نُشر هذا المقال في العدد 60 من مجلة «الإنساني» ومحوره الهجرة
دفعت عقود من الحروب المنهكة في أفغانستان أجيالًا من الأفغان إلى التماس اللجوء في البلاد المجاورة كباكستان وإيران. وفي هذه الأخيرة -التي تتمتع بمشهد سينمائي خصب- حاول مخرجون عرض بعضٍ من حيوات هؤلاء المهاجرين في أفلامهم والتي كشفت النقاب عن صورة قاتمة للأوضاع التي يرزح تحتها هؤلاء اللاجئون.
في مُقابلة أجريت مع الروائي الأفغاني خالد حسيني حول روايته «عداء الطائرة الورقية» (Kite Runnerالتي نفدت جميع نسخها وأذاعت صيته عالميًّا، تردد حُسيني قليلًا قبل أن يجد إجابة مقنعة عن سؤال حول سبب كتابته الرواية. ردَّ الروائي بالقول إن التفكير بالوطن يظلُّ هاجسًا لا يُفارق المُهاجر طوال حياته. فحتى بعد أن يقضي المرء أمدًا مديدًا بعيدًا عن مسقط رأسه، وتلازم لسانه لغة أخرى غير لغته الأم، فإن اللغة الأم لا تنفك عنه في جميع أحواله.
يجد المهاجر نفسه في النهاية منتميًا لذلك المكان الذي أُجبر على تركه. ويبدو أن هذه هي الرسالة التي تبعثها الرواية. تُصوِّر الرواية حياةً، تغيرت بين عشية وضحاها على إثر انقلاب مُفاجئ، لم يدر بخلَد أحد أنه سيكون مقدمة لسنوات من الاضطراب الذي يعصف بالبلاد لسنوات تالية. الشخصية الرئيسة في الرواية تُدعى أمير، وهو كاتب يعيش في الولايات المتحدة الأميركية. يُضطر «أمير» – سعيًا لإنقاذ حياة صبيٍّ – إلى العودة إلى بلد مجهول بالنسبة إليه منذ زمن بعيد. إذ لا تتجاوز معرفته به ما يصله من وسائل الإعلام من أخبار حول حركة طالبان.
لم تكن عودته تلك عودة مهاجر إلى وطنه، بل هي في الواقع مهمة لإنقاذ حياة صبي بإخراجه من أفغانستان ليحصل على تأشيرة إقامة دائمة في الولايات المتحدة، إيمانًا منه أن أفضل سبيل لضمان مستقبل زاهر لهذا المهاجر الصغير هي أن يهجر حياته المحفوفة بالمخاطر، وأن ينطلق نحو مستقبل مشرق في بلد آخر يتمتع فيه بكل حقوقه كمواطن.
تُعرف الهجرة بأنها انتقال الأفراد من مكان إلى آخر، سعيًا وراء فرص عمل وظروف معيشية أفضل. فعادة ما تلجأ جماعة من الناس إلى الهجرة عندما تتدهور ظروف البلد الذي يعيشون فيه، وما يترتب على ذلك من انعدام فرص العمل. ومتى انقطعت أمامك فرص العمل لكسب لقمة العيش، لا يتبقى أمامك إلا سبيل الهجرة. والآفة الكبرى التي تعيق سير أي مشروع ويتجرع بسببها الناس المآسي والويلات هي الحروب، لا سيما الحروب الأهلية التي تُعد السبب الرئيس للعديد من حالات الهجرة.
كان الأفغان يستعدِّون لحدوث تغير كبير في منتصف سبعينيات القرن الماضي بُعيد الانقلاب الذي نفَّذه داود خان ضد محمد ظاهر شاه، وأعلن على إثره قيام نظام جمهوري. إلا أنه لم يجل بخاطر أحد يومًا أن «حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني» سيدبِّر هو الآخر انقلابًا على داود خان، وأن «المجاهدين» سيشنون حرب العصابات التي أدت في النهاية إلى تدمير البلاد وظهور «حركة طالبان».
أجبرت الحروب الداخلية وحروب العصابات أعدادًا كبيرة من الشعب الأفغاني على الفرار من البلاد، واختار الفارون الذين لم يرغبوا اللجوء في باكستان الهجرة إلى إيران، ليعيشوا فيها محرومين من حقوقهم الإنسانية، ويفتقدوا منزلًا يجمعهم، سواء في مسقط رأسهم، أو في إيران.
ولذا، ليس من المُستغرب أن يستعين المخرج الإيراني مُحسن مخملباف في فيلمه الدرَّاج (The Cyclist)، الذي أُنتج عام 1988، بشخصية المُهاجر الأفغاني ليُجسد حال «شخص شريد فقير» بحسب وصفه. يجد هذا الشريد نفسه مُكرهًا على فعل أي شيء ليكسب بالكاد ما يسد به رمقه.
مال مخملباف نفسه منذ البداية إلى تجريد ذلك «الشخص الفقير الشريد» من الانتماء لخلفية أو هوية أو بلد مُحدد، ورأى –كما أشار عليه سينمائيون إيرانيون-أنه من غير المناسب اختيار شخصية مواطن إيراني ليُجسِّد هذا الوضع «التخيّلي»، كما يصفه مخملباف نفسه. واستقر على تجسيد شخصية نسيم، الدرَّاج البائس، الذي يعبر حاله عن صورة نمطية للشعب الأفغاني، وذلك سعيًا منه إلى أن تكون القصة عالمية متحررة من الحدود الجغرافية.
ينشغل تفكير نسيم بالمال الذي ينبغي له أن يكسبه لتأمين تكاليف العلاج الطبي لزوجته؛ إذ يرفض الأطباء علاج الفقراء من المرضى. فيكون السبيل الوحيد أمامه لجمع هذا المال هو ركوب دراجته والسير بها الطرقات دون انقطاع، متحمِّلًا جبالًا من الهمِّ، ومصارعًا الرغبة في النوم. ومع أن الفيلم لا ترتبط أحداثه بزمان أو مكان مُعيَّنين، وأن القصة تنتهي بأحداث تبدو أقرب إلى عالم الخيال، فإن تلك اللمحة البسيطة إلى الظروف الصحية للَّاجئين الأفغان كافية لإعطاء صورة عن أوضاعهم في إيران آنذاك، كما جسدتها السينما في تلك الفترة، وهو ما افتقدته الأفلام التي أنتجت لاحقًا حول المهاجرين الأفغان.
غير أن جانبًا آخر من حياة اللاجئين الأفغان تناوله فيلم جُمعة (Djomeh) للمخرج حسن يكتبانه. يروي الفيلم قصة حياة عامل أفغاني يعمل في مزرعة حيوانات بالقرب من طهران، ويتطلب عمله السفر إلى القرى المجاورة، ليقع تدريجيًّا في حب فتاة تعمل في متجر تديره عائلتها. وهنا تكشف القصة حقيقة أن جُمعة، بطل الفيلم، غادر موطنه قاصدًا إيران بقلب منفطر محاولًا نسيان ذكرياته المريرة.
ولأنه لا يستطيع التقدم لخطبة الفتاة التي أحب، فإنه يطلب من صديقه الإيراني أن يطلب له يدها من أهلها. يُخبره صديقه من البداية أنه لا يعتقد أن العائلة ستوافق كونه ليس إيرانيًّا. لكن أمام إلحاح جُمعة، يذهب الصديق لطلب يد الفتاة لصديقه، ليتلقى الرد الذي توقَّعه.
بعد عام من إنتاج جُمعة، أخرج مجيد مجيدي فيلمه باران (Baran). تدور أحداث القصة في بناية شاهقة تحت الإنشاء يعمل فيها مجموعة من القرويين الإيرانيين وبعض العمَّال الأفغان المُشتغلين بالأعمال اليدوية. يتلقى لطيف – العامل الذي جاء من الريف الإيراني والمسؤول عن أعمال الصيانة وتغذية العمَّال- خبرًا بأن ابن عامل أفغاني مصاب سيحل محل والده في العمل.
يتولى رحمت الابن اليافع أعمال الصيانة، وبالتالي يشكل تهديدًا على بقاء لطيف في وظيفته. يغضب لطيف لذلك ويقرر البحث عن طريقة لإيذاء رحمت. تستمر أحداث القصة حتى يكتشف لطيف يومًا ما أن رحمت في الحقيقة فتاة واسمها باران، أجبرت على التنكر في هيئة ذكر لتنال الوظيفة وتنفق على أسرتها في غياب الوالد. وهنا تتغير دفة الأمور، ويبدأ لطيف في تقديم يد العون لها، وتنقلب مشاعر العداوة والبغض شيئًا فشيئًا ليحل محلها حب وتعلُّق شديد. تظهر المشكلة عندما يصدر بيان بمنع العمَّال الأفغان الذين لا يحملون تصريح عمل من الاستمرار في أعمالهم.
يذهب لطيف للبحث عن باران، وعندما تقع عيناه على الظروف المعيشية المتردية التي تعاني منها أسرتها، يقرر منحهم جميع مدَّخراته، ربما أملًا في الزواج من باران. يدرك لطيف إلى أي مدى قد تبلغ قسوة هذا العالم، عندما يتلقى أخبارًا تفيد بإلزام باران وعائلتها بمغادرة إيران.
يتناول فيلم حيران (Heyran) من إخراج شاليزة عارف بور رواية مُغايرة للقصة ذاتها. في هذه القصة فتاة إيرانية تُدعى ماهي تقع في حب فتى أفغاني يُدعى حيران. تترك ماهي أسرتها وتسافر إلى طهران لتتزوج حبيبها. إلا أنه في أثناء انتظار قدوم مولودهما، يختفي حيران فجأة لتكتشف لاحقًا أنه رُحِّل إلى أفغانستان لكونه مهاجرًا غير شرعي. وهنا يظهر جانب آخر في الروابط التي يتعلق بها اللاجئ أكثر أهمية من المال وفرصة العمل.
ومع أن الكثير من الإيرانيات تزوجن من أفغان، إلا أن هذه الحقيقة لم تلقِ السينما الإيرانية الضوء عليها، أو على الأقل لم يجر تناول هذه القضية بالقدر اللازم مع أهميتها. ويبدو أن الاتجاه العام هو محو أي أثر لهذه القصص وحجبها عن الشاشات الإيرانية، بالنظر إلى أن أبناء هؤلاء الإيرانيات محرومون من حقوقهم الأساسية بسبب انتماء آبائهم إلى الجنسية الأفغانية.
يُعد فيلم بضعة أمتار مربعة من الحب (A Few Cubic Meters Of Loveمن إخراج المخرج الأفغاني الذي يعيش في إيران جمشيد محمودي، نسخة أخرى من فيلم باران، لكن بنهاية مأساوية. شاب إيراني يعمل وسط مجموعة من اللاجئين الأفغان في مصنع يقع على مشارف طهران يقع تدريجيًّا في حب فتاة أفغانية. ينشدان الخلوة في ساحة مهجورة تتراص فيها الحاويات القديمة، في الوقت الذي تشن فيه قوات الشرطة حملات تفتيش على المصنع لمنع اللاجئين الأفغان من العمل فيه وترحيلهم.
لا يجد والد الفتاة بُدًا من مغادرة إيران. لكن الشاب، الذي لا يُطيق فراق حبيبته، يلجأ إلى مدير المصنع طالبًا منه التدخل. غير أن والد الفتاة يرفض تمامًا فكرة زواج ابنته من إيراني، ليكون مصير العاشقين أن يُدفنا أحياء داخل حاوية مُغلقة. وتعد هذه ربما أكثر نهايات الأفلام التي عصرت قلوب المشاهدين من فرط مأساويتها. لكن المخرج الأفغاني اختارها لقصته في محاولة منه لتصوير جانب آخر للمصاعب التي يُكابدها اللاجئون الأفغان في إيران. أولئك المهاجرون الذين لطالما تجرَّعوا صنوفًا من المعاناة والمرارة لسنوات طوال، لدرجة أنه بات من الصعب عليهم تصديق أن يومًا ما ستمتد إليهم يد أحدهم بالعون.