نُشر هذا المقال في العدد 59 من مجلة الإنساني-صيف 2015
——
في غرفة داخل مكتب واقع في مبنى عادي في اليمن، جلست مجموعة من الرجال الأقوياء البنية، طبعت المعارك وجوههم بمعالم قاسية، لحاهم طويلة ويرتدون عباءات رمادية. مهذبون لكن خشان. افترش بعضهم الأرض لأن المقاعد لم تكن تكفي الجميع. لمدة ساعتين ظلوا يشرحون لنا كيف يمكن أن نوصل أنواعًا مختلفة من المساعدات، من مواد غذائية وأدوية، للناس بصورة آمنة. وأكدوا لزملائي أنهم سيوفرون لهم أي عون سيحتاجونه حتى تتمكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر من توزيع المساعدات على كل من هو بحاجة إليها.
لم يكن هناك من سبب يدفعنا إلى التشكيك في ما يقولون، لا بل على العكس، كانت كل الأسباب تحملنا على أن نكون ممتنين لهم لما يقدمونه من عون. لم يكن في ذلك أي ضير. هؤلاء الرجال بالملابس الرمادية، كانوا عناصر من “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”.
قبل جولة العنف التي يشهدها اليمن اليوم بفترة طويلة، بدا جليًّا أن الأمور تتغيَّر بالنسبة للجنة الدولية. كنَّا لشهور عدة غير قادرين على استعمال شارتنا المعروفة في كل أرجاء العالم والمتمثلة بصليب أحمر على خلفية بيضاء طُبع حوله اسم “اللجنة الدولية – جنيف”. ففي بلد تتصاعد فيه التوترات وأعمال العنف المتكررة، يتزايد خطر سوء الفهم، كأن يرانا السكان “صليبيين مسيحيين”، مع ما يصاحب ذلك من تداعيات محتملة. وفي الواقع، اضَّـطرنا ذلك في العام 2010، إلى التوقف عن وضع شعارنا المعروف على مركباتنا والتجوّل بمركبات تحمل شارة تتكون من مستطيل أسود دوّن في وسطه بحروف لاتينية صغيرة الاسم المختصر للجنة الدولية للصليب الأحمر “ICRC”.
وواجهنا في بعض الأماكن ريبة حقيقية من سكان كانوا يتساءلون من نحن وماذا نفعل. لكن الوضع تغيَّر جذريًّا اليوم. فلم نكسب قبول “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” فحسب، بل كذلك ثقة أغلبية السكان في هذا البلد. وبتنا اليوم، حين ندخل مدينة أو قرية في أي بقعة من اليمن تقريبًا، نُستقبل بوجوه مبتسمة وبترحيب بالأيادي. حتى سياراتنا التي تحمل شارة كبيرة للصليب الأحمر باتت تحظى بالترحيب. فما الذي تغيَّر ولِمَ صرنا ننعم اليوم بهذا القبول؟
رحلة ليست كغيرها
قبل عامين، حزمت أمتعتي وفيها ملابس فضفاضة (على النساء الاحتشام في لباسهن في اليمن)، وقمصان طويلة ومناديل للرأس والكثير من الشوكولاتة، وتوجهت إلى مطار جنيف للسفر إلى اليمن. تحققت السيدة المكلفة بتسجيل الحقائب من جواز سفري وتذكرتي وحدّقت بي من رأسي إلى أخمص قدميّ، ثم رمقتني بنظرة تعاطف، وقالت لي إنها ستنادي رئيسها. جاء رئيسها، رمقني بالنظرة ذاتها وطلب مني أن أوقع على ورقة أُقرّ فيها بأنني أتحمل مخاطر سفرتي هذه والمسؤولية التامة عمّا قد يصيبني، وأن شركة الطيران، لا تتحمل بالطبع أية مسؤولية من أي نوع كان. وبما أنني وُلدت في البرازيل وأحمل إرثًا من لبنان وشهادة دكتوراه من فرنسا، فإنني حكماً من أصول متنوعة. وقد سبق لي كذلك أن شاركت في بعثات إنسانية عدة حول العالم، ويمكنني القول بأنني، إلى حدّ ما، قد اعتدت السفر والتعايش مع ظروف غير متوقعة. لكن مسألة التوقيع هذه كانت أمرًا جديدًا وربما مؤشرًا على أن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة. لكنني بالطبع وقّعت.
