانقسام والحرب على الإرهاب، يجب على المجتمع الدولي الدفاع عن القانون الدولي الإنساني في مواجهة الحجج التي تدفع بعدم قابليته للتطبيق، أو باحتمالية المقايضة به في صفقات سياسية. لذلك يتعين علينا في 2018 تعزيز توافق الآراء حول القانون كقوة لتحقيق الاستقرار.
خامسًا: المنسيون
أُجبر 65 مليون شخص على الفرار من منازلهم حول العالم، من بينهم أكثر من 40 مليونًا داخل بلدانهم، وغالبًا ما يذهب هؤلاء الأشخاص في طي النسيان ويعجزون عن الوصول إلى المساعدات. وفي حين أن المجتمع الدولي يتفاوض في 2018 حول اتفاق عالمي جديد بشأن الهجرة واللاجئين، ندعو الدول الأطراف إلى ضمان توافق سياسات اللجوء والهجرة مع الالتزامات الدولية والاستجابة للاحتياجات الإنسانية لهؤلاء الفارين من العنف المتأجج داخل حدود أوطانهم.
سادسًا: الهجمات السيبرانية تنضم إلى ترسانة الأسلحة الحربية
أتاحت التكنولوجيا الحديثة صعودًا سريعًا لوسائل لم تشهدها ساحات الحروب من قبل. والابتكارات التي كانت مجرد خيال علمي في الماضي، قد تصبح نذير كوارث في المستقبل، ويشمل ذلك التكنولوجيا النانوية والروبوتات المقاتلة وأسلحة الليزر. تضعنا الهجمات السيبرانية أمام تحديات وخيمة. تصور العواقب الإنسانية التي قد تحدث في حالة اختراق أنظمة مراقبة الحركة الجوية، أو أنظمة خطوط أنابيب النفط أو محطات الطاقة النووية.
وتحث اللجنة الدولية الحكومات والشركات على التصدي للآثار الإنسانية للنزاعات في العالم الافتراضي، والبحث عن إجابات لهذه التساؤلات بالغة الأهمية: ما تعريف الحدث الأمني المعلوماتي في مقابل العمل الحربي؟ كيف يطبق مبدأ التناسب؟ كيف يمكن أن تفرق الهجمات الافتراضية بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية؟
تسري القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني على الحرب السيبرانية والوسائل التكنولوجية الجديدة الأخرى، لكن يتعين علينا دراسة تطبيق قواعد أقوى وأنسب لحماية المدنيين من الاستهداف في المواجهات التي ستشهدها النزاعات المستقبلية.
سابعًا: التكنولوجيا من أجل الخير
لا تنطوي الثورة الصناعية الرابعة على الأخطار فقط، لكنها تجلب معها أيضًا حلولًا للمشكلات الإنسانية، فقد عقدت اللجنة الدولية مثلًا شراكة مع شركة مايكروسوفت لاستخدام تكنولوجيا التعرُّف على الوجوه للمساعدة في لمِّ شمل العائلات التي شتتتها النزاعات، بينما شيدت شركة «إيه بي بي» (ABB) شبكة طاقة شمسية لتغذية مستودعنا في نيروبي.
وتوفر البيانات الضخمة والتحليل السياقي الأمثل للمعلومات، المقومات المطلوبة لإحداث تحول في أسلوب استجابة اللجنة الدولية للأزمات الإنسانية والقدرة على التنبؤ بها. ويمكن أن تتيح الهويات الرقمية الآمنة للاجئين، الذين فقدوا أوراقهم الثبوتية، الوصول إلى الخدمات بشكل أسرع. ونرغب في أن تلعب التطورات التكنولوجية في 2018 دورًا أكبر في مساعدة الأفراد المتضررين من النزاعات.
تلك هي القضايا الرئيسية التي سنركز جهودنا عليها هذا العام. لكن يعتمد نجاحنا في هذا الأمر على زيادة التزام الدول، وغيرها من الأطراف المعنية، بالحد الأدنى من المعايير الإنسانية، وتحقيق اتفاق واسع على العمل الإنساني المحايد وغير المتحيز والمستقل.
فقد أدركت اللجنة الدولية، عبر تاريخها الممتد على مدار 155 عامًا، أن العمل الإنساني القائم على المبادئ والقانون، الذي تتوافق عليه جميع الأطراف المعنية، هو نقطة الانطلاق المُثلى للتعامل مع حالة الانقسام هذه، وبناء مستقبل أفضل يتسع للجميع.
***
هوامش
*نُشرت هذه المقالة في الأصل على موقع Devex، في كانون الأول/ ديسمبر 2017.
**هي خطة بلورتها الأمم المتحدة ووافقت عليها معظم دول العالم لتحقيق التنمية المستدامة حتى العام 2030 (2030 Agenda for Sustainable Development). [المحرر]

من الأرشيف:
اقرأ الحوار الذي أجرته «الإنساني» مع رئيس اللجنة الدولية في 2016:
بيتر ماورير: صراعات اليوم نتيجة فشل خطط التنمية وغياب العدالة