فبعد العام 2011 أصبح الخطف “تجارة” منتشرة في اليمن، وصارت بعض القبائل والجماعات تستخدمه في أغلب الأحيان كأداة مقايضة للحصول على أي شيء تحتاجه، وأعني بذلك أي شيء: من مبالغ مالية طائلة إلى الإفراج عن سجين، وصولاً إلى أبسط المتطلبات كتركيب أنبوب لنقل المياه في منطقة ريفية. وتعرّضت اللجنة الدولية نفسها لبعض من عمليات الخطف هذه، لكنها سرعان ما كانت تُحلّ في فترة وجيزة نسبيًا. حتى إن آخر عملية إفراج عن مخطوفين حدثت في الليلة التي سبقت وصولي إلى اليمن.
لكن الوضع كان هشًا ومتقلبًا. واختبرت ذلك في أول يوم أمضيته في مكتبي الجديد، حيث كان الاتصال الهاتفي الأول الذي أتلقاه هو إنذار بوجود قنبلة! أهلًا وسهلًا بي في صنعاء!
لم أعرف في الأسابيع أو الأشهر التالية لهذا اليوم أي يوم “عادي”، إذ تعاقبت الأزمات الواحدة تلو الأخرى.
التعامل مع اليأس بإيجابية
 جاءت نقطة التحوّل في عملنا مع اندلاع أعمال القتال في مدينة دماج بمحافظة صعدة، في تشرين الأول/أكتوبر 2013. أوقع القتال العشرات من الجرحى الذين كانوا يحتاجون للعلاج حتى ينجوا من الموت. وكنا في ذلك الحين نسعى منذ فترة للدخول إلى المدينة. وفي أحد الأيام، اتصلت بي صحفية يمنية لتسألني عن سبب عدم تدخلنا لمساعدة الناس في المدينة، فكانت إجابتي “أننا مستعدون لذلك لكننا نحتاج إلى ضمانات من مختلف الأطراف بألَّا نُستهدف عند دخولنا المدينة”.
وقبل أن أدرك ما يحصل، كانت الصحفية قد نشرت كل أرقام هواتف كبار المسؤولين السياسيين، وصانعي القرار في البلد، بمن فيهم الرئيس ورئيس الوزراء، فضلاً عن أرقام المنظمات الكبرى، ومنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وطلبت الصحفية من الناس الاتصال بهذه الأرقام ليطلبوا السماح للجنة الدولية بدخول المدينة لإخلاء الجرحى. وكان لها ما طلبت، وبلمحة البصر، دخلت اللجنة الدولية إلى دماج.
نزعنا المستطيل الأسود ورفعنا أعلام الصليب الأحمر. وفي الأيام اللاحقة، نقلنا عددًا لا يحصى من الجرحى إلى خارج المدينة. لكن الأمر الحاسم الذي مكننا من ذلك هو أن الناس رأوا بأم العين أننا منظمة إغاثة تقدم الرعاية الطبية للجرحى بغض النظر عن جنسياتهم، أو آرائهم السياسية، مدنيين كانوا أم جنودًا. نتعامل معهم فقط بوصفهم أناسًا يحتاجون إلى المساعدة، ونحن لدينا الوسائل اللازمة لمساعدتهم، ففعلنا. عندها بدأ الناس يدركون خطأ الاعتقاد بأننا “جواسيس” أو “صليبيون” أو سياسيون أو مؤيدون لهذا الطرف أو ذاك.

عملنا ما في وسعنا ولبينا احتياجات الناس كلما تسنى لنا ذلك، لكن كمّ الطلبات كان هائلاً. ومع ذلك اتبعنا سياسة الإنصات لكل فرد، أياً كان ما يريد قوله أو طلبه، وأيًا كانت شكواه

وأخذت سمعة المنظمة تتحسن بسرعة ملحوظة. وبصفتي المسؤولة الإعلامية، والموظفة الوحيدة في البعثة التي تحمل هاتفا معروفة أرقامه للعموم، بدأت تنهمر عليَّ الاتصالات الهاتفية من كل حدب وصوب، لتصل في إحدى المراحل إلى أربعمائة اتصال في اليوم. فالناس يائسون وصاروا يتصلون بنا لأي أمر يراودهم: هل يمكننا أن نُقلهم بالطائرة إلى خارج البلد بحثاً عن الأمان؟ هل يمكننا أن نزوّد العائلة بكيس أرز؟ هل يمكننا أن نوفر الدواء لمريض مصاب بالسرطان، أو لامرأة مسنّة مصابة بفشل كلوي؟ حتى إن رجلاً اتصل بنا ليسألنا إن كنا نستطيع تزويده بالسلاح “ليدافع عن شرفه” بالقتال…
عملنا ما في وسعنا ولبينا احتياجات الناس كلما تسنى لنا ذلك، لكن كمّ الطلبات كان هائلاً. ومع ذلك اتبعنا سياسة الإنصات لكل فرد، أياً كان ما يريد قوله أو طلبه، وأيًا كانت شكواه. ففي زمن الاضطرابات الكبرى والضغط والخوف، لا يرغب الناس في أغلب الأحيان سوى في الاستماع إليهم. وهناك حتى من كانوا يدركون أننا لا نستطيع مساعدتهم لكنهم كانوا يرغبون فقط في التخفيف من حملهم بالكلام. وهذا أمر مهم.
ففي إحدى المرات، دخل رجل إلى مكتبنا وهو يستشيط غضبًا. وبعد أن هدّأ الموظفون غضبه، شرح لهم أنه تلقّى قبل بضعة أسابيع، في الجولة الأخيرة من توزيع المساعدات، خيمة في حين أنه كان يأمل بالحصول على كيس أرز! قد يبدو الأمر بسيطا لمن يقرأ هذا الكلام لكن البشر في ظلّ الضغط الهائل ينهارون. والحقيقة أن توقعات هذا الرجل كانت كبيرة، لكنها خُذلت. فكانت تلك هي النقطة التي طفّحت الكيل وجعلت الموقف خطيراً. استخلصنا من ذلك الموقف عبرة واضحة: علينا ألا نرفع سقف توقعات الناس في سياقات كهذه ولو عن غير قصد. وحرصنا منذ ذلك الحين على التوفيق بين الوعود التي نقطعها وتوقعات الناس.
أصبح الناس حينها يقدّرون ما نفعله، من تقديم الرعاية الطبية إلى توزيع المواد الغذائية، وتأمين الماء والمأوى، ومراقبة ظروف المحتجزين، وضمان التواصل بين أفراد العائلات التي فرّقتهم ظروف الحرب. قمنا بكل ذلك من دون منح أي أفضلية أو امتياز لأي طرف أو مجموعة كانت. أديّنا مهمتنا بحياد وعدم تحيّز، وهما قيمتان أساسيتان من قيم اللجنة الدولية. تحدثنا مع الجميع واستمعنا إلى الجميع. لم نحكم على أحد ولم نقف في صفّ أحد. ما كان يهمّنا هم أولئك الذين انقلبت حياتهم رأسًا على عقب. وأخذ الناس الذين نتعامل معهم يدركون ذلك رويدًا رويدًا. فنجحنا في بناء الثقة، وإن ظلّ حيادنا في بعض الأحيان موضع تشكيك.
ففي إحدى المرات، شنّ شخص حملة ضدنا على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، مدعياً أننا “جواسيس”، وبثّ كماً هائلاً من الادعاءات الأخرى . واجهنا تلك الادعاءات ولجأنا حتى إلى المحاكم وربحنا القضايا. تحدّثنا إلى القادة الروحيين الإسلاميين، وإلى الأئمة في المساجد. كما تحدثنا عبر التلفزيون إلى الناس وذهبنا إلى داخل الجماعات لنشرح لهم من نحن وماذا نفعل. عرفناهم بمهمة اللجنة الدولية في التعريف بالقانون الدولي الإنساني، ووضّحنا الدور المركزي الذي أدّته اللجنة في وضع اتفاقيات جنيف والقوانين الإنسانية التي تحكم خوض الحروب. وجاء وقت أدركنا فيه أننا استطعنا بالفعل أن نترك انطباعاً إيجابياً.

موظفة باللجنة الدولية تنظر إلى دمار الحرب الذي حل بالعاصمة صنعاء

قلوب أتعبها العنف
 كانت الطائرة تحلّق فوق صنعاء منذ بعض الوقت. فبعد أسابيع من المفاوضات لإدخال المساعدات إلى اليمن، في أعقاب بدء عملية “عاصفة الحزم”، بتنا أخيراً قاب قوسين أو أدنى من إدخال المساعدات الأكثر إلحاحًا إلى البلد. وفي طريقنا إلى المطار، في منطقة شهدت قصفًا ًعنيفًا في اليوم السابق، اعترضنا فجأة رجل مسلح وأوقفنا. كان الرجل رثّ الملابس ويحمل رشّاشاً من نوع “كلاشينكوف”. كانت مقلتا عينيه تدوران سريعاً في محجريهما. ذلك الرجل، وربما الكثير من رفاقه، كانوا ما يزالون مرهقين جسديا ونفسيا، من عنف هجوم الأمس.
إنها الصدمة. بدأ الرجل بالصراخ وحذَّرنا من الاقتراب طالبًا منّا المغادرة على الفور. في تلك اللحظة، فاق الأمر قدرتي على التحمّل. ومن دون أن أزن العواقب، انتصبت في الجهة الخلفية للسيارة البالية التي كنا نستقلها من نوع “تويوتا هيلوكس”، وصرخت فيه قائلة: “نحن هنا لمساعدتكم! نحن هنا لجلب مساعدات طبية! وإن لم تسمح لنا بملاقاة زملائنا القادمين على متن الطائرة، سأذهب إلى محطة التلفزيون هذا المساء وأقول إنك أنت من منع المساعدات من الدخول!”.
وأعتقد أن خطوتي هذه كان يمكن أن تخيب أو تصيب. فإما أن تعود هذه المساعدات- والسكان بأمّس الحاجة إليها- إلى جيبوتي بعد أسابيع من العمل ومئات الاتصالات والشروح، وإما أن تحطّ الطائرة آمنة في مطار صنعاء. وبحمد الله، هذا ما حدث. فقد فضّ زملاء الرجل الإشكال، بعد أن وصل عدد من المسلحين الآخرين إلى المكان. واستفاض هؤلاء في الاعتذار من سلوك زميلهم وسمحوا لنا على الفور بالدخول إلى مدرج المطار.
كان ذلك خير دليل على الاحترام الذي نجحت اللجنة الدولية في اكتسابه في الأشهر الماضية، إذ كان هؤلاء المسلحون يعرفون من نحن وماذا نفعل. وكانوا يقدّرون لنا أننا بقينا هناك، نسعى لتقديم المساعدة، بعد أن كان غالبية الصحفيين الدوليين والعاملين في المنظمات الدولية غير الحكومية والسفارات قد غادروا البلد منذ زمن طويل. كنا على استعداد للتحدث مع أية مجموعة، سواء أكان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، أم الحكومة أم أية مجموعة مسلحة أو أشخاص آخرون، لأننا لم نكن معنيين بالسياسة أو مرتبطين بالحكومة. كنا هناك نسعى للحد من المعاناة التي ألمّت بالناس.
دخلنا من الباب إلى مدرج المطار، وأفرجت الطائرة عمّا في باطنها، لتفرغ اثني عشر طنًا من التجهيزات الجراحية والأدوية على أرض المدرج. وها هي اللجنة الدولية تحطّ في صنعاء، بالمعنى الحقيقي كما بالمعنى المجازي.
فقدت الكثير من الأصدقاء والزملاء عندما كنت في اليمن، وهو ما ترك حرقة في قلبي. لكن الحرقة الأكبر كانت على من تركت خلفي من أناس يعانون. اليمن بلد ممزق يعاني فيه الناس من آثار النزاعات والآلام منذ عقود وليس فقط في الأشهر الأخيرة. سياسات كبرى وصغرى، تفجيرات، حرب شوارع، قتلى، وعشرات الآلاف من السكان الذين أجبروا على الهرب من منازلهم؛ أي الطيف الشامل من العنف الجسدي والنفسي. واللجنة الدولية تفعل ما بوسعها للحد من المعاناة، لكن الأمر ليس دائمًا باليسير